يعج عالمنا بنماذج شخصية "دون كيشوت" في الاندفاع نحو حروب خاسرة التي تجسد قصة أحمق ظن نفسه في مهمة مقدسة؛ أول رواية عالمية اعتمدت السخرية والفانتازيا، شكلًا تعبيريًا عن الشخصية المزدوجة، والمسكونة بتناقضات الوهم والحقيقة، وعدم التطابق بين الأفكار والواقع، طالما أفعالنا محكومة بالسياقات، وأفكارنا نتاج منظومات فكرية، تحفز فينا الروح النقدية؛ لتفكيك الخطاب السياسي التجريبي السائد الذي ما زال يعيش الواقع بفكر الخيال وبمقياس فروسية الذي هو انعكاس للأزمة البنيوية لقوى العمل الوطني، حيث يكون الإشكال الفكري إجمالاً، مبنيًا على ذهنية المعاندة لحقائق الواقع، وتتهرب من وعي ما هو كائن عليه وما يجب أن يكون.
الحقيقة وليس الحلول الإعلامية والمواقف الهوائية، والطواحين السياسية، حيث يطحننا الإعلام ويمارس علينا نوعًا من التخدير، ويغير من الحقيقة حتى نعتقد أننا نتملك وعياً صحيحاً عن الأشياء والوقائع، عالم يفترسنا حتى نعيش في دوامة الاستلاب والتبعية، داخل أوهامنا، ونجد أنفسنا في عالم ممتلئ بالخديعة، لذلك لا بد من تحليل الواقع وإدراك تعقيداته المركبة.
والحرب على طواحين الهواء التي توهم دون كيشوت أنها "شياطين لها أذرع هائلة تقوم بنشر الشر في العالم"؛ قام بمهاجمتها؛ فغرس فيها رمحه، لكنه علق بها فرفعته إلى الهواء عالياً ثم طوّحت به أرضاً فرضّت عظامه، وعلى هذه الحال ما كان دون كيشوت يفلت من خطر إلا ويقع في آخر. فالخطأ الاستراتيجي يتعلق بالوعي وعلاقته بالبنية الاجتماعية، وليس الحدث السياسي الآني والعابر والتكتيكي، بما يحمله من شعارات وأحلام وردية وفانتازيا دعاوية، كالفارق بين الزبد الذي يذهب جفاء وبين ما يمكث في الأرض.
- في ثقافة إدارة الوهم
هكذا قدم لنا هذا الروائي سيرفانتيس في روايته العلاقة بين مملكة الوهم المقابلة لمملكة العقل، وسياق يتحكم في كل مملكة والرغبة الطوباوية التي تسكن بعض الناس وهم بالفعل ليسوا حمقى ومجانين، لكنهم يسعون لصناعة عالم افتراضي لا قدرة ولا حول لهم ولا قوة به.
ويبدو في حالنا مثله كمثل مؤشر المسار السياسي الهابط الذي يتدنى دون قاع، لا يمكن وصفه إلا بأنه كان شكلاً من العبث الذي أنتجته سرديات طواحين الهواء السياسية، وظهرت نتائجها في الواقع الفلسطيني السريالي المكتظ بالمفارقات والحياة الخارجة عن السائد والمألوف - واقع تنضح كل تجلياته بالعبث وتشخص شطحاته بالفن الجنوني الذي لم تقْدِم عليها ثورة من قبل. تتكرر نظرياً الحاجة الوطنية للتجديد وسط تواطؤ بين العفوية الشعبية التي نصر عليها عملياً، وبين الإرادة الوطنية التي يصرون عليها لفظياً، لتنساق الجموع منصاعة مغمضة العينين دون وعي هذه الحاجة وحقائق مترتباتها التي لا يمكن الهروب منها، من خلال إشاعة أوهام جديدة وانتصارات وهمية.
