في قمة صلف المشروع الصهيوني واستهتاره، حد الغباء، حاولت حكومة كيانه المقامة فوق أرض العرب حسم الأمور ميدانيا خلال شهر ماي / أيار 2021، لفائدة حزمة من الأهداف هي:
أولا: تهويد القدس بالكامل لجعلها عاصمة أبدية وفعلية للكيان الصهيوني الغاصب، وهو ما عمل عليه ناتنياهو زعيم حزب الليكود بالتشارك مع دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية ( جانفي 2017ـ جانفي 2021 )، هذا الذي أمر بتاريخ 6 ديسمبر/كانون الأول 2017، بنقل سفارة بلاده إلى القدس، تفعيلا لقرار سابق، كان استصدره الكونغرس سنة 1995، فذلك ما تم إنجازه فعليا من طرفهما بتاريخ 18 ماي/ أيار 2018... فجاءت مناورات المتطرفين الصهاينة في حي الشيخ الجرّاح كخطوة أرادوها أن تكون حاسمة ونهائية في هذا الاتجاه.
ثانيا: التقدم في ترسيخ فكرة "الدولة القومية اليهودية" واقعيا، وهي الفكرة التي كان الكيان قد أصدر في خصوصها، من طرف برلمانه أي "الكنيست" بتاريخ 19جويلية /تموز 2018، قانونا أساسيا كاملا، يكتسي طابعا شديد العنصرية كونه يمكن أن يؤدي إلى "ترانسفير" أي إلى تهجير من يسمونهم بالتعبير الصهيوني "عرب 1948 "، المجبرين على حمل الجنسية "الاسرائيلية"، والذين يعتبرهم الصهاينة قنبلة ديمغرافية داخل كيانهم يجب التخلص منها، أو على الأقل وضعهم في أدنى المراتب الاجتماعية واضطهادهم بغاية دفعهم إلى الهجرة هربا من الجحيم الذي يعيشون فيه حاضرا، أو الذي يعدونه لهم مستقبلا بمقتضى هذا القانون الأساسي الذي ينص في بنده الثالث على أن "حق تقرير المصير في دولة اسرائيل هو ممارسة حصرية للشعب اليهودي"، في حين جاء ببعض بنوده الأخرى : "تعتبر الدولة تطوير الاستيطان اليهودي قيمة يهودية وتعمل لأجل تشجيعه، ودعم إقامته، وتثبيت" ما يعني أن الاستيطان قد أصبح بمقتضى هذا القانون الأساسي قيمة دينية "مقدسة" لديهم، وتشريعية في نفس الوقت... ما يمكن من خلاله محاولة إحلال الصهاينة مكان هؤلاء الفلسطينيين في كل لحظة تطبيقا لمقتضياته ...فهذا ما بدأوا في إنجازه في حي الشيخ الجراح.
