لم تكن المواجهة الأخيرة بين الفلسطينيين والاحتلال والتي توقف شقها العسكري بعد حوالي أحد عشر يوماً من الاشتباك الضاري، كانت المقاومة الفلسطينية في غزة وشعبها وأهل القدس هم أبطالها كما كان عليه الأمر في المواجهات التي جرت في السنوات الأخيرة، لكن باختلاف واضح أن المواجهة هذه المرة أخذت بعداً تراجيدياً وأكثر ملحميّة من الجانب الفلسطيني بعد أن ردّت المقاومة على اعتداءاته في القدس ردّاً غير مسبوق كمّاً ونوعاً، ليس بحساب الخسائر لدى الطرف الإسرائيلي، إنّما ما شكلته من عامل ردع ورعب عنده، بعد أن سجلت صواريخ المقاومة وصولها لمناطق كانت بعيدة عن متناولها سابقاً، وبعد أن نالت عاصمة الكيان ( تل أبيب ) قسطاً وافراً منها وكل المدن الإسرائيلية الأقرب وبعضها الأبعد حتى طالت هذه الصواريخ بعض ضواحي مدينة حيفا، وهو تطور لافت، يشير الى أن صواريخ المقاومة تقترب من تغطية كامل الجغرافيا الاحتلالية على كامل أرض فلسطين من أقصى شمالها الى أقصى جنوبها، ليس ذلك وحسب وكذلك بقدرة تدميرية أكبر مما كانت عليه سابقاً..
المقدمات التي قادت للانفجار:
لم تكن هذه المواجهة التي تتواصل بشقها الشعبي وبأشكال مختلفة، منقطعة السياق والجذور، فهي حلقة في سلسلة الكفاح الفلسطيني الذي يناهز القرن في مواجهة الاستعمار البريطاني ومخلّفاته من استعمارٍ استيطاني صهيوني الذي بلغ اليوم من الظلم والقهر ثلاثة وسبعين عاماً، هذا الكفاح الذي وإن خبا في بعض المراحل لأسباب مختلفة، إلّا أنه سرعان ما يشتعل ويلتهب من جديد بسببٍ من أنه تناقضٌ موضوعي بين طرفين متناحرين، لن ينتهي الا بزوال أحدهما، وشعبٌ كالشعب الفلسطيني لن يزول لأنه ضارب الجذور في أرضه منذ آلاف السنين، ولن يكون أقل حظّاً من شقيقيه شعبي الجزائر وجنوب أفريقيا.
إن مشاعر المرارة التي تجرّعها الفلسطينيون على امتداد ربع قرن من اتفاقات أوسلو التي كان مقيّضاً لها أن تقدّم للفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس، ليكتشفوا بعد مرور القليل من الوقت أنهم كانوا ضحية خديعة كبيرة، ومصيدة وضعتهم في سجن كبير، باتفاقات تجبرهم على تقديم كل شيء للطرف الإسرائيلي، مقابل لا شيء جدّي سوى رضى الاحتلال عنهم، والسماح لهم بالعيش، وتسهيل انتقالهم وحركتهم حينما تشاء سلطات الاحتلال ذلك، واستمرارها بمصادرة الأراضي والاستيلاء عليها وتهويدها، تلك السياسات التي تكثفت في ظل هذه الاتفاقات المدمرة.
لقد جاءت الانتفاضة الأخيرة للفلسطينيين بعد أن ضاق هذا الشعب ذرعاً بالظلم المستمر والمتواصل له وإذلاله اليومي على الحواجز المتموضعة على بوابات ومداخل مدنه وقراه ومخيماته، وبعد أن حاول الحلف الاستعماري الغربي بقيادة الرئيس الأمريكي السابق (ترامب) وبالتواطؤ مع بعض الأنظمة العربية تصفية القضية الفلسطينية عبر ما سُمي مشروع (صفقة القرن) التي مازالت سلطات الاحتلال تحاول تطبيقها وتنفيذها على الأرض، بظل انقسام فلسطيني وانهيار رسمي عربي، تُوِج في السنوات الأخيرة بموجة من التطبيع بين العديد من الأنظمة العربية (وإسرائيل)، ليصل حال بعض هذه الأنظمة حدود التحالف معها ومعاداة القضية والشعب الفلسطيني .
إنّ حالة الضعف والتقهقهر في المواقف من قبل قيادة الشعب الفلسطيني الرسمية المتنفذه، والمتفردة بالقرار والمصير الفلسطيني واعتمادها خيار المفاوضات خياراً استراتيجياً وحيداً لانتزاع الحق الفلسطيني ، والجري وراء أوهام المفاوضات ووهم إقناع الاحتلال بالتنازل عن بعض الحقوق، ومشاعر عدم الرضى لدى قطاعات واسعة من الجمهور الفلسطيني، تجاه هذه القيادة ومواقفها، مثّل أحد المقدمات والإرهاصات التي قادت لهذا الانفجار.