لطالما اعتبرت الفانتازيا سيفًا خشبيًا دون كيشوتي وأنها مجرد لهو فارغ، يسعى إلى تدمير التفكير السياسي؛ سيما أنها تجعل من أصحابها أسرى الأوهام، وكحالة من حالات الهَوَس التي تفترس السياسيين وتجعلهم تائهين في سكرات إنكار الحقيقة الملموسة، وفي هذا يكمن الخطر في الجرعة الزائدة من الوهم؛ فهي كالنماذج القاصرة التي تعتبر "أن الانتخابات طريق الخلاص من الاحتلال"! والترويج الأكثر شناعة للمقولة الخاطئة "أن أوسلو قد شبع موتاً"، علماً أنه لم يدفن، ولم نتحلل منه بعد! يتمسك البعض بالجثة ليس لدفنها، بل للبناء عليها بتجديد الشرعية واستعادة الحياة السياسية؛ القليل من يريد الجديد عن غير الطريق الذي يحفظ بقاء القديم.
وحتى لا نقع ضحايا لتفاؤل خادع، ونغرق شعبنا بالآمال غير الواقعية، علينا أن نقف في وجه حقيقة الانتخابات التي باتت وسيلة لاستعادة المفاوضات المرتقبة، بذهنية إعادة إنتاج للفشل، ويتكرس ذلك بالاحتيال السياسي بالادعاء أن الانتخابات ممارسة سيادية، وهذا ليس بهدف التبسيط والشكلانية، وإنما اغتيال متعمد للحقيقة، وخاصة في ظل تكرار الحديث أنها ستجري "وفق الاتفاقات المبرمة مع الاحتلال"! فكيف تكون عندها ممارسة سيادية؟!
الازدواجية القائمة بمنطق أوسلو، كالمطالبة بمشاركة القدس في الانتخابات، ليس كعنوان صراع مستمر، بل بتقديم طلب لسلطات الاحتلال وانتظار جوابها!
المعضلة ليست في القرار القسري أو الطوعي؛ المناسب أو غير المناسب، بل في خطورة الجرعة الزائدة التي تحدثها الفانتازيا السياسية، خاصة عندما يتأكد الناس أن الحديث عن التغيير هو مجرد كلام للاستهلاك السياسي الذي عادة ما تسود في المواسم الانتخابية، وتطغى فيها الغرائز على الرؤية الواضحة للأمور. الشعارات التي تنكشف في اليوم التالي وكأنك "يا أبو زيد ما غزيت"؛ المطلوب هو القليل من التواضع الثوري والكثير من الموقف العلمي، حتى يتم الاعتراف بالحقيقة، مهما كانت صعبة، وخاصة واقع الحياة السياسية والحالة الديمقراطية المخنوقة والمداسة والمعطلة من زمن، وأن يتم التوافق الوطني على المصلحة العليا والسياسة العليا وإعادة تعريف المشروع الوطني والمشروعية الوطنية والشرعية السياسية، كرؤية جامعة كأساس لاستراتيجية عمل وطنية، وليس العكس.
- في ثقافة شجاعة اليأس
إن شخصية دون كيشوت من النماذج الإنسانية المغامرة والحالمة صاحبة القرارات اللاعقلانية؛ تجسد القوة الروحية في موقع ما، أما رفيقه سانشو؛ فيمثل القوة المادية للإنسان، هذا الرفيق الأصيل للروح بين الرغبة والقوة، بين تفاؤل الإرادة وتشاؤم اللحظة، لم تكن دعوة للتشاؤم أو وهم التفاؤل، ولا للعدمية أو التطيّر، بل إلى المصداقية السياسية التي تنبع من شجاعة اليأس، عبر الدعوة الشجاعة للاستفاقة من الوعي الزائف.
المسؤولية الأخلاقية ينبغي ألا تكون على قاعدة انصاف الحقيقة، وحتى لا نجد أنفسنا في اليوم التالي نردد "يا ليتنا"، أو ما قاله الفيلسوف (سلافوي جيجيك)، «عندما يحاول أحدهم إقناعي بأنه على الرغم من كل المشكلات هناك ضوء في نهاية النفق يصبح ردي الفوري هو نعم، ضوء قطار آخر قادم ليدهسنا»، وأن تكون المشاركة في الانتخابات الخيار الشجاع حينما تضيء الطريق للأخرين؛ من أجل كسر الدائرة المفرغة وللخروج من المتاهة وليس الدخول فيها، علينا أن نقول كيف نكسرها، وما السبيل إلى الخروج منها؟ تحتمل الخيارات الكبرى أن تكون بين الأسوأ والأقل سوءً، ولكن كسر الحلقة المفرغة؛ تستدعي المهمة الشاقة في الانغماس الجدي كتحدٍ لشروط الواقع الصعب وليس الهروب منه، وإيجاد السبيل للتحرر من "الوعي الزائف"، وكسر الدائرة التي تحصرنا بين قطبي خيارات مفجعة، جعلت المراوحة في دائرة الانقسام وتداعياته المقيتة وما رسخته في الواقع الفلسطيني من ذهنيات قاتلة وأزمات مستفحلة، إلا أن النتائج الأولية يمكن قراءتها مسبقاً.
