Menu

امتداد "تاريخي - سياسي" منذ 1948

حي "الشيخ جراح" بالقدس يعري سردية المزاعم الصهيونية في امتلاك الأرض الفلسطينية

فادي بارود

من حي الشيخ جراح - القدس

خاص بوابة الهدف

ما يزال عامنا الحالي يشهد قضية لها امتدادها الذي لم ينقطع منذ عام 1948، بل وتعود إلى الظهور بزغمٍ إعلامي وتضامن إقليمي ودولي غير مسبوق بالتزامن مع إحياء شعبنا الفلسطيني الذكرى السنوية لنكبته والذي يصادف 15 مايو من كل عام، والامتداد "التاريخي - السياسي" لقضية حي الشيخ جراح مرافق غير منفصل عن البعدين "الوطني - الديني" لكل سكان مدينة القدس بل وكل فلسطين، وهذا ما أظهرته شهادات أهالي الحي وكذلك التضامن الداخلي الواسع أمام هجمات المستوطنين والدعم العسكري لها.

التحولات في قضية الشيخ جراح هذه المرة لم تأتِ بما يخالف المنصوص عليه من القرارات الصهيونية التهويدية التي اتبعتها الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة في عملية التوسع الاستيطاني، إلا أن متغيرات الميدان تحكمت هذه المرة بما يجري شعبياً وإعلامياً وقانونياً، فمستوى استخدام كافة الوسائل والإمكانات الشعبية المتاحة وتوظيفها بما يخدم مرحلة تعتبر "حرجة جداً" على صعيد القضية الفلسطينية سياسياً ساهم في نقل الأحداث إلى مستويات متفوقة من "البروباغندا" بل وصناعتها بشكل موجه متقن للتأثير على آراء أو سلوك أكبر عدد من الأشخاص في كل العالم، وهذا ما خالف فيه الفلسطيني المنخرط في الاشتباك ميدانياً المستوطن المعتدي على حقه، بإدخال عنصر الموضوعية في نقل مظلوميته.

ومع توالي وصول الشهادات الحية من قلب الحدث بعيداً عن أي تدخل سياسي رسمي أو حشد فصائلي أو شعبي تضامني، أظهر سكان الشيخ جراح قدرة عالية في التعامل مع ما يفرضه منطق الاستيلاء المفاجئ أو المنظم والممنهج على المنازل في إطار التطهير العرقي، وعلى سبيل المثال لا الحصر استطاع الشباب والشابات هناك وبذكاء عالٍ من إظهار سردية المزاعم الصهيونية لاستخدامها كحجة فلسطينية من خلال الحوار المباشر مع اللصوص، فتوثيق أحقية المقدسي في بيته أمام مبدأ الاختيارات العشوائية للمنازل التي يركن إليها المستوطن دون حجة ملكية كما يدعي تُعري كذبة الوثائق المزورة التي يحملها، وإلا فلماذا يهرب أحد المتشددين اليهود من مسن هناك؟!.

الخطوات "الإسرائيلية" تُفرض دائماً من خلال العقلية المتوحشة التي تتبناها الحركة الصهيونية منذ نشأتها، فصواريخ الاحتلال التي كانت تطلقها الطائرات على من طردوا من بلداتهم الأصلية وصولاً إلى الاستقرار في أماكن لجوئهم وبدء المأساة الجماعية الانسانية، هي نفسها التي يتم إطلاقها على الآمنين والمتضامنين في قطاع غزة ولبنان وسوريا و اليمن مباشرةً أو بالوكالة، مع الحق الفلسطيني في الشيخ جراح وفي القدس عموماً.

وللوقوف على آخر تطورات الحي، قال أحد أعضاء لجنة حي الشيخ جراح بالقدس وأحد ساكنيه المهددين بالطرد صالح دياب، "تعيش في حي الشيخ جراح عائلات عدد أفرادها حوالي 600 شخص، قضيتهم ممتدة منذ عام النكبة ما يعبر عما تعانيه قضيتنا منذ بدء التهجير وهجوم العصابات الصهيونية على البلدات الفلسطينية".