إذاً يمكن القول أن ما جرى لم يفاجئ سوى المحبطين واليائسين وأصحاب الاحتلال والاحتلال نفسه، لأن هذه الدوائر كانت تعتقد أنه لن تقوم قائمة للشعب الفلسطيني بعد هذه السنوات الطويلة من القهر المتواصل، ومحاولات الاحتواء والتطويع والتطبيع والتدجين وإفساد الوعي الوطني ومحاولات مسحه، وإجبار الفلسطيني البحث عن خلاصه الفردي والسعي وراء الراحة ورغد العيش، على حساب المصلحة العامة والمصالح الوطنية العليا للشعب، وهي مظاهر بدأت تبرز في السنوات الأخيرة لدى بعض الفئات .
السمات :
كل هذه المقدمات والإرهاصات أدت لانتفاضة لها طابعها وسماتها وملامحها الخاصة:
١ - جمعت بين العمل العنفي المسلح والعمل الجماهيري الشعبي بثلاث مناطق تفصل فيما بينها إجراءات الاحتلال، حيث اختصت غزة بالمواجهة المسلحة والضفة الغربية والمناطق المحتلة عام ٤٨ بالمواجهة الشعبية.
٢ - لأول مرة في تاريخ القضية الفلسطينية تتجسد وحدة الشعب عبر وحدة وتكامل نضاله في الداخل والشتات، وهو تطور سيؤسس لمرحلة نوعية جديدة في الكفاح الوطني الفلسطيني إذا ما أحسنت قيادات الشعب الفلسطيني القادمة تنظيمه وضبط إيقاعه وتناغمه واستثماره.
٣ - دخول فلسطينيو الداخل بقوة في نهر الفعل الانتفاضي، وهو أمر شكل الصدمة الكبرى للدوائر السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية، ويمكن القول أن هذا التطور يُبرز بشكل كبير المخاطر الكارثية للقنبلة الديمغرافية الفلسطينية على مستقبل إسرائيل والاحتلال، وسيلقي بسؤال الوجود بقوة في وجوه الإسرائيليين صباح مساء، وهو السؤال الذي سيقض مضجع إسرائيل وسيصيبها بحالة أرق دائم تصل حدود الحالة المرضية.
ومن أهم الدلالات والمعاني التي يمكن تسجيلها في ظل مواجهة مع عدوٍّ محتلٍّ من نمط خاص جداً، ليس له شبيه في العالم، عدوٌّ استيطاني إحلالي يتلفع زوراً برواية دينية تنضح عنصرية وقتلاً وإجراماً:
١ - عدو لا يعرف الإنسانية ولا يعترف بالفلسطيني إلا ميتاً، أو جباناً متخاذلاً، أو خائناً .
٢ - هذا العدو لا تعنيه أي اتفاقات سلام إلّا من زاوية تحقيقها لمصالحه واستمرار احتلاله ونهبه ومصادرته للمزيد من أراضي الفلسطينيين .
٣ - عدو بهذه البنية والطبيعة لا يرضخ إلا للقوة، ولن يستطيع الفلسطينيون انتزاع أيٍّ من حقوقهم بالاستجداء من خلال المفاوضات حتى لو استمرت مئة عام أخرى، أو من خلال تأكيد حسن نواياهم تجاهه ليل نهار، ولا سبيل لهم غير إجباره عبر كافة أشكال وأساليب النضال وعلى رأسها النضال العنفي المسلح إذا ما توفرت شروطه ومتطلباته .
٤ - العالم لا يستمع لصاحب الحق الصامت الضعيف المستكين والمستسلم للظروف، إنما يحترم ويقدّر ويستمع لصاحب الحق القوي ذو الصوت العالي، الرافض للظلم والاضطهاد.
٥ - لقد كانت الوحدة الفلسطينية الميدانية، العامل الأبرز في الصمود، تلك الوحدة التي خاض الفلسطينيون معركتهم على قاعدتها بكل قوة واقتدار، وكانت العامل الحاسم في نجاحهم بهذه الجولة .
إن الدروس والعبر والنتائج التي ستؤدي لها الانتفاضة متعددة وكثيرة، ويمكن تكثيف أهمها بالتالي:
١ - لن يتوقف كفاح الشعب الفلسطيني ما دام الاحتلال موجوداً على أرض فلسطين، وما دام يتبنى الصهيونية فكراً والعنصرية ديانة، فالتناقض موضوعي ولن ينتهي أو يتوقف إلا بزوال الاحتلال أو تغيير جوهره .