إن شروط تحقيق الانتصار يكون قبل المعركة عادة، والعملية بدأت بالشروع بمؤسسات السلطة قبل المنظمة، وهذا يشي بمؤشرات سلبية، لا تصبح الخسارة فيها أمراً انتخابياً حصراً، بل ستؤدي إلى الانتقال من الانقسام إلى اقتسام غير معلن للسلطة، من خلال ديمقراطية شكلية تطلق رصاصة الرحمة على فكرة التمثيل السياسي الجامع الذي مثلته منظمة التحرير والتهامه داخل معادلة الحلقية من جهة، والزبائنية من جهة أخرى؛ رصاصة رحمة ستفرغ العملية برمتها من البعد السياسي الآخذ بالاقتناع، بأن المكان الطبيعي لإدارة الصراع السياسي هو داخل المؤسسة.
إذن كيف ينتهي الانقسام بعملية انتخابية؟ وماذا سيحدث بعد الانتخابات؟ وإن لم تحصل ما الرؤية للاحتمالات الممكنة؟ يقال "اعرفْ الحقيقة أولاً ثم ضللها كما تشاء"، إذا كانت الاستراتيجية تهدف إلى إنهاء الاحتلال؛ فالتفاصيل تكون في خدمتها.
- في ثقافة إدارة الثنائيات
تتجلى مغامرات دون كيشوت الذي يجرجر وراءه تابعه المغلوب على أمره وتتوالي هزائمه في كل المعارك التي خاضها وهو في كل مرة يدرك أنه قد هزم بالفعل، ولكنه لا يفسر الأمر على الوجه الصحيح كما حال الخطاب السياسي السائد لا يزال يعيش ثنائيات تقليدية لا هو قادر على حلّها ولا هو قادر على التخلي عنها، أن ما هو مطروح في العلن من كلمات ضخمة، وحديث عن المبادئ والقيم والمصلحة الوطنية العليا شيء، وما هو واقع وحادث أمر آخر؛ فالمصالحة المنشودة أُنجزت، ولكنها على السلطة، بعد سنوات الخلاف بين من وافق على أوسلو ومن رفضه بقوة، وأفضى إلى شراكة بالسلطة ثم الانقسام فاقتسام، والآن يتم الحديث عن شراكة وطنية! لماذا؟
باختصار لأن مرجعية الأيديولوجيا ومعيارها التطبيقي في نهاية المطاف هو الواقع، ولكن بعيداً عن الفانتازيا السياسية ماذا عن أسئلة الواقع والخلافات القائمة والمسار السياسي والمفاوضات والعلاقة مع الاحتلال والمقاومة وسلاحها وشروط الدول المانحة… إلخ؟
اليوم؛ نحن أمام نوع آخر من المصالحة لشكل آخر من الانقسام، وهنا مربط الفرس؛ المصالحة الحقيقية تكون بين الثنائيات؛ إما أن تتقاطع أو أن تتصارع، والحل هو ألا تتحول إلى سبب لتجديد شرعية الانقسام، كصيغة إقصائية بين شرعيات مختلفة، بين طرفي المعادلة؛ فالمصالحة تكون بين هذه الثنائيات التي تتضمن تجليات الأزمة الوطنية التي تركت مفاعيلها الثقيلة على المشهد السياسي.
- ثقافة سياسية بلا ذاكرة:
كادت معركة الأغنام الشهيرة أن تُفقد دون كيشوت حياته، لقد أعمى غبار قطيع ذاكرته ولم يعد يميز بين جيش العدو والأغنام؛ تبع خياله أنه امام. زحف جيش جرار؛ المعركة التي أتاحها له القدر فرصة ليثبت فيها شجاعته ويخلد اسمه وتنتهي إلى نتيجة قتل عدد من الأغنام وعن سقوط دون كيشوت نفسه تحت وابل من أحجار الرعاة.