وأكد دياب في حديث خاص مع بوابة الهدف الإخبارية، أن الامتداد التاريخي لقضية الشيخ جراح بدأ مع بدء تهجير الكرد واسكافي والقاسم وغيرها من بلداتهم الأصلية فغالبية السكان تنحدر أصولهم من بلدات "البقعة ودير ياسين ولفتا وحيفا ويافا".

وأشار إلى أن عائلات الحي خاضت الكثير من الحروب القانونية منذ حوالي 50 عاماً في محاكم الاحتلال، ولا تزال مستمرة  فالاحتلال يمارس لعبة خبيثة لسرقة الحق من أصحابه رغم كافة الوثائق التي ثبت ملكية العائلات لبيوتها.

وتابع "العائلات سكنت في الحي بموجب اتفاق دولي بين الحكومة الأردنية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" عام 1956 حيث مولت "الأونروا" بناء 28 وحدة سكنية، فيما منحت الحكومة الأردنية لكل عائلة قطعة أرض مقابل تخليهم عن بطاقة اللاجئين وعدم حصولهم على الخدمات الوكالة، وقامت بدفع ثمن بناء المنازل"، كما قال.

وأوضح أنه وفي عام 2009 قامت سلطات الاحتلال بإخلاء 3 منازل لعائلات "الغاوي وحنون" وصولاً إلى مسلسل التهجير الذي تحول إلى قضية تشغل العالم ووصلت إلى محكمة الجنايات الدولية مؤخراً.

والشيخ جراح هي قرية مقدسية تتبع لمحافظة القدس وهي في الجانب الشرقي للمدينة القدس الذي وقع تحت الاحتلال في حرب 1967، وهي الآن من أحياء ما يسمى "القدس الشرقية"، وأخذ اسمه من الأمير حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، طبيب صلاح الدين الأيوبي، القائد الكردي المسلم، الذي تحول إلى رمز لأجيال عربية متعاقبة منذ نحو 900 عامًا، والمخطط "إسرائيلي" الاستيطاني الذي يتهدده يتضمن بناء 200 وحدة سكنية لإسكان مستوطنين يهود فيها، وسط هذا الحي العربي الواقع في "القدس الشرقية".

ويشار أن "القانون التهويدي" التي اخترعه الاحتلال للسطو على أملاك الفلسطينيين داخل أسوار القدس، أن لكل يهودي يزعم أن له أملاكاً في فيما يسمونها "القدس الشرقية" رد العقار له من الفلسطينيين، في حين حُرم مواطنو "القدس الشرقية" الذين يحملون هوية القدس من العودة لمنازلهم التي هجروا منها في "القدس الغربية" عام 1948 وليس لهم حق المطالبة بحقوقهم التي فقدوها قبل العام المذكور، وبناء على ذلك هناك الكثير من الخدع التي قامت بها سلطات الاحتلال بالتحالف فيما بين المحاكم "الإسرائيلية" والمستوطنون كالتزوير والخداع وغيرها لتعميق فكرة الوجود اليهودي بالمدينة، وبتحصيل حاصل التوسع الاستيطاني.

ومن جانبه، قال أحد السكان المهددين بالإخلاء محمد الصباغ، إن الأهالي ورغم كل ممارسات الاحتلال لن يتنازلوا عن شبر واحد من منازلهم وسيواصلون نضالهم الشعبي والقانوني حتى الحصول على كل حقوقهم.

وأوضح، الصباح في حديث خاص مع بوابة الهدف الاخبارية، أنه وعائلته وغيرها من العائلات بكل مكوناتها وأفرادها باتت تعاني من هاجس اللجوء بعد القرارات الصهيونية الأخيرة بإخلاء المنازل لصالح جمعيات استيطانية.

وأضاف "حضرت عائلتي من يافا ونحن لاجئون وجميع سكان الحي كذلك، فنحن حضرنا للقدس لدى أقارب لنا استضافونا قبل أن تبني وكالة الغوث منازلي".

