تخوض غزة، كجغرافيا، وكإنسان، معركة تاريخية هذه الأيام، والمقصود بأنها معركة تاريخية، ليس أنها حرب، أو أنها ستكون النهاية، بل أنها من تلك الوقائع التي تشكل انعطافة في مسار الزمن، لا يكون بعدها كما كان ما قبلها، و غزة اليوم بهذا المعنى، بصمودها وكفاءتها العسكرية، وصبر ناسها وثبات مقاتليها، إنما تصنع التاريخ، وتعيد كتابة فصوله الناقصة أو المزيفة، فلا يعود بعد اليوم لأحد أن يكتب أو يفسر إلا ما خطته يدها الثابتة وقلبها الباسل.
تقاتل غزة اليوم كما عادتها عن الجميع ولكن استثنائيًا، وربما ما زال الوقت مبكرًا لقراءة معركة غزة، وكيف أذلت العدو وأوجعته، وردت له الصاع صاعين، وكيف صعدت بذرة مقاومة صغيرة لتتحول إلى جحيم يمطر تل أبيب ومدن الكيان، وكيف صار الصاروخ "العبثي" شيخًا مباركًا يتحول مسقطه إلى مزار في قرية فلسطينية بعيدة، وكيف أن هذا الصاروخ نفسه الذي لم يعد يخطئ الهدف يستقبله الفلسطيني في كل مكان بالترحيب والتهليل، ويستقبله المستوطن الصهيوني في مخبئه على عجل، وكأن هذا الصاروخ يعرف أهله ويعرف عدوه ويعرف أين يصيب!
لذلك فلا بأس أن نلقي نظرة على السياق الشامل الذي جاءت فيه معركة غزة التي ما كان لها أن تكون لولاه ولولا انكسار خطوط الوهم وتبددها، فبعد 73 عامًا من النكبة وأكثر من نصف قرن على الفتح المذل لبوابات مندلبوم بعد توحد القدس تحت حراب الاحتلال، ينكسر ما يسمى الخط الأخضر تمامًا، ولا يعود له معنى، ولم تكن صدفة أن يكون احتفال المحتل بتوحيد القدس جزءًا من نفير المعركة وشرارتها، وها هم الفلسطينيون يستأنفون المعركة، التي لم تضع أوزارها بعد، وكأن هذا الزمن المديد لم يكن سوى استراحة بين رصاصتين.
هذا الزمن الذي استطال 73 عامًا، لم يكن مهدورًا، فقد استغله العدو بأيديه وأسنانه ومخالبه ليبني دولته فوق مجتمعنا وبلدنا المنهوب وجثث أحبائنا، وفي بيوتنا المسلوبة، وسعى بكل طاقته ليصهر وعي من تبقى من الفلسطينيين في ديارهم داخل ما يسمى الخط الأخضر ليحيلهم لنوع من الكائنات المشوهة تتخلى عن فلسطينيتها وعروبتها، ولكن دون أن يسمح لهم أن يكونوا إسرائيليين مواطنين كاملين في دولته المفخخة بأساطير التوراة وجنون يهوه، بل مجرد طبقة غير رسمية من العبيد، فـ"الغوي" يبقى "غويًا" حتى لو أصبح وزيرًا بلا حقيبة في حكومة شارون أو عضوًا في الكنيست.
لكن، كل المليارات التي أنفقها المحتل، وكل عمليات التعمية والخداع وغسل الدماغ والعزل العسكري، والقمع الفكري، والخطط الاستراتيجية لهندسة الوعي وكيه، لم تفلح، في لحظة الحقيقة، فانهار قصره الورقي فجأة واستأنف المسحوقون القتال في اللد والرملة وحيفا وعكا ويافا يعني في قلب تل أبيب، جوهرة الصهيونية وتاج رأس الثكنة الغربية المتوحشة المتوغلة في ديارنا، وقدس أقداس الأشكنازي الأبيض.
كل هذا انهار، في سياق نهوض متكامل، كانت شرارته في حي صغير في ضواحي القدس خارج السور، سمي على اسم صديق مقرب لمحرر القدس الناصر صلاح الدين، فلم يكن حسام الدين الجراحي مجرد طبيب وأمير، بل صار وليًا من أولياء الله يتبرك به الفلسطينيون، ويتبعون أثر بركته.. هذه الشرارة التي اندلعت ومستمرة في حي الشيخ جراح، كان لها شرعيتها وأيضًا كان لها امتدادها الطبيعي والمتوقع والمطلوب بالتزامن مع محاولة اقتحام الحي الإسلامي والمسجد الأقصى في مسير استيطاني سعى حرفيًا لسرقة قداسة رمضان عن الفلسطينيين، وتغليب الزمن التوراتي الاحتلالي على الزمن الفلسطيني الإسلامي، فكانت المعركة بين زمنين يتنافسان على حيز واحد، وهنا تكون الجغرافيا ساحة قتال، فالسعي التقسيمي مكانيًا للمسجد قد خاب لذلك أرادوا تكريس التقسيم الزماني ولكن هيهات.