تحت غبار شعارات السياسة تضيع الذاكرة، كما قد يتكرر مشهد منها ينسيك ما قبله، مثلاً اليوم يتكرر بالأمس؛ القيام بتكرار نفس الشيء وتوقع نتائج مغايرة، كما قال ألبرت أينشتاين «الجنون هو تكرار الأمر ذاته وتوقع الحصول على نتائج مختلفة» والأسئلة المطروحة التي تنتظر إجابات، لا يمكن الهروب منها؛ فمثلاً وليس حصراً الولايات المتحدة تزعم أن الركيزة الأساسية لسياستها الخارجية هي رفض التعامل مع حكومة تعجز عن مطالبة مسؤوليها بنبذ "العنف" و"الإرهاب" مقابل الالتزام بالحل السلمي للنزاع، وعليه، فإن العملية الانتخابية تفرض الالتزام بالنظام، لذلك صيغت معادلة "الاقتراع أو الرصاص" - وليس "الاقتراع والرصاص"؛ المقايضة هنا بين السلطة أو المقاومة! هذه اشكالية ينبغي عدم تجاهلها؛ إذ تقيم علاقة تنافرية بين تحرير المجتمع وتحرير الوطن، واستخدام الاقتراع للتغيير وتحقيق حرية التعبير في وطن محتل فاقد السيادة.
الحديث هنا عن حرية الأفراد وليس عن تحرير الوطن؛ عن حقوق الانسان، وليس عن حق الشعوب في تقرير المصير؛ عن سيادة النظام، وليس سيادة القانون واستقلال الدولة! إن جوهر كفاح شعبنا هو الترابط الوطني والديمقراطي؛ المقاومة والبناء، حيث نحتاج لمصالحة بين البعد الديمقراطي والبعد الوطني؛ فالتركيز على مكون واحد من مكونات عملية التحرر؛ المُكوّن الاجتماعي، قد يجعل منّا شعباً حضارياً وديمقراطياً، ولكن بدون وطن؛ فالحق بالكرامة لا يتوقف على لقمة العيش، كما يريد دعاة "السلام الاقتصادي"، بل إلى الحق بالوطن، ولهذا لا مناص من مواصلة النضال من أجل التحرر السياسي والاجتماعي والاقتصادي في حزمة واحدة دون تخلٍ أو تنازل.
- "النفاقوقراطية" سلطة وطنية أو حركة وطنية!
مثلما ينادي دون كيشوت على خادمه سانشو: "تعال، يكفي أن أراها أنا جميلة وشريفة... لقد رسمتها في مخيلتي كما أريدها أن تكون"؛ إننا لا نعرف هنا من يسخر مِن مَن، ومَن نحن لنشرّع الفرق بين الحلم والحقيقة؟ إننا الممثلون والجمهور معاً في تمثيلية تحذيرية، وهنا نكتشف التناقض العامودي بين مستويات مختلفة ومتداخلة ومتصارعة: سلطة وطنية أو حركة وطنية! تم استدراج الشرعية التاريخية إلى مربع السلطة في ظلّ واقع الاحتلال من جهة، وتنمية مستدامة "للاحزبية" وتضييق مساحة الفصائل السياسية شعبياً، من جهة أخرى؛ ما أدى إلى اختزال المشروع التحرّري بالسلطة والتنظيم بالمجتمع المدني والانتماء بالانتماء.
إن سحب البساط المجتمعي من تحت أقدام المقاومة لتأمين الاستجابة لأكثر اشتراطات الدولة المانحة، ما ولّد طبقة حزب "السلطة" والياقات البيضاء؛ السادة بدل القادة، والموظف والمدير بدل المناضل، والناشط بدل المقاوم، ونخبة أصحاب المنافع الخاصة ورأس المال والسماسرة.