٢ - على عكس توقعات المحتلين وبعض اليائسين والمتخاذلين من فلسطينيين وعرب، أظهرت هذه الهبّة، مدى اللياقة الكفاحية العالية التي يتمتع بها الشعب الفلسطيني والمخزون النضالي الذي يمتلكه، وقدرته على التحمل والصبر في الحوادث والملمّات الكبرى.
٣ - سقوط خيار الأسرلة التي عملت عليه سلطات الاحتلال منذ عقود على فلسطينيي ال ٤٨، وأكدت أن حمل الهوية الإسرائيلية لم يُنسِ حاملها هويته الفلسطينية وأنه مكوّن من مكونات الشعب الفلسطيني .
٤ - اشتداد حدّة التناقضات بين فلسطينيي ال ٤٨ وسلطات الاحتلال التي لم تتوقف يوماً والتهابها مؤخراً، بسبب اتساع وتَعَمُّق النزعات العنصرية الفاشية لدى قطاعات واسعة في المجتمع الصهيوني وسياسات التمييز لدى السلطات ومؤسسات الكيان المختلفة .
٥ - اشتداد التناقضات التي ستُخَلِّفها الانتفاضة بين قطاعات وفئات مختلفة في المجتمع الصهيوني، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع واتساع الأصوات التي تنادي بإيجاد حل مع الفلسطينيين، بعد الصمود البطولي والأداء الفلسطيني العالي في المواجهة الأخيرة، ووصول الكثير من الإسرائيليين وبعضهم من المتشددين الى قناعة باستحالة اقتلاع واجتثاث الفلسطينيين من أرضهم، وأنه لا خيار أمام إسرائيل إلا التفاهم مع الفلسطينيين على حلٍ يرضيهم، ويقدم لهم بعضاً من مطالبهم وحقوقهم .
٦ - بقدر ما تتمتع به إسرائيل من عوامل قوة على مختلف الصعد، إلا أنه سرعان ما تنكشف وتظهر مواطن الوهن والضعف فيها أمام أي اختبار يتعلق بأمنها واستقرارها، وأهم نقطة ضعف أظهرتها المواجهة الأخيرة والمواجهات والحروب السابقة، هي عدم قدرة المجتمع الصهيوني الموعود بالأمن والأمان والاستقرار والتمتع بالحياة والرفاهية، عدم قدرته على تحمل أعباء حرب طويلة، أو انتفاضة طويلة، أو أحداث طويلة تنغص عليهم حياتهم وتحرمهم الاستقرار والتمتع بملذات الحياة، وهو ما يجب أن يركز عليه الفلسطينيون في نضالهم، وهو باختصار إقلاق راحتهم وتعكير صفوهم ومحاولة حرمانهم من ميزات العيش برفاهية في فلسطين .
إنّ ما جرى، وكما كان له تداعيات وانعكاسات على المجتمع الصهيوني والاحتلال، كذلك سيكون له تداعياته وانعكاساته على الجانب الفلسطيني:
١ - لقد كشفت الانتفاضة ضعف وهشاشة السلطة الفلسطينية، وضعف حضورها في الأحداث قيادةً ومؤسسات، وهو أمر متوقع بسبب بنيتها وتركيبتها وخياراتها السياسية البائسة التي أثبتت الحياة والأحداث مدى عقمها وخطئها، والتي لا زالت تصرّ على ركوبها برغم تجربة طويلة من الفشل .
٢ - عودة حماس والخط الإسلامي بقوة لتصدر المشهد الكفاحي الفلسطيني، على حساب القوى الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها فتح، ذلك التنظيم الوطني الكبير الذي خسر وسيخسر الكثير من رصيده الوطني وقطاعاً من جمهوره إذا ما بقي رهيناً لخيارات (أبو مازن) البائسة، وسيكون الخاسر الأكبر في هذا السياق .
لقد أضرت خيارات أوسلو ضرراً كبيراً بهذا التنظيم الوطني العريق، وأفرغته من جوهره ومضامينه الكفاحية، ولن تعود فتح إلى سابق عهدها ودورها إلا بتجديد صفها القيادي الأول، ومراجعة سياساتها وتكتيكاتها منذ أوسلو إلى يومنا هذا، ولدى فتح من الكفاءات والمناضلين الوطنيين ما يؤهلها للقيام بهذا الحراك الداخلي، وهي التي تضم الكثير من القامات الوطنية المشهود لها وعلى رأسها المناضل الكبير (مروان البرغوثي) وغيره من المناضلين .
