إن العلاقة بين الأسرى في سجون الاحتلال وإدارة السجون عبـارة عـن حالة اشتباك دائمة؛ كل طرف يسعى للانقضاض على الآخر، فلا يفوت فرصـة ملائمة إلا ويستثمرها، ويدرك كل طرف مقدار قوة الآخر، والإمكانات الرابضـة خلفـه، والتي يمكنه أن يوظفها في حربه، أو يفجرهـا في الوقت الملائـم، وعنـدما شكلت أعوام الانتفاضة الأولى "هدنة مؤقتة"؛ سعت إدارة السجون للاستفادة مـن ذلك، والانقضاض على حقوق الأسرى، ومصادرة ما استطاعت مصـادرته، ولما وجد الأسرى أن كافة الوسائل التكتيكية غير مجدية لوقف الهجمة الشرسـة مـن قبـل السجانين، وأنه لا خيار سوى اللجوء إلى وسيلة النضال الاستراتيجي، وهي إعلان الإضراب المفتوح عن الطعام، الذي يتطلب إعداداً واستعداداً وجاهزيـة عاليـة قـد تستغرق أشهراً طويلة من المراسلات والحوارات بين قيادات الفصائل؛ كـل فـصـيل مع قيادته ومع الآخرين، حتى يتمكنوا من توحيد الموقف، رغم ما يحتاجه ذلك من تذليل للمصـاعب، حيـث بـرزت خلافات لم يكـن جوهرهـا رفـض المشاركة في الإضراب (إضراب عام 1992م)، وإنما كانت المنافسة على من سيتبوأ المكانة القيادية في هذه الخطوة، لكن الجميع، في نهاية الأمر، كان دافعهم المصلحة الوطنية؛ فتوحـدت الصفوف وفقاً لسياسة واحدة، وبرنامج واحد، واستغرق وقتاً طويلاً من الحوار الداخلي حتى تم التوصل إلى ساعة الصفر، وكان الأمر لا يقف عنـد تجهيـزات وحـوارات قيـادات الأسرى، وإنما يتطلب الحوار والبحث والإعـداد في كـل سـجن، فقبـل كـل شـيء يجري عمل استفتاء وطني للقاعدة، وفي ضوء الموافقة الكبيرة العـدد؛ جـراء الحشـد والتعبئة في صفوف القاعدة من قبل كل فصيل، وبشكل عام لدى الجميع؛ يتم بوضوح إعلان أن المشاركة، في خطوة جوهرية واستراتيجية كهذه، مشـاركة طوعية لمن يجد في نفسه الجاهزية لدخولها، لكن ليس من حق من يشارك التوقف أو الانسحاب؛ لأن ذلك يعني ضـرب المضربين بخاصـرتـهـم، مـا قـد يعكـس صـوراً انهزامية، وضعفاً أمام السجانين، وقد يجعلهم يطيلون فترة مراهنتهم على إضعافنا ومن ثم انهزامنا؛ فيصار إلى عقد الندوات والجلسات، ومناقشـة قضـايا ومتطلبات وأهداف الإضراب، وسبل خوضه الموصلة للانتصار، وكذلك الكثير من التعبئة المعنوية والنفسية، وكيفيـة الصـمود والتصـرف في كـل أيـام الإضـراب، ثـم تقـدم إرشادات صحية تفصيلية للحفاظ على ذواتنا أطول فترة ممكنة؛ هادفين إلى ممارسة أكبر عدد ممكن من وسائل الضغط لجعل عـدونا يرضـخ ويستجيب لمطالبنـا التي يكون الأسرى قد حددوها، والتي لا يمكن وقف الإضراب دون تحقيقها؛ أي هناك مطالب الحد الأدنى والحد الأعلى.
إنها معركة حقيقية نسميها معركة الأمعاء الخاوية، أو معركة الإرادات، التي لهـا شروط للانتصار، وكذلك الصـلابة مـن قبـل المُحـاور، والقـراءة المستمرة لمجريات الإضراب وتطوراته، والجرأة في اتخاذ القرار المناسب وفقاً للآليـة المقـررة سلفاً والمتفق عليها، كما أنه لا يمكن القياس على إضراب حقق أهدافه جـراء المتغيرات على الواقع بكل معطياته، وإنما الاستفادة من التجارب السابقة في رسم - خطوط الحاضر بهدف صناعة المستقبل.