اليوم نحن ندفع كلفة التحوّل من حركة تحرر وطني إلى سلطة وطنية، مع ظهور حزب "النفاقوقراط" الأقوى و"العابر لكل المنظمات"؛ ألحق الأذى بالحركة الوطنيّة الفلسطينية في ظل احتلال مباشر وانعدام السيادة واستشراء الفساد، وهذا ما يجعل الاحتلال الصيغة الأكثر تحكماً في المشهد الانتخابي والمنافسات المبنية على ذهنية إقطاعية؛ أعيد إنتاجها في ظل ازدحام التصارع القبلي والجهوي على القوائم وفي داخل الفصيل الواحد.
إن إعادة موضعة الوضع الفلسطيني في النظام العربي، ليس قراراً آنياً، إنّما عملية مستمرة لم تبدأ من اليوم، بل وتتقاطع مع إرادة دولية ورغبة المحتل؛ عملية تعمل بحساسية ودقة عقارب الساعة على خط "ضمان نتائج الانتخابات قبل حصولها"! وضمان أن تكون مقبولة وقابلة وعلى ًشاكلة الأنظمة التابعة!
السؤال البديهي هنا: ما هي صيغة النظام الاستثناء الذي يعاد إنتاجه في كيانين مختلفين؛ دولة أو منظمة أو حكم ذاتي إداري أو نظام أو سلطة؟
- البيت الفلسطيني بكامل أصحابه!
حدث مرة أخرى عندما رفض دون كيشوت أن يدفع أجر المبيت في فندق على الطريق؛ إذ توهم أنه بات ليلته في قلعة من قلاع الفرسان، بين واقع البيت المؤقت والبيت الدائم؛ يقف سارق البيت وعدو أصحابه الأصليين؛ فالحركة الصهيونية منذ تأسيسها كحركة استعمارية استئصالية وقوامها هي إنكار وجود الشعب الفلسطيني تحت خديعة تاريخية أن فلسطين كانت تمثل: "أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض"؛ إنها بيت لمن هم بدون بيت! ولا يعترف اتفاق أوسلو بالشعب الفلسطيني ككل، كأصحاب البيت، بل "بالفلسطينيين" كمجاميع، وليس شعب، فيما تتحدث بعض المؤسسات البحثية الغربية "أن الشعب الفلسطيني يعاني التشتت السياسي والجغرافي على حد سواء؛ الأمر الذي يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى التجديد المؤسسي"، والتشتت هنا هو بين الضفة والقطاع والتشتت السياسي الفصائلي، أي ليس داخل فلسطين وخارجها؛ التشتت بهذا المفهوم هو الانقسام، وليس الشتات. إن الثنائية المطلوب حلها هي بين الخاص والعام، الوطن والشتات، الداخل والخارج حتى يتحول كل تحدي القوانين الموضوعية للصراع إلى استجابة وطنية شاملة؛ هنا يستدعي تغيير جوهر النظام، وليس صورة المشهد السياسي فقط؛ السياسة كما الأدوات، والمدخل لا يكون بدعسة ناقصة، حيث قال الروائي باولو كويلو – «عندما تكرر خطأ ما، لم يعد خطأ... أنه قرار» من خلال إنتاج تشكيل سياسي على جسد اجتماعي وجغرافي يتناقص! قد تكون القدس خارجه أو منقوصة، كذلك للشعب الفلسطيني في الشتات. لذلك لا بد من استعادة منظومة ودور منظمة التحرير الفلسطينية "كوطن معنوي" وبنهجها التحرري والتشاركي والديمقراطي الجامع، حتى لا يظل القالب السلطوي المحدود زمانياً ومكانياً هو البديل عن الجسم الاجتماعي الاشكل وهو عموم الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده.