٣ - أظهرت الانتفاضة تراجع دور الفصائل الفلسطينية المختلفة في قيادة فعاليات الانتفاضة، حيث تميزت هذه الفعاليات بالعفوية والارتجال لأنها جاءت في السياق الكفاحي الفلسطيني العام، وكرد فعل شعبي ووطني على إجراءات الاحتلال وسياساته العنصرية وبظلّ عدم وجود قيادات وطنية موحّدة محلية ومركزية تخطط وتنظم وتقود .
٤ - ستكون هذه الانتفاضة المنطقة الفاصلة بين ما قبلها وهي مرحلة أوسلو وكوارثها وما بعدها وهي مرحلة عودة الروح للشعب الفلسطيني بعد صموده الأسطوري، واتساع رقعة اشتباكه مع الاحتلال، وإصراره على نيل حقوقه، لكن هذا يطرح مسألة الضرورة الملحة في التغيير القيادي لدى كافة الفصائل والتنظيمات التي فشلت على امتداد ما يزيد عن خمسين عاماً من تحقيق أي انتصار أو إنجاز وطني مهم باستثناء مواصلة الصمود وحماية وتثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية .
٥ - لقد أظهرت الانتفاضة مدى الدور الكبير الذي يلعبه الشباب في المعارك الوطنية، وهو أمر يُحتّم تعزيز دورهم في الأطر والهيئات القيادية الوطنية والفصائليه، ويبدو أن ضعف هذا الحضور في هذه الأطر والهيئات يشكل العامل الأبرز في عوامل الأزمة على الصعيدين الوطني والفصائلي .
لقد ساهمت القيادات القديمة في احتجاز تطور القيادات الشابة وضعف نموها، بسبب عدم إعطائها الفرصة المناسبة في الوقت المناسب، وبروز ظاهرة المحسوبية وهي ظاهرة مرضية، حيث لا تمنح فرصة الصعود لأيٍّ من الكوادر الشابة المتميزة إلا إذا كانت على شاكلتها ونفس لونها ومضمونها، وهي قضية بالغة الخطورة، حيث باستعراض سريع لأعضاء المجلسين الوطني والمركزي وأعضاء الهيئات القيادية لمختلف التنظيمات والفصائل الرئيسية يتضح أن متوسط العمر لدى أعضائها يزيد عن السبعين عاماً، وهو أمر يؤشر على كهولة هذه الهيئات وبالتالي ضعف أدائها .
٦ - إن أهم استنتاج يمكن أن يخرج به المرء من تطورات السنوات الأخيرة على الصعيدين الفلسطيني والإسرائيلي هو سقوط خيار الدولتين، وهو الخيار الذي أجهزت عليه إسرائيل بسياساتها الاستيطانية وخططها في استكمال الاستيلاء على المتبقي من أراضي الضفة والقدس، وعلى الفلسطينيين مؤسسات وتنظيمات وطنية مراجعة خياراتهم من جديد، والبحث عن الخيارات الأنسب، لأنه أصبح من المؤكد أن إسرائيل بجوهرها العنصري الصهيوني لا يمكن أن تقبل قيام دولة فلسطينية ذات سيادة على المناطق المحتلة عام ٦٧ .
وفي الختام ما جرى في المواجهة الأخيرة والتي لا زالت تتفاعل بشقها الجماهيري في بعض المواقع والأماكن، وعلى وجه الخصوص في القدس، بسبب الهجمة المسعورة عليها، إن ما جرى ويجري يُعَدّ صموداً وعملاً بطولياً سيظلّ عفوياً ومؤقتاً إذا لم يأتِ في سياق برنامجٍ وطني، وخطةِ مواجهةٍ وطنيةٍ شاملة لسياسات وخطط الاحتلال في القدس وغيرها من المناطق، وهذا لن يحدث إلا بقيادة وطنية حكيمة، قادرة على لمِّ شمل الفلسطينيين تحت سقف واحد في مؤسسات وطنية موحدة ومنتخبة، أو بالحد الأدنى تحظى بإجماع الفلسطينيين، تؤمن بالشراكة الوطنية، توحّد الجهود وتجمّع الإمكانات والموارد وتفجر المواهب والطاقات وتستثمر الكفاءات وتزجّها جميعاً في معركة الحرية والاستقلال والعودة ...
إن الانتفاضة الأخيرة أعادت الروح للقضية الوطنية الفلسطينية، ووضعتها في موقعها التي تستحقه بين قضايا الكون ذات الأولوية وأعادت لها اعتبارها إقليمياً وعالمياً، وأعادت عزة الفلسطيني وهيبته أمام العالمين .فهل ستشكّل بدايةً لحقبة فلسطينية غنية وحافلة بالأحداث والإنجازات تُحدِث انقلاباً لدى الرأي العام العالمي الذي شاهدنا مدى تفاعله مع الحدث الفلسطيني الأخير وتعاطفه معه؟! لنعمل على ذلك، ولنتابع ونراقب ونرى.