ثالثا: وضع خطة "صفقة القرن" أو خدعته على الأصح، على جدول الأعمال مجددا بعد الانتكاس المرحلي والنسبيّ الذي أصابها عند انطلاقها بموجب رفضها، علما بأن هذه الصفقة هي حلم صهيوني قديم، وقد كان بنيامين ناتنياهو قد أعاد فقط صياغة هذا الحلم مرة أخرى سنة 1995، بأسلوبه الخاص، في كتابه: "مكان تحت الشمس"، فلا علاقة لهذا الحلم بدونالد ترامب المتصهين أو بصهره الصهيوني جاريد كوشنار كما تحاول إيهامنا بذلك الدعايات التضليلية، فهما كانا فقط من الأدوات التنفيذية لا أكثر ولا أقل، وبما أن هذا الحلم يهدف إلى رسم "الدولة القومية اليهودية" كحقيقة "لا نقاش فيها" داخل جغرافية رافضة لها بالأساس، بل وإلى جعل هذه "الدولة" الدخيلة سيدة كاملة، لها اليد العليا على هذه الجغرافية، من خلال "تنظيف محيطها"، فلذلك كان تحييد القوة المصرية، وتحطيم القوة العراقية، ومحاولة تفتيت الدولة السورية، ولذلك أيضا كان فرض التطبيع، وذلك ما تجسم عبر اتفاقية كامب دافيد المبرمة مع مصر السادات ( 17 سبتمبر 1978)، واتفاقية أوسلو المبرمة مع ما يُسمى "السلطة الفلسطينية" ( 13 سبتمبر 1993 )، واتفاقية وادي عربة المبرمة مع الأردن ( 26 أكتوبر 1994 )، ثم جملة الاتفاقيات الإبراهيمية، هكذا هو اسمها (؟) التي بدأت مع تطبيع العائلة الحاكمة للبحرين ( 11 سبتمبر 2020)، وتواصلت بتاريخ 23 أكتوبر 2020، مع التطبيع السوداني بعد الانتكاسة المؤسفة لانتفاضة الشعب هناك التي لم تحقق غير إزاحة المستبد المتأسلم عمر البشير من السلطة، وتوقفت تقريبا هناك، ثم وصلت هذه الجهود الابراهيمية إلى عنفوانها مع الانخراط في هذا التطبيع من طرف العائلة الحاكمة للإمارات المتحدة (13 أوت 2020 )، والعائلة الحاكمة للمغرب الأقصى ( 10 ديسمبر 2020)؛ ما يعني أن الكيان الصهيوني كان في حالة انتشاء قصوى زادته صلفا واستهتارا. هذا الانتشاء الشديد، ونتيجة الموازنات الداخلية التي انحشر فيها بنيامين ناتنياهو انتخابيا في الزاوية بمعية حزب الليكود، في الوقت الذي هو مهدد فيه بالسجن نتيجة مفاسده على غرار سلفه إيهود أولمرت، والحال أنه يتعنّتُ على مستواه كفرد في متابعة حلمه التلمودي كي يصبح ملك اسرائيل التاريخي، هو الذي دفع بحكومة الكيان إلى إطلاق العنان لكل ما يعتلج داخل الساكنة الصهيونية من عنصرية وإجرام، بغاية محاولة اقتحام المسجد الأقصى لإقامة ما يسمّونه هيكل سليمان مكانه، كما بغاية محاولة تشريد سكان "حي الشيخ الجراح" بالقدس، توسّلا بسرقة ديارهم التاريخية على مرأى ومسمع من العالم كله، وإحلال المستوطنين الغاصبين محلهم، بمقتضى أحكام "قضائية؟" مزعومة، وفاقدة طبعا لكل مشروعية... مثل هذه الاعتداءات كان العدو يقوم بها هنا وهناك باستمرار، فتقع مقابلتها بردود فعل بقيت نتيجة موازين القوى، غير متناسبة تماما مع حجمها الإجرامي، ولكنها في هذه المرة ستكون نتيجتها استنفار كل ما في الروح الفلسطينية من دواعي المقاومة لكي يتفاجأ هذا العدو بما لم يكن يدور في خلده أوفي خلد من يدعمونه، بأي شكل من الأشكال؛ فما الذي وقع بالضبط بمناسبة "معركة سيف القدس " وما قبلها وما بعدها؟
بدأ الأمر بصمود المقدسيين رغم القمع، والغازات المسيلة للدموع، والمياه كثيرة العفونة التي يرشونهم بها، ورغم الرصاص المعدني المغلف بالمطاط، والرصاص الحي في بعض الأحيان الذي يطلقونه على الشبان، إذ أصر المقدسيون رغم هذا كلّه على مواجهة المستوطنين الغاصبين المدعومين بجيش الاحتلال، فرابطوا بباب العامود، وتصدوا للهجوم على البيوتات بحي الشيخ الجراح، وأصروا على أداء صلوات التراويح في الليالي الرمضانية، وابتدعوا أشكالا من الاحتجاج السلمي، فيها الغناء الجماعي الملتزم، كما فيها أداء القسم الجماعي المتعهد بحماية المقدسات، مُعرّضين أنفسهم بدون تهيّب للإيقاف الظالم، وناجحين أحيانا في افتكاك بعض عناصرهم من براثن العسكر، ما جلب إليهم تعاطف بقية الفلسطينيين بالضفة المحتلة خصوصا، الذين توافدوا للمشاركة في ملحمة التصدي حتى بلغت أعداد الوافدين ذات ليلة وحسب التقديرات ما يناهز النصف مليون فردا أو ما يزيد على ذلك، وقد تمكن منهم ما يقارب المائة ألف من الوصول إلى المسجد الأقصى وأداء الصلوات رغم تجييش المكان.