- ثقافة التواطؤ أم الوحدة
لا يفسر الفارس العتيد دون كيشوت سبب هزيمته، فلقد أصاع قوته ووحدته في معارك وهمية، بل على تعليق المسؤولية على خصومه من السحرة، الذين تآمروا عليه وأرادوا حرمانه من النصر، مؤكداً إنهم استنزفوا قوته، وبددو طاقته في حروب بلا طائل؛ فمسخوا بسحرهم العمالقة الشياطين إلى طواحين هواء ومسخوا الفرسان المحاربين إلى أغنام؛ نعلم أن هناك تحديات جسيمة تطال البنى السياسية والتنظيمية التاريخية التي فقدت بمعظمها إحساسها التاريخي برسالتها بعد عقود من زمن السلطة، وفشلت بإنهاء الانقسام وبإطلاق حرية الأسرى والاشتباك المجدي مع الاحتلال، وتؤدي هذه البنى وظيفتها كشبكة للرعاية، وليس كأحزاب سياسية، فيما استعارت الجملة الثورية والشعارات الوطنية كخطاب ترويجي لفنتازيا سياسية؛ ظلت عاجزة عن حجب عين الحقيقة عن طبيعة الأزمة الوطنية العامة. وكالعادة في مواسم الانتخابات؛ تتكشف الجروح وتتكاثر النزوات والغرائز، وينتشر أصحاب "الأيغو" المتضخم والأنانية التنظيمية والفئوية الضيقة الأفق والاستعراضية غير المبررة، بهذا المعنى، من الصعب الحفاظ على ما يسمى بـ "المعادلة السحرية"، تلك الآفاق الجديدة المأمولة، لبناء مؤسسة وطنية نظيفة وحديثة؛ واحدة موحدة وجامعة لعموم الشعب الفلسطيني، ومن كان ينتظر منه أن يكون عنصر توحيد لم يحافظ على الحد الأدنى من وحدته الداخلية.. كل من يبشر بالديمقراطية عليه أن يمارسها؛ الأمر ليس مجرد رغبات، وأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، والجمود والإصرار على المسارات الخاطئة؛ نحتاج الآن الانتقال إلى خطوة متقدمة تصنعها لحظة تاريخية، لإحداث الفعل الإيجابي النوعي الذي يأخذ النموذج الجديد.
- اليسار ومتلازمة الفقر الرؤيوي الاستراتيجي
لم يعد خافياً أن دون كيشوت الفارس الهمّام؛ أراد التعويض عن خسارته، ليس بمعرفة أسباب تراجعه وهزيمته، إنما بالقيام بالرد الثوري الهزلي، حين ينقض على عرض دمى متحركة ويقطع رأس الجنود-الدمى، ليمنعهم من اعتقال عاشق وأميرته وهما هاربان معاً إلى أحضان الحرية، ثم يعوّض بعدئذٍ صاحب الدمى بسخاء لقاء "دين الشرف" هذا.
هذا ما يعانيه اليسار من متلازمة الفقر الرؤيوي الاستراتيجي منذ زمن بعيد، وتفاقمت آثاره بشكل كبير في الوقت الحاضر، وقد افتقد إلى قوة النموذج، ولم يتحكم بقوة القيم والمبادئ العليا للمجتمع، وإلى قدرة التفكير والتخطيط والتنفيذ الاستراتيجيين، ويحاول تعويض ذلك بإشاعة ثقافة تبالي بما لا يجب أن تبالي به، وهذا يبدأ بالمنافسة الفئوية، وضع الخاص فوق العام، وإشاعة العصبوية للأجيال الناشئة الذي يخدم النهج التفكيكي، لتتفيه الفكرة الصحيحة، وتشويه الوعي الجمعي؛ عبر ثقافة بدأت تفرض هيمنتها، مهما حقق كل فصيل منه نجاحات تكتيكية لا ترقى إلى أن تكون نجاحاً مؤثراً على المستوى الاستراتيجي، مع ذهنية تجعل من كل مكسب تنظيمي مسألة استراتيجية، وكل إنجاز وطني مجرد تكتيك! يختزل الحضور بصناعة النجومية كتعويض وهمي عن الإحباطات الوجودية، وفقدان الكريزما القيادية المؤثرة، وتضع الرؤية المستقبلية الإنقاذية لشعبها، وتحدد حجم القدرات المتاحة والآليات العملية لتنفيذها، والوسائل المناسبة لتجاوز التحديات التي تعترضها للخروج من الأزمة، ونظرية الصراع التحرري من جهة والبناء الديمقراطي من جهة أخرى، في وجه عملية الترويض المبرمج والتمويل المشروط وتأسيس بنى بديلة واهتراء البنى القديمة وعجزها عن التجدد.
