Menu

73 عاماً على “النكبة”.. إسرائيل وجهاً لوجه مع فلسطين

سميح صعب

بعد 73 عاماً على تأسيسها، عادت إسرائيل إلى نقطة الصفر. القتال يدور في اللد وحيفا ويافا والرملة وليس فقط في باب العامود أو حي الشيخ جرّاح أو غزة أو الضفة.
إسرائيل تجد نفسها اليوم وجهاً لوجه مع فلسطين. هذا لم يحدث منذ النكبة الأولى عام 1948. كل الحروب التي خاضتها إسرائيل مع الدول العربية لا تقارن بما تواجهه اليوم. مشروعها كله تحت أقوى إختبار. كان سهلاً على إسرائيل كسب الحروب والديبلوماسية معاً في صراعها مع العرب، وإنتصرت على أوسلو وعلى السلطة الفلسطينية وعلى المبادرة العربية و”حل الدولتين” وأتت بـ”صفقة القرن” لتكون خاتمة الصراع العربي – الإسرائيلي، وتحوّلَه إلى صراع عربي – إيراني، ولتقول إن العرب كانوا مُضللين على مدى عقود عندما إعتقدوا أن إسرائيل هي العدو، وأن “إتفاقات إبراهيم” من الآن فصاعداً هي البوصلة، ومن أراد أن ينتمي إلى الشرق الأوسط الجديد ويحقّق التنمية والإزدهار فليتلحق بها ويقف إلى جانب إسرائيل في قتالها ضد إيران، وليقرأ العرب فعل الندامة على يوم إعتبروها فيه عدواً. مدفوعاً بزخم الإنجيليين المولودين ثانية، رسم دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر خريطة جديدة للشرق الأوسط، ليس فيها شيء إسمه فلسطين، وتأمر العرب بأن لا يضيّعوا فرصة مد اليد الإسرائيلية إليهم، لمواجهة “الخطر الإيراني”. في قاموس ترامب وصهره، فلسطين عبارة عن نزاع عقاري، يُمكن حلّهُ بصفقة. نتنياهو كان يزهو أيضاً بنقل السفارة الأميركية إلى القدس وبالإعتراف بها عاصمة أبدية لإسرائيل وبالفتوحات الديبلوماسية في الدول العربية، وإعتقد أن القضية الفلسطينية صارت من التاريخ، ووقف في حدائق البيت الأبيض في أيلول/ سبتمبر الماضي ليعلن أن القوة والقوة وحدها هي التي جعلت إسرائيل مقبولة من الدول العربية.
وأمام سلطة فلسطينية تخاف من أن تجري إنتخابات لئلا تخسرها وينفضح حجم السخط الشعبي عليها، تمادى بنيامين نتنياهو في كسب عطف المتشددين اليهود الذين صاروا يتحكمون بهيكلية السلطة في إسرائيل، فمضى في قرارات طرد ما تبقى من فلسطينيي الشيخ جرّاح في القدس، بحجة واهية أن منازلهم كان يملكها يهود قبل حرب 1948، فماذا عن 750 ألف فلسطيني قامت إسرائيل على أنقاض منازلهم التي هُجّروا منها في تلك الحرب وباتوا لاجئين في الشتات؟ إنفجر الشيخ جرّاح غضباً ومعه باب العامود وفلسطينيي 1948 وغزة والضفة الغربية. وفي هذه اللحظة، إنهارت “صفقة القرن” وإتفاقات التطبيع وألغيت مهزلة أوسلو المستمرة منذ 30 عاماً، ومعها السلطة الفلسطينية وما يسمى بقرارات الشرعية الدولية، واكتشف نتنياهو أن القدس ليست موحدة كما يزعم القادة الإسرائيليون منذ عام 1967، والأكثر خطورة هي الإحتجاجات التي اندلعت في المدن المختلطة التي يسكنها فلسطينيون ويهود منذ 1948 كاللد والرملة وحيفا ويافا والناصرة، حيث أقامت إسرائيل نظام الفصل العنصري بشهادة منظمات حقوقية من إسرائيل والولايات المتحدة وآخرها تقرير منظمة “هيومان رايتس ووتش”، الذي عرّى الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في فلسطين التاريخية، معتبراً أن ثمة نظاماً قائماً بكل معنى الكلمة على الأبارتهيد الذي كان سائداً في جنوب أفريقيا. أثبت المسار السياسي للفلسطينيين منذ إتفاق أوسلو حتى اليوم أنه كان بلا جدوى لأن إسرائيل لن تعترف بدولة فلسطينية، مهما كبُرت أو صغُرت، مسلحة أو منزوعة السلاح، لأنه بمجرد الإعتراف بمثل هذه الدولة تكون هي قد