وأمام تكاثر الإيقافات التي كان الشباب يرسمون ابتسامات التحدّي على محيّاهم عند وقوعها، رغم أنهم يعرفون ما سيرافقها طبعا في الأقبية المظلمة من تعذيب ومن محاولات إذلال.ـ فالابتسامة كانت جزءا من معركتهم النفسية ضد عدوهمـ وأمام إصرار المستوطنين بصورة إجرامية على اقتحام المسجد الأقصى، وعلى سرقة الديار جهارا من أهلها بحي الشيخ الجراح، وأمام ارتقاء بعض الشباب شهداء... رأت المقاومة المسلحة في غزة أنه لا بد لها من التدخل العسكري لإيقاف تلك الاعتداءات، فوجهت في سابقة غير معهودة بالمرة، تنبيها إلى القوات الصهيونية بالكف عن مظالمها، فلما واجه الاحتلال ذلك التنبيه، بعدم الاكتراث، نفذت وعيدها في تمام المهلة المضروبة وبدون تأخير، أمام بهتة الجميع بما فيهم الصهاينة، الذين من الواضح أنهم كانوا الأشد بهتة من كل المتابعين لتطور الأحداث... فكانت مناسبة سانحة للمقاومة لتجربة مدى فاعلية السلاح المصنوع محليا أو المتحصل عليه من إيران ومن محور المقاومة، كما كانت فرصة بطبيعة الحال لنصرة انتفاضة المقدسيين، ولرفع الغبن المسلط على المليونين من سكان غزة المخنوقين بالحصار الجائر، والمحرومين بفعل العدو من حصصهم الكافية من الماء والكهرباء، فالماء والكهرباء لا يصلان إلا بصورة متقطعة، والممنوعين من العيش والعمل بحرية، لأن رصاص الأعداء يطالهم ظلما وبدون سابق إنذار، عندما يدخلون أراضيهم لتعهد مزروعاتهم، أو عندما يرمون شباكهم في الحيز الضيق من مياه البحر المسموح لهم بالصيد فيه للحصول على بعض الأسماك... حتى أصبح الغزاوي ينطق بالشهادتين قبل الذهاب إلى أرضه أو للبحر، ذلك لأنه لا يعرف هل يرجع حيا إلى عياله بعد العمل ،أو إنه تدركه الشهادة فيموت حيث هو هناك.
تهاطلت الصواريخ على تل أبيب بالذات في البداية وبأعداد لم تقع من قبل في أية حروب مع الكيان الصهيوني، وتجاوزت بكثير عدد التسعة وثلاثين صاروخا التي أرسلها ذات مرة الشهيد صدام حسين سنة 1991 والتي أرعبت الكيان الصهيوني بشدة في إبانها، وقد أدى عدد الصواريخ الذي بلغ 4000 صاروخا سقطت على أنحاء متعددة من الكيان أثناء تطور الاشتباكات، إلى إجبار الصهاينة بالملايين على ملازمة الملاجئ والمخابئ، فتعطل النشاط الاقتصادي، والاجتماعي، لديهم، وحتى البرلماني أحيانا... إذ رأى الناس ذعر أعضاء الكنيست وهم يهربون من قاعة الاجتماع نحو وجهات مختلفة، وتعطلت الدراسة، وأغلق مطار بن غوريون حارما الكيان من عائدات سياحية يومية كان ينتظرها، وتفاقمت أرقام الخسائر المالية بصورة آلمته، وسيطر الرعب على الحكام في تل أبيب إلى حد منع الجولان على مواطنيهم، إلا في الفسح التي تمنّ بها المقاومة عليهم، وتعلمهم بها مسبقا، وتحترمها... ومما لا شك من ناحية أخيرة أن هذه الصواريخ قد أدت إلى خسائر في الأرواح والمعدات رغم تكتم الكيان الشديد على ذلك.