فقد التنظيم السياسي التقليدي عموماً القدرة على اجتذاب الأجيال الجديدة، وخصوصاً أن التيارات المدنية الجديدة، ورثت مكان قوى اليسار وزمنه المؤثر في المجتمع الفلسطيني، كما أن البنى التقليدية الفلسطينية التي كانت تجسد الهُويّة الوطنية الفلسطينية آخذة بالتحلل، مع أن الهوية نفسها ما زالت ثابتة وراسخة وتبحث عن حوامل تقدمية وتحررية جديدة، لذلك يقاس انتصار أو هزيمة اليسار؛ جراء هذا التهميش وقبول اللعب على نفس القواعد، فقد يخسر خطابه ومساحته سلفاً؛ فالفوز لا يكون بعدد الأصوات فقط، بل بقدرتنا على الخروج من الصيغة السلبية الخاطئة والقطع مع إدارة الفشل: أن يكون اليسار هو بحد ذاته قوة تغييرية وديمقراطية والمفترض تقدمية وثورية وقبل شيء رؤيوي؛ يقدم رؤية جديدة؛ يسير الشعب على ضوئها نحو المستقبل.
- بين استحقاق "النفضة" والتغيير المنشود: هل دقت ساعة التغيير؟
ربما كان قصد دون كيشوت أن ينشر الحق والعدل والقيم النبيلة، لكنه وجد نفسه في المكان الخطأ؛ أراد التغيير نحو الأفضل، لكنه سلك طريق الأوهام وانتهى عمله إلى هزيمة وتحولت الأمور إلى أسوأ، بينما ضاعت الحقيقة وسط صراخ من يطلب الاستفادة الواقعية والملموسة والنفع القريب ومن يطلب تحقيق الرغبة دون التفكير بتنمية عوامل القدرة على تحقيقها!
من بديهيات وظائف الضجيج هو أن يحول دون سماع غيره. وبما أنه ضجيج سائد، فإنه يمثل صعوبة اضافية في الربط التحليلي، كأن يطرح سؤال من لا يريد التغيير. ولكن، من أين ستولد قوة التغيير والقوة المنظمة والمهيكلة والقادرة على القطع المنهجي مع السائد ولا تأبده؟ هل من خارج الحقيقة؟
إن ساعة التغيير لم تدق، لأن قوة التغيير ذاتها ما تزال بحالة ولادة مستدامة؛ التغيير المرتجى لم يخلق بعد! لأنه يتأتى مع الوعي الأعمق بضرورة التغيير وفق رؤية وأدوات جديدة تستجيب لنظرية الصراع، وتلامس حقائق الواقع ولا تقفز عنها، وتمسك بالفرصة التاريخية.
اليسار هو من يقرع جرس التغيير ولا يلتحق به، قبل أن يحتاج هو الى "نفضة"، يبدأ بنفسه، بالخروج من سلبياته ونقائصه وتناقضاته، وعليه أن يدرك بأن عنصر القوة يكمن في استحقاق التجدد والثورة على السلبيات، وليس بتجميع أربع فصائل وعدد من الشخصيات، بل تيار وطني تقدمي أساسه قيادات شابة؛ مفعمة بالروح الدينامية الجديدة على المستويات الوطنية والشعبية، والنقابات، والاتحادات الطلابية، والأطراف الفاعلة الأخرى في المجتمع المدني ومع شطري الشعب الفلسطيني بالداخل والخارج - تيار يمارس سياسة إعادة الروح إلى النضال التحرري في السياسات الفلسطينية؛ يسار لا يبيع الوهم أو " يبيع الماء في حارة السقايّن"! له لون وطعم وشخصية خاصة، ولا يتاجر بإعادة إنتاج فانتازيا الاستقلال، والهروب إلى الأمام، مثل الدعوة إلى تشكيل المجلس التأسيسي لدولة فلسطين؛ لاحظ، إذا ألغيت انتخابات المجلس التشريعي؛ يصبح البديل المستغرب هو برلمان مؤقت لدولة "تحت جلد الاحتلال"...!