مع سقوط الخط الأخضر، في وعي الناس وضميرهم وإرادتهم، كان من الطبيعي أن يتجسد هذا بوحدة المجتمع الفلسطيني المقاوم ولأول مرة يتوحد الفلسطينيون في مساحة جغرافيا شاسعة جدًا على النضال في أرضهم التاريخية كلها، وأقصد هنا أن وحدة النضال غير المسبوقة في تاريخ الكفاح الفلسطيني، حتى في زمن غابة البنادق اللبنانية، عمت فلسطين كجغرافيا والفلسطينيين كتواجد ديمغرافي تجاوز جغرافيتهم الوطنية، فلم يعج عناك أي معنى لغزي وضفاوي ومقدسي ولاجئ وابن داخل، إلى في عيون محولة، وضمائر مخدوشة تحتاج لإعادة النظر، في فهم كيفية انخراط كل فلسطيني في معركته الوطنية، فالأحمال تتوزع وتختلف وتتغير الأكتاف الحاملة دون أن يقلل هذا من معنى الوحدة وتعاضد الحشد. ومع سقوط الخط الأخضر سقطت اتفاقية أوسلو التي مزقت الفلسطينيين، وعبر هؤلاء ليس فقط عن غضبهم تجاه هذه الاتفاقية ومروجيها وأتباعها وإنما عبروا وأكدوا على تجاوزها وإنها أصبحت وراء ظهورهم إلى الأبد. وأيضا مع سقوط الخط الأخضر، أصبح انخراط غزة في المعركة بديهيًا وأصبح من البديهي أن يتوقع ابن عكا واللد وسخنين قدوم الصاروخ، الذي بقدر ما هو مؤازر وسند للفلسطيني في كل مكان فإنه يستمد شرعيته وقدرته من ولاء الفلسطينيين، باعتباره الممثل الشرعي لإرادة الفلسطينيين وإرادة القتال الذي يتم استئنافه اليوم، بجهود مقاتلينا وعقولهم بدون جيش الإنقاذ وبدون السلاح الفاسد، وبدون عجز وفساد وخيانة اللجنة العسكرية العربية، إن حرب 1984 لم تنته بعد، ولعل هذا ما يفسر تجهم وعبوس قادة العدو وكأن على رؤوسهم الطير فقد صفعته هذه الحقيقة التي طالما حاولوا تجاهلها، وحاولوا إخفائها عبر يافطات "الوسط العربي" وعضوية الكنيست وغيرها من عزل الفلسطينيين عن بعضهم وإغراق مجتمعهم بالجريمة والعوز والفقر، ولكن هيهات.
إن المعركة التي يخوضها الشعب الفلسطيني كله، اليوم هي معركة من أجل كل فلسطين، وإن كان عنوانها الأول القدس والشيخ جراح، ولكننا ندرك أن غزة اليوم تقاتل ونحن معها بما ملكت أيماننا نقاتل من أجل وادي النسناس والحليصة واللد وطبريا.. ونقاتل من أجل ما سلبونا إياه عام 1948، إننا اليوم نستأنف هذا القتال، وقد أدركنا إننا لن نخسر سوى خيمة العار التي حاولوا ربطنا بها.
تلك مكاسب لا يمكن التراجع عنها، بالمعنى الاستراتيجي وهو الأهم، مع إدراكنا أن المعركة طويلة، فعلينا ألا نتوهم أن ميزان القوى صار لصالحنا سواء من حيث ما نملك نحن كفلسطينيين من قوة وسلاح وإرادة أو ما يملكه حلفاؤنا مقابل العدو وما لديه ولدى حلفائه، ولكن هذه المكاسب المهمة تعيد الزمن إلى سياقه الطبيعي وتعيد تعريف الوقائع كما يجب أن تعرف.
أيضًا علينا أن نرى كيف أجهضت هذه المعركة مسار التطبيع العربي الانتهازي وهوت براكبي هذا البغل التطبيعي، فلم يعدد لدى المطبعين حجة ولا برهان، فانخذلوا مدحورين خاسئين بعد أن تجلى حجم الدعم الشعبي العربي والعالمي للقضية الفلسطينية التي عادت لتتصدر الزمن الدولي كقضية لا يمكن التهرب منها ولا تجاوزها، بل جرت وراءها دعمًا رسميًا لم يجد مفرًا من محاولة التعلق بأستار كعبة فلسطين وإن عن تردد وخجل، ولكنهم عادوا ليدركوا أن ما يستر نفسه بفلسطين وقضيتها سيبقى عاريًا إلى الأبد.
لهذا كله ولأن المعركة شاملة يتراكض الجميع الأى من أعداء وأصدقاء على وضع حد لها، وتحت الدموع والبكاء على مصير أطفال غزة وحياة الناس فيها، نرى بوضوح الرغبة الدفينة للأسف بإجهاض هذا المسار وهذا النصر، وإعادته إلى المربع الأول، لذلك فإن البديهي الآن أن يكون الشعار قائمًا على وحدة البندقية ووحدة الهدف والغاية السياسية، ولا يجوز التفرد بأي شكل من الأشكال بالحل السياسي، أو التسرع باستثمار سياسي منقوص لهذه المعركة وهذه التضحيات العظيمة، ما يفرغها من محتواها ويجعل الأمور مجرد إطلاق نار في الهواء.
ولكن وحتى الآن، لم تكن ثقتنا في المقاومة وقيادتها إلا في محلها ونحن ندرك أننا لن يخيب أملنا كما أن المقاومة تعرف تمامًا غايات شعبها وإرادته التي انتصب لأجلها خلف الراجمات جسدًا وروحًا، وهذه الثقة بالمقاومة التي تتعرش أشجارها الوارفة في كل مكان حول العالم، وفي اللد وشوارع يافا وحيفا وعكا وقرى الضفة الباسلة وأزقة القدس، هذه الثقة مستمدة من وعي مواز أيضًا بأن المقاومة لن تخذل شعبها ومريديها، والمقاومة كما نفهمها ليست فقط المقاتلين الأبطال في خطوط القتال وعلى بطاريات الإطلاق، بل كل غزة وشعبها، تلك هي المقاومة التي نثق بها والتي يمنحها شعبنا شرعية غير مسبوقة هذه الأيام.