وكونت المقاومة "غرفة مشتركة "متكونة من عناصر "حماس" و"الجهاد" و"الشعبية" و"الديمقراطية" لقيادة المعركة، ولتنسيق مختلف عملياتها، وردت على كل هجومات العدو بمثلها، مركزة على غلاف غزة لأسباب متعلقة بالتكتيك الحربي، وقد يكون من ضمن هذه الأسباب منع الصهاينة من التفكير في أي هجوم برّيّ، مع تهديده بالويل إن هو أقدم على ذلك، ويبدو أن العدو فكر فعلا في الأمر، لأنه أعلن من تلقاء نفسه عن تكذيب ما زعم أنه نسب إليه من احتمال قيامه بمثل ذلك الهجوم البريّ... وهذا وحده يدعو إلى التأمل كون غزة تشكل قطعة صغيرة جدا من الأراضي الفلسطينية مساحتها أقل من أربعمائة كيلو مترا مربعا، وتقع على أرض منبسطة لا تضاريس فيها، وهي محاصرة منذ عقد ونصف، فما إحجام العدو عن غزوها بريا إلا لجبن متأصل في عناصره، فهم ظالمون، ويخافون من صولة أصحاب الحق، خاصة وأن عناصرهم سبق أن خبروا الفلسطينيين، في مختلف المواجهات المباشرة، فسقطوا بين أيديهم أسرى وقتلى... وهم يخافون من وقوع هذا مجددا.
ونفّذت المقاومة انطلاقا من غزة ضربات نوعية على غاية الأهمية ب فلسطين المحتلة، كما فعلت نفس الشيء بالمياه البحرية التي يسيطر عليها الأعداء، فمن ذلك إرسال صاروخ "عياش" الذي يبلغ مداه 250 كيلو مترا على مطار رامون، في إشارة واضحة إلى القدرة على التدمير عند الاقتضاء، كإرسال طائرات مسيرة نحو أهداف محددة، والحال أن السيطرة على الجو كانت حكرا على الصهاينة، ولكن لعل أهم هذه الضربات النوعية على الإطلاق هو ضرب حقل "تمارا" للغاز الطبيعي، القريب من عسقلان، أو محاولة ذلك على الأقل (فالروايات مختلفة)، وذلك يوم 12 ماي 2021، بصاروخ من نوع "شهاب"، فهذه الضربة على وجه التخصيص أو هذه المحاولة حتى ولو كانت كذلك، اكتست بذكاء واضح في إدارة الحرب، فقد أوضحت أنه يمكن إخراج حقل الغاز من نطاق الخدمة، والحال أنه الحقل الذي يفي بحاجيات الصهاينة من الغاز من ناحية أولى، كما إنه الحقل الذي تصدّر "إسرائيل" من إنتاجه إلى كل من مصر والأردن من ناحية ثانية، فهو يساهم في دعم التطبيع، فضلا عن أنه من ناحية ثالثة موضوع شراكة بين "الإسرائيليين" والأمريكان بواسطة شركة "شيفرون" العملاقة ( تملك أقل قليلا من 40 بالمائة من الأسهم )، كما به أسهم هامة على ملك العائلة المطبّعة التي تحكم " الإمارات المتحدة "، فهذه الضربة، وحتى إن كانت محاولة فقط، تعدّ ذات بعد استراتيجي، وتدل على أن المقاومة تملك عقلا يفكر في العمق، ويقول للجميع إنه لا بد من قراءة ألف حساب للفلسطينيين، كونهم قادرين على المساس بالمعادلات الاقتصادية الكبرى المتعلقة بالطاقة وربما بالأنابيب التي سيقع توزيع تلك الطاقة بواسطتها.