- من المبايعة إلى المكاشفة
بين ما فعله دون كيشوت ليبرهن أن الانسان ممكن أن يتصارع مع أوهام وخرافات هو مؤمن بها، وفي النهاية لا ينتصر، بل يخسر أشياء كثيرة منها حياته؛ فإن التغيير الذي يعتقده غرامشي مصيباً هو بعبارة أخرى “التطهير”، التي يعرفها كعملية انتقال من مرحلة قيَم اقتصادية صرفة (الأنانية-الذاتية العاطفية) إلى المرحلة الأخلاقية السياسية، فلقد أعطى لهذه الكلمة معناها الفكري الأخلاقي، وتتمثل في عملية الانتقال من الضرورة إلى الحرية، ومن الموضوعية إلى الذاتية. وأصاب عالم السياسة "هارويد لزويل" بالربط بين السلطة والقيم؛ فالسلطة لا بد أن تكون في خدمة قيمة أو مجموعة من القيم، لا أن تكون القيم في خدمة السلطة، بل كل المؤسسة في خدمة الغاية عبر طريق قسري لوعي الواقع بدون مواربة.
يجب أن يعلم الجميع، أننا ننتصر بالمكاشفة كمقدمة ضرورية للتغيير، تبدأ من تفكيك سرديات الفانتازيا السياسة، كسردية مهيمنة؛ فلولا المراجعة النقدية لما برزت الحاجة للبحث والتساؤل لمعرفة الواقع ومشروعيته وملائمته، ولما اكتشفنا الأخطاء الذي ستثور عليه. إن التاريخ لا يرحم من يبدد ذاته وطاقاته، ويحفظ من يتشبث بحقوق شعبه ووطنه ومستقبله وحريته، ومن هم الأكثر كفاحية في حماية المشروع الوطني الفلسطيني التحرري وتطوير وبناء وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، كقائدة لنضال شعبنا في سبيل التحرير والتحرر الوطني والديمقراطي، والتاريخ سيعطي الثقة لمن يؤيد القطع مع ثقافة الهزيمة، ومن يجدد نفسه أولاً، ويبنى أدواته ومؤسساته بشكل ديمقراطي، والتاريخ سيكون في صف من يمتلك برنامج واضح ورؤية سياسية تغييرية جديدة تجيب عن أسئلة وطنية ملحة قادرة على مواجهة المرحلة القادمة بعد فشل خيارات التسوية، ومواجهة الرهان على الأوهام الخاطئة؛ فيأتي الطبيب ليعاينه فيجد أنه لا أمل من شفائه، وفي الرواية أنه في إحدى تلك الليالي التي كان فيها على فراش الموت؛ يستفيق دون كيشوت من جنونه ويعود إلى رشده آخذاً في لعن الفروسية؛ إذ يقول "لقد كنت مجنوناً والآن صرت عاقلاً، لقد كنت دون كيشوت دي لا منتشا، والآن كما قلت لكم ألونسو كيخانو".
كما أراد سرفانتس من خلال نصه تحطيم سلطان روايات الفروسية والعنتريات الانتصارية الزائفة؛ أدب الفروسية، حتى إن دون كيشوت كان يبيع قطعاً من أرضه ليشتري بها كتباً عن الفروسية، وقد انتهى به هذا الهوس الشديد بالفروسية إلى فقدانه لصوابه وخلطه بين أوهامه والواقع.
إذن، هي دعوة للاستفاقة من الفانتازيا السياسية؛ فالصراع لا يتوقف عند نقطة معينة، والحقيقة الثقافية تقر بالصراع الموضوعي الذي يستمد جذوة اشتعاله من المقدمات والعوامل التي أنتجته، كحركة تاريخية؛ تدور بين الطبقات وبين الفكرة والفكرة المضادة، بين الحقيقة الثقافية ونقيضها، باتجاه التطور وتحقيق التغير الاجتماعي إلى الأمام، نحو إدارة حديثة ونظيفة لحياة الناس؛ تقدم مثالاً مغايراً يؤثر على السياسة العامة في المجتمع والنظام السياسي العام.
بتكثيف شديد: سيفوز من يمسك بسلطة القيم بدل قيم سلطة، تلك القيم المبنية على نبض الشعب بما يختزن من طاقاته الكامنة ومختمرة والمُجرّبة، وللمرة الأخيرة حتى لا نجد أنفسنا أمام دون كيشوت آخر وأحمق جديد ظن نفسه في مهمة مقدسة.