يشار إلى أن إدارة السجون تفـرض حالـة الـطـوارئ مـع بـدء الإضراب، وتمارس ضغوطاً شتى على الأسرى، وفي الوقت نفسه، توفر فحوصات طبية كقياس الضغط والوزن، وتوفر بعض العلاجـات لمـن يحتـاج، وذلـك كـل يـومين مرة، ومـن ضمن الإجراءات، تقوم بنشر نشرات مكتوبة لتخويف الأسرى مـن مضاعفات الإضـراب، كتوقف القلب، وتساقط الشعر، والضعف الجنسي، وكثير من الأمراض، والهـدف هو كسر الإضراب.
امتدت هذه الحالة من الإعداد عاماً كاملاً عاشـته السجون في مواجهـة الأسلوب العنيف، كما عسقلان، ومنها ما هو أقل عنفاً؛ الأمر الذي ضـاعف أعـداد المعزولين، واتباع سياسة النقل من سجون الشمال إلى سجون الجنـوب وبالعكس، عقاباً لهـم ولذويهم أكثر منهم، إلا أن هذا الوضع المتوتر جداً رافقتـه عمليـات بـيـن الأسـرى في كافة السجون بهدف خوض خطوة نضالية استراتيجية، أو إضراب مفتوح عن الطعام، باعتبار الخيار الأخير يهدف إلى تحسين شروط الحياة وحفظ كرامـة الأسـرى، وفرض معاملة إنسانيه تليق بنـا بالأسـرى السياسيين، وامتـدت الشهور حتى أثمـرت تـلـك المشاورات والتنسيقات عن الإضراب، الـذي بـدأ في 27/9/1992م، وشارك فيـه آلاف الأسرى والأسيرات في كافة السجون والمعتقلات، ويمكـن القـول بثقـة إن هـذا الإضراب الذي سمي بـ "انتفاضة الأسرى"، أو "أم المعارك"، كان، لغايـة الآن، الإضـراب الوحيد الذي شمل كافة السجون والمعتقلات تقريباً، وسار وفق خطة موحـدة تقريبـاً، وتحت قيادة موحدة، وهذا من عوامل نجاحه، إلى جانب عوامل موضوعية أخرى، مثل الوضع السياسي المحيط، حيث انتخاب رموز حزب العمل، وتشكيل حكومـة برئاسـة رابين، بعد أن كان الليكود على رأس الحكومـة لمـدة سـنوات طويلـة نسبياً، وكـذلك التقدّم - كما ظهر- في المفاوضات المباشرة بين إسرائيل و م.ت.ف، وأعـداد الأسـرى المشاركين، حيث بلغت حوالي 13 ألـف أسير، ومشاركة جماهيرنا في الاعتصامات والاحتجاجات والصدامات، أيضاً، مع قوات الاحتلال، ما جعـل الإضـراب يشكل دافعاً جديداً وزيتاً ينصبّ على الانتفاضـة، ويعيـد جـذوتها، بعـد أن كانت تترنّح في نهاياتها، وجدير بالذكر أنّ أعداداً من أبنـاء شـعبنا سـقطوا شهداء في مواجهـات مع قوات الاحتلال، أثناء تضامنهم مع إضراب الأسـرى، وقـد سـقط الشهيد حسين عبيدات أثناء الإضراب، وابن عمه، متضامناً في الخارج.
إن ما ذُكر يعني أنّ توافر العامل الذاتي مع العامـل الموضوعي؛ أدّى إلى نجـاح الإضراب الذي -كما قلنا- الأكثر نجاحاً بين الإضرابات العديدة على مدار حياة الحركة الأسيرة الماضية، والذي حقق إنجازات جديدة ونوعية أهمها كـان الانتصار المعنوي للأسرى وذويهم، واكتشاف كم لديهم من قوّةٍ إذا مـا استخدمت بعمق يمكنها أن تضيف شيئاً إلى قوّة شعبنا، كقوة موحدة يمكن أن تحقـق للأسـرى عيشاً كريماً ومعقولاً، ومن أبرز ما حققه هذا الإضراب:
أولاً: وحدة الجسم الأسير في سجون الاحتلال، وظهـور قيـادة موحـدة لهـم، وعنواناً واحدً؛ ممثلاً عن القيادة، وكان يومها "قدورة فارس".