لم يتوقف الأمر على الجانب العسكري، إذ حققت معادلات الحرب نتائج غير متوقعة، ويبدو أنها لم تكن في حسبان أدق الملاحظين وحتى مراكز الدراسات... بالصفة التي وقعت بها... فلأول مرة هبّ " الكل الفلسطيني" هبة واحدة:
أولا: بالقدس، التي مازال يسوسها... نفاقا... وخاصة فيما يتعلق بمقدساتها قانون دولي يضعها نظريا تحت عهدة العائلة المالكة بالأردن، والتي تحرّك شبابها من تلقاء أنفسهم دفاعا عن الأرض والعرض، راسمين أسمى آيات البطولة والفداء انتصارا لحق أهاليهم بحي الشيخ جراح ودفاعا عن مقدسات شعبهم.
ثانيا: وبغزة، التي تقع تحت سيطرة "حماس "وهي حركة دينية تتبع نظريا جماعة الإخوان المسلمين، ولكنها بصدد مراجعة ذلك الانتماء ولو في حدود، حيث إن هذه الحركة ـ في محاولة منها للخروج من دائرة الصراع السني ـ الشيعي المفتعل امبريالياـ تخلصت نسبيا وفي حدود من قائدها السياسي خالد مشعل الذي تورط نتيجة لهذه التبعية في المواقف المعادية بصورة فاضحة ل سوريا عند وقوع الحرب الكونية الجائرة على هذا البلد بهدف كنتنته وتفتيته، ومدّت ( أي الحركة ) تبعا لذلك يدها إلى محور المقاومة في المنطقة وهو المحور المتشكل من إيران، ومن حزب اللّه بلبنان، ومن سوريا على وجه التخصيص بغاية الحصول على المال وعلى خبرة صناعة السلاح، وحتى على السلاح، إتقانا للمواجهة مع العدو الصهيوني الذي يحاصر غزة بكافة مكوناتها السكانية برا وبحرا وجوا ويحوّل حياة السكان كما سلف القول، إلى جحيم يومي مستمرّ، مشفوع من مرة إلى أخرى بغارات عدوانية تزهق الأرواح البريئة، وتدمر المنشآت العمرانية، وتزيل البنى التحتية القليلة التي أمكن إنجازها...
ثالثا: وبالضفة الغربية، المحكومة نظريا وبمقتضى اتفاقية "أوسلو" من طرف ما يسمى بالسلطة الفلسطينية، وهي سلطة فاقدة لكل مقوماتها، فرئيسها لا يمكنه التنقل بحرية إلى الخارج، هو ومن معه من المساهمين في إدارة شؤون الضفة، إلا بعد حصول أي واحد منهم على رخصة صهيونية مضمنة بوثيقة يشهدون فيها بأنه "شخصية بالغة الأهمية" [فيب]، مع ما تحمله الكلمة من شحنة بغيضة من التمييز بينه وبين باقي المواطنين، أما الحاملون للسلاح هناك فهم بمقتضى بنود التنسيق الأمني لاتفاقية أوسلو مجرد أعوان للمحتل في مراقبة الخلايا التي قد تنشأ لمقاومة اعتداءات الاحتلال الفظيعة، فهم يدُلّون على مختلف التحركات الغاضبة قبل وقوعها أحيانا، ويُقدّمون بعد تنفيذ العمليات الإرشادات حول أصحابها، فهكذا مثلا تمّ سنة 2006 في عهد ياسر عرفات تسليم أحمد سعدات ورفاقه من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذين كانوا محتجزين بسجن أريحا التابع للسلطة، إلى الأعداء ليحكموا في حقهم بأحكام جائرة وغير مشروعة