اعترفت بعدم شرعيتها. ولذلك كان أوسلو وهماً من آلاف الصفحات لم ترد فيها كلمة إنسحاب، كلها تتحدث عن إعادة إنتشار. وعندما انسحب شارون من غزة إنما ليخفف من العبء على إسرائيل، وليس تنفيذاً لأوسلو. أما صيغة “حل الدولتين” التي أقر بها كل العالم وسيلة لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي، فتبين أنها غير قابلة للتطبيق، طالما أن إسرائيل لا تقر بها وماضية في ضم نحو أربعين في المئة من الضفة الغربية، ناهيك عن القدس الشرقية، و”صفقة القرن” تقر بسيادة إسرائيل على مستوطنات الضفة التي زُرِع فيها مئات آلاف المستوطنين اليهود، وبذلك لم يتبقَ فعلياً مكان لدولة فلسطينية، وليبحث الفلسطينيون عن وطنٍ في مكان آخر، وهم في نظر إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة شعب زائد.
أهمية الإنفجار الفلسطيني اليوم، تكمن في سقوط كل الحلول وكل الرهانات على حلول عربية أو دولية. عاد الحل ليكون فلسطينياً، وفي أيدي الفلسطينيين وحدهم، بعد 73 عاماً من نكبتهم الأولى، يكتشف الفلسطينيون أيضاً أن الحل في أيديهم فقط وليس في أيدي العرب الذين باتت فلسطين عبئاً عليهم.. ولا في أيدي العالم الذي يكذب عليهم ويدعم إسرائيل.
لم تكن القضية الفلسطينية على جدول أعمال الرئيس الأميركي جو بايدن، لأنه لا يريد أن يُغضب نتنياهو بعودة الحديث إلى “حل الدولتين”، وركّز كل إهتمامه في الشرق الأوسط على إحياء الإتفاق النووي مع إيران، لأن لا علاقة للإتفاق بالقضية الفلسطينية، بل يقوم جوهره على كيفية حماية إسرائيل من إيران، وعلى أن لا يندلع سباق للتسلح النووي في الشرق الأوسط وكي تبقى إسرائيل صاحبة الإمتياز في هذا المجال. وأراد بايدن وقف حرب اليمن كي يرضي شريحة اليسار في الحزب الديموقراطي التي تعتبر أن اليمن يعاني أقسى مأساة إنسانية في العقود الأخيرة. أما فلسطين فليست على جدول الأعمال. لكن الشيخ جرّاح غيّر المعادلة، وأرغم الولايات المتحدة والعالم على الإستفاقة على حقيقة أن الصراع لم ينتهِ، وأن ثمة دولة عنصرية في العالم لا تحرم الفلسطينيين من حقوقهم السياسية فقط، وإنما تقيم أبشع نظام عنصري في العالم، وهي نفسها تتحول دولة يتحكم بقرارها المتشددون الذي يحتلون 72 مقعداً من أصل 120 في الكنيست. وهؤلاء لا يعترفون بوجود الشعب الفلسطيني من الأساس وكل أجندتهم قائمة على ترحيل ما تبقى من هذا الشعب في أراضي 1948 والضفة وغزة. تعود فلسطين إلى واجهة الأحداث، ولم يدم وهم اختراع “العدو الإيراني” المشترك للعرب وإسرائيل كثيراً، ولا مقولة أن فلسطين صارت وراءنا ولنبدأ صفحة جديدة في الشرق الأوسط، عنوانها التعاون العربي – الإسرائيلي لصنع عقود من الإزدهار. العالم يكتشف اليوم أن الحرب لا تزال في المكان الذي إنطلقت منه قبل 73 عاماً. وعند الحديث عن نظام الفصل العنصري في إسرائيل، لا بد من استطراد يتعلق بالهجوم الشرس الذي يشنه بايدن دفاعاً عن حقوق الإنسان في إقليم شينجيانغ الصيني، أليس حرياً به التعريج قليلاً على إسرائيل، او أبسط شيء قراءة تقرير منظمة “هيومان رايتس ووتش” الأميركية، وليس تقارير أخرى يمكن أن تعتبرها الإدارة الأميركية، منحازة! محق هو نعوم تشومسكي عندما قال مؤخراً في مقابلة مع موقع “ذا تروث أوت”، إن “محاولات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ سنوت لطرد الفلسطينيين من القدس، بما في ذلك الجولة الأخيرة من الهجمات، لا يمكن فهمها من دون إعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة في تنفيذ سياسة الإرهاب والطرد”.