كان اللقاء في مكتب مدير سجن جنيد في مدينه نابلس المحتلة بين (لوع)[1] من كـل الفصائل الوطنية والإسلامية والوزير ومستشاريه ومدير مصلحة السجون وطاقمه، وكان قدورة، ممثل المعتقل، الذي تفاوض معـه وزيـر الشـرطة الصهيونية في حينه "موشي شاحال".
ثانياً: الانتصار المعنوي للأسرى عموماً، والانتصار الفردي لكـل أسير، حيث اُكتشف مقدار الطاقة لديه؛ لأن من يصبر على الجوع أسابيع يملك إرادة فولاذية.
ثالثا: استرجاع كافة حقوقنا، التي تمت مصادرتها، والتي حققها الأسـرى عبر نضالات دفعوا ثمنها دماء وشهداء ومعاناة.
رابعـاً: حقـق الإضـراب إنجـازات جديـدة؛ مثـل السماح باستخدام البلاطة الكهربائية لتصنيع الطعام، وكذلك السماح بتركيـب مـراوح في غرف الأسرى وإدخال لمبات للقراءة الليلية، والسماح بفتح التلفـاز سـاعات إضافية، وإدخال الأطفال دون سن العاشرة مدة عشر دقائق إلى آبائهم أثنـاء الزيارة، وزيادة مدة الزيارة خمساً وأربعين دقيقة، بدلاً من نصف ساعة، والسماح بالتصوير وإخراج الصور للأهل مرة كل ستة شهور، وإجراء فحص طبي عام كل سنة، وإنهاء ظاهرة العزل، وإغلاق أقسام العزل، والسماح بزيارات الأسرى بين الأقسام وبين الغرف، وزيادة زمن الفورة، وإدخال ملابس ملونة من الأهـل، وإدخـال مـواد عـبر زيـارة الأهل، مثل القهوة والشاي والزيت والملوخية والنعناع والليمون، وأشياء أخـرى، كما أُوقِفت ظاهرة التفتيش العاري، والسماح بالتعليم الجامعي في الجامعة العبرية، والموافقة على تخفيف جزء من مدة الحكم يحدده مدير السجن، لا تتجاوز الأشهر الأخيرة، والتي لا تزيد على السته شهور (المنهلي)[2] لأسرى الضفة والقطاع، وكذلك عرض من أمضى ثلثي المدة من حكمه على لجنة الثلث (الشـليش)[3] مثـل الأسـرى الجنائيين، وحملة الهوية الإسرائيلية، وغير ذلك من قضايا، كزيادة العاملين في مرافق العمل، وتحسين الطعـام كـمـاً ونوعـاً.. الخ، وأُدخلـت الثلاّجات والكمبيوترات، وهذه لم يتم تنفيذها إلى الآن...
لقد شكّل هذا الإضراب نقلة نوعيّة بتحسين ظروف الحيـاة داخـل السجون، وخففت معاناة الأسرى، لكنه لم يلغِ طابع الصـراع بين الأسرى والسجانين، ولقد فقد الأسرى -مع الأسف- جزءاً كبيراً من هذه الحقوق في هذه الأيام، بعد أن تمت مصادرتها، كما شُكّلت لجنة برئاسة شاؤول ليفنى، قامت بتوحيد الظروف الحياتية والمعيشية في جميع السجون، وما يحق للأسير من إنجازات، ولم تثبت كحقوق الأسير حتى يومنا هذا، ما سهل سحبها من قبل إدارة السجون.
* مستل من كتاب ومضات من خلف القضبان، تأليف الأسير المحرر: أحمد أبو السعود، ط.1، 2014.
[1]. اللجنة الوطنية العامة: مشكلة من مندوب عن كل تنظيم/فصيل، وهي أعلى هيئة مقررة لدى الأسرى.
[2]. لفظة عبرية تعني "إداري"، وهو مصطلح يطلق على مدة من الزمن؛ يتحكم فيها مدير السجن، ويمكن تخفيفها على السجين، وإلغائها من حكمه، وهي محددة كالتالي: ثلاثة أسابيع عن السنة الأولى؛ أسبوعان للسنوات بعدها، حتى تصل إلى أقصاها وهي ستة شهور؛ بصرف النظر عن مدة الحكم.
[3]. لفظة عبرية تعني "ثلث"، وهي عبارة عن لجنة من الضباط السجانين؛ يعرض عليها السجين بعد قضاء ثلثي المدة لإطلاق سراحه، وهي عادة ترفض السجناء السياسيين.