طبعا، بتهمة اغتيالهم يوم 21 أكتوبر 2001 لوزير صهيوني يدعى رحبعام زئيفي في نطاق رد مشروع على اغتيال القائد الجبهاوي أبو علي مصطفى الذي حاول تفعيل اتفاقية أوسلو في اتجاه المقاومة، أي في غير أهدافها المرصودة لها، فكان نصيبه الاغتيال الغادر، علما هنا بأن ياسر عرفات قد انتهى هو الآخر بعد ذلك محاصرا في قصره "الرئاسي"، ثم انتهى شهيدا لا شك في ذلك، بسُمّ غريب هناك من دسّه له في شرابه أو في طعامه، وذلك لأنه رفض التنازل لإيهود باراك ولبيل كلينتون سنة 2000 في كامب دايفيد 2، وبعد تنازلات اتفاقية أوسلو المشؤومة، عن القليل الذي بقي من الحقوق الفلسطينية المسلوبة، وهكذا فإن نهوض سكان الضفة الغربية من وسط كل هذا القمع سواء للزحف نحو المسجد الأقصى لمعاضدة المقدسيين وهم يريدون أداء الصلاة غصبا عن المحتل، أو للمساهمة بنجاح منقطع النظير في "إضراب الكرامة" الشامل الذي تمّ شنه أثناء الحرب من الناقورة إلى أم الرشراش أي من الماء إلى الماء، كإعلان جزء من حاملي السلاح بعد ذلك عند تجمّعهم علنيا في رام اللّه عن رغبتهم في توجيه سلاحهم نحو عدو شعبهم، كلها كانت من الأمور اللافتة للانتباه والتي زعزعت كل موازين القوى السابقة، وأعلنت عن قيام معادلات جديدة سيكون لها مستقبلها حتما.
رابعا: وبالأراضي المحتلة سنة 1948، والتي يطلق الصهاينة على سكانها الفلسطينيين من أصحاب الحق الأصليين، اسم "عرب 1948"، ويجبرونهم على حمل الجنسية الإسرائيلية، جنسية الغاصبين الغزاة، ويُدرّسون اللغة العبرية لأبنائهم، ويُعرّضونهم على مر الأيام إلى عملية غسل دماغ منهجية، عسى أن يُزيّفوا وعيهم، وأن يفقدوهم انتماءهم إلى تاريخهم وإلى شعبهم.
وللتذكير فقط، فإن هؤلاء الفلسطينيين هم الذين كانوا اختفوا في المغاور والكهوف عند قيام العصابات بالمجازر وبإطلاق النار عشوائيا عليهم وعلى أهاليهم بغاية تشريدهم، واحتلال بلداتهم، فلما أفلتوا من محنة التشريد، وخرجوا من تلك المغاور والكهوف، ورضي الغاصبون بالإبقاء عليهم كيد عاملة في أشق الأعمال، كانوا في حدود المائة ألف، وعاشوا حسب عبارة غسان كنفاني مثل "جزر معزولة وسط بحر مصطخب بالعداء"، ولكنهم تكاثروا مع مرور الزمان، وأصبح عددهم يناهز المليوني نسمة أو أقل قليلا، فصارت السلطات الصهيونية تعاملهم كقنبلة ديمغرافية قابلة للانفجار في داخلها، وتعد الخطط لترحيلهم بواسطة الترانسفير، خاصة أنها لم تنسَ تمكنهم ذات 30 مارس /آذار 1976 من تنظيم تحركات جماعية بسخنين وبغيرها من الأماكن المجاورة، احتجاجا على مصادرة آلاف الدونمات من أراضيهم، فتلك هي المناسبة التي ما انفك الأحرار يحيونها بعد وقوعها في كل سنة، تحت مسمى: يوم الأرض، لأنه ارتقى خلالها ستة شهداء.