وأردف: في عام 2012 قررت محكمة الاحتلال بالاستناد على اتفاق بين محامي يهودي مع المستوطنين بأن ملكية الأرض للمستوطنين، والفلسطينيون مستأجرون فيها، ويسري ذلك على جميع العائلات الـ28، وفي عام 2019 صدر قرار نهائي بإخلاء منازل تعود لعائلات "الكرد وقاسم والجاعوني وإسكافي"، فيما تنظر المحاكم في مصير 3 منازل أخرى سيصدر قرار بحقها مطلع الشهر الثامن / آب المقبل، كما قال.

والجدير بالذكر، أنه وفي عام 1972 كلفت عائلات الحي أحد المحامين اليهود بالقضية لإضراب المحامين الفلسطينيين في حينه عن العمل مع الاحتلال، وبعد 10 سنوات ودون علم السكان، توصل المحامي والمستوطنون لاتفاق بأنهم يملكون الأرض مقابل أن تستأجر العائلات الفلسطينية منازلها لـ99 عاماً، وقد وقع المحامي اليهودي الاتفاقية نيابة عن العائلات.

توفي المحامي اليهودي بعد 15 عاماً في التوقيع، حيث كلف الأهالي محامياً عربياً بالقضية، وعام 2002 نجح محامي المستوطنين باستصدار قرار بإخلاء عائلة الغاوي من منزلها في الحي، لكن في 2006 نجحت العائلة بالعودة إلى منزلها بعد تقديم التماس إلى المحكمة العليا، وبعد عامين بدأت الجمعيات الاستيطانية بخطوة لإخلاء المنازل ونجحت في إخلاء ثلاثة منازل تعود لعائلات الكرد وغاوي وحنون، وسكن مكانها مستوطنون.

ومن جهته، قال المختص في شؤون القدس خليل التفكجي، إن الوثائق التي استخراجها بنفسه من الأرشيف العثماني خلال زيارته ل تركيا في وقت سابق، تؤكد أن حي الشيخ جراح وخاصة البيوت التي يطالب بها المستوطنون هي ملكية فلسطينية.

وأكد تكفجي، في حديث خاص مع بوابة الهدف الاخبارية، أنه جلب أوراقاً من الأردن والجهات الرسمية هناك تؤكد ملكية هذه البيوت للسكان المقدسيين بموجب اتفاق بين المملكة الأردنية ووكالة الغوث.

وأضاف "ما يحدث اليوم تطهير عرقي ومحاولة تطويق الأحياء الفلسطينية بالوحدات والبؤر الاستيطانية وبعد السيطرة عليها تبدأ مرحلة طرد المقدسيين، وحي الشيخ جراح لا يزال يحافظ على خصوصيته المقدسية، وهدف الاحتلال تفتيت الحي وتحويل ملكيته من ملكية مقدسية فلسطينية الى ملكية "إسرائيلية"، بالتحالف فيما بين المحكمة العليا والقضاة كيهود ساعين بكل جهد لتهويده.

وبين أن الفلسطينيين فرضوا أمراً واقعاً أمام "الإسرائيليين"، ومن المتوقع تأجيل أمر إخراج الفلسطينيين من منازلهم أو تجميده "ولكن لن يتم إلغاءه".

يذكر أن محكمة الاحتلال العليا قررت مطلع مايو الجاري، تأجيل البت في قرار إخلاء العائلات من حي الشيخ جراح إلى موعد سيحدد خلال 30 يوماً، حيث طلب المستشار القضائي لحكومة الاحتلال القاضي "يتسحاق عميت" تأجيل جلسة إخلاء عائلات الشيخ جـراح التي كانت مقررة وستعقد جلسة بديلة في غضون شهر.

ويأتي هذا التأجيل من المحكمة العليا "الإسرائيلية"، بالتزامن مع هبة جماهيرية عارمة وغير مسبوقة في كافة مناطق القدس المحتلة تبعها دخول مناطق أخرى بالضفة الغربية خاصاً في باب العامود، والداخل المحتل عام 48، ودخول قطاع غزة وفصائل المقاومة الفلسطينية على خط المواجهة المباشرة مع الاحتلال الصهيوني رداً على كافة جرائمه الأخيرة في الحي المهدد وكذلك المسجد الأقصى وضواحي المدينة المحتلة.