لم يحسب الصهاينة حسابا لانفجار هؤلاء الفلسطينيين، أول إمكانية اتحادهم مع أهلهم بالضفة والقطاع، أو لانضمامهم فعليا إلى الاحتجاجات، فهم لم يتعودوا منهم في غالب الأحيان إلا الهبوب للدفاع عن الأذى الذي يلحق بهم في مواقع تواجدهم، ولكن هؤلاء الفلسطينيين أمكنهم أن يتداعوا من داخل أوضاعهم الصعبة للتحرك وبقوة تضامنا مع أهاليهم ،وتمكنوا من إخراج مدينة "اللّد" مثلا من تحت سيطرة الأمن الصهيوني لليلة كاملة، وتحملوا ـ بعد إخضاعهم لمنع الجولان ووضع علامات على الحيطان تدل عليهم ـ اقتحام بيوتاتهم من طرف قطعان عتاة الصهاينة المدعومين بجيش الاحتلال، هؤلاء الذين كانوا يتجولون على العكس منهم، بكامل الحرية ليلا، رافعين شعار "الموت للعرب"، ومنكلين كما شاؤوا بمن وقع تحت قبضتهم في تلك الظروف، وهم الآن ـ أي فلسطينيو الداخل ـ وبعد سكوت السلاح، يواجهون برباطة جأش هذه الإجراءات الظالمة لمحاولة محاسبتهم على هبّتهم.
خامسا: وبالشتات... حيث كان للأجيال من الفلسطينيين العائشين بالمخيمات، وبمختلف العواصم العربية والعالمية دورهم في المشاركة، كما في إذكاء الاحتجاجات التي تغذيها الروح القومية بالمدن والعواصم العربية، أو الروح الأممية بالعواصم العالمية، وهي الاحتجاجات التي اندلعت تلقائيا هناك ضد جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، التي يرتكبها الصهاينة بروح إجرامية، وببرودة دم، كأن الصهاينة يعيدون بواسطة هذه الهمجية إنتاج ما استبطنوه من حكايات اضطهادهم في الهولوكوست والشوـ وا، ولكن هم المجرمون هذه المرة، والضحايا هم الفلسطينيون الذين لا ذنب لهم إطلاقا فيما قد يكون وقع ل"صغار اليهود" تاريخيا على أيدي النازيين لما حكموا ألمانيا لفترة محددة من الزمن في أربعينيات القرن العشرين من التقويم المسيحي.
وكان من اللافت للانتباه في هذا النطاق وعلى سبيل المثال، ومن باب رمزية هذا فقط، خروج ما يناهز الخمسة عشر ألفا من المتظاهرين في مدينة شيكاغو الأمريكية وحدها، وأمريكا معروفة بولائها للكيان الصهيوني، كخروج المظاهرات بباريس رغم منع السلطات الماسونية السياسية والقضائية هناك لأي تظاهر لفائدة فلسطين، وقد تحمل المتظاهرون القمع الشديد بدون أن تنثني إرادتهم، كخروج الآلاف المؤلفة بلندرة وحدها، وهي كما يعلم الجميع، عاصمة البلاد التي صدر منها وعد بلفور، وذلك في أضخم مظاهرة عرفتها هذه البلاد في تاريخها نصرة لفلسطين، كخروج مظاهرات في ألمانيا، رغم أن الصهيونية ما انفكت تُحمّل هذه البلاد وزر الهولوكوست، وتشعر الألمان بعقدة الذنب، وتجبر دولتهم ابتزازا لها، على دفع الأموال الطائلة سنويا تكفيرا عن هذا الذّنب القديم... فكل هذا يدلّ على أنه طفح الكيل، وعلى أن هناك أشياء كثيرة تغيرت... فهذه المتغيرات يمكن قراءتها هنا على ثلاثة مستويات:
أولا: على مستوى الكلّ الفلسطيني، وهنا يمكن القول إن الفلسطينيين قد أعادوا بناء الشعور بارتباطهم ببعضهم البعض، كما بانتمائهم إلى أرضهم التاريخية، رغم مضي عقود على احتلالها من طرف الغاصبين، وطردهم هم، منها أو اضطهادهم في الأجزاء الصغيرة التي بقيت في حوزتهم من تلك الأرض، ولكن الباعث على التأمل الشديد هنا هو وعيهم مجددا ومع عودة مثل هذه المشاعر بالانتماء، بضرورة إدراج أي تحرك من تحركاتهم في بوتقة وحيدة هي بوتقة المقاومة، نبذا منهم وإلى للأبد لأوهام التفاوض العبثي التي غذّتها اتفاقية أوسلو، تلك الاتفاقية التي حلمت بمقتضاها البورجوازية الكومبرادورية الفلسطينية بتحويل "غزة ـ أريحا" إلى "هونغ كونغ" آخر بالمشرق العربي، مع إرشاء من يمكن إرشاءهم من الفقراء، لضمان سكوتهم، ولكن هذه البورجوازية العميلة لم تجن من خلال هذا الحلم البائس هذا، ومن ناحية أولى، غير السراب، وذلك لأن أموال المانحين الموعودة بقيت بين أيدي أصحابها، واتضح كذلك أنها كانت مجرد طعم لوّح به أصحابه، وضحكوا به على الذقون، ولأن الصهاينة من ناحية ثانية ـ وكما هو متوقع منهم ـ لم يتخلوا عن حلمهم بإقامة اسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، فواصلوا قضمهم يوميا للأراضي التي استقرت فوقها ما وقع تسميته بالسلطة الفلسطينية، وهي سلطة لا قدرة لها إلا على الفلسطينيين، قمعا لهم إذا ما عارضوا، وحبسا لمستحقاتهم بهدف إخضاعهم، إذا اشتمت منهم عدم الانسجام معها، وتنسيقا أمنيا مع العدو ضدّهم.
وهكذا فقد تحققت.. الوحدة الوطنية المأمولة أخيرا... أثناء هذه الاحتجاجات، ولكن لا كما تبغيها هذه البورجوازية الكومبرادورية من خلال محاولة تلفيق التوافق بين إرادات متنافرة ومصالح متناقضة، بانتخابات مزعومة تتمّ تحت سيطرة الاحتلال، بل من خلال فرز وطني حقيقي وميداني، ظل مرجوّا على الدوام، ففرضته عند النهاية رغبة الصادقين، وخاصة وسط الأجيال الجديدة التي اتضح أنها أجيال لم تنسلخ عن انتمائها إلى تاريخها وإلى أرضها، ولم تنس أنّ فلسطين سُرقت ـ كما كانت تتمنى هذا غولدا مائير، إحدى رئيسات الحكومات الصهيونية ـ وذلك لأن الأمهات الفلسطينيات أرضعن الأبناء حبّ الأوطان مع حليبهن، وأورثن هذه الأجيال بمعية الآباء مفاتيح الديار المسلوبة، وروائح الزيتون والزعتر والبرتقال.
ثانيا: على مستوى القومية العربية، وهنا يمكن القول: إن الوطن العربي قد تعرّض بمناسبة ما سمي باطلا، ب "الربيع العربي" إلى اختراقات ممنهجة سرقت حلم أهله المشروع بالتخلص من الاستبداد ومن ضيقة أسباب الحياة، فسرعان ما أدرجت هذه الاختراقات تحركاته العفوية أحيانا، والموجهة في أغلبها أحيانا أخرى، في المسارب المعدّة سلفا من طرف مراكز الدراسات ( الثينك ـ تانكس)، تحت مسميات مختلفة من طراز "الفوضى الخلاقة" و"الشرق الأوسط الكبير"، و"الشرق الأوسط الجديد"، الموجودة كخطط جاهزة بأدراج المخابرات، والتي تهدف في القرن الواحد والعشرين إلى كنتنة الوطن العربي وتفتيته بعد تجزئته سابقا في بدايات القرن العشرين بمقتضى اتفاقيات سايكس وبيكو، وكل ذلك بهدف الاستئثار بخيراته دائما، وتدمير عمرانه، ونهب آثاره، بواسطة مدّ عصابات الإرهاب التي كوّنوها من الشبان المتحمسين بالسلاح المتطور، وبالمال المتدفق، وبحبوب الهلوسة، وهؤلاء الشباب هم الذي أوهموهم بأنهم سيدافعون عن الإسلام، ولكنهم قدموا لهم جملة من "الاسرائيليات" المدسوسة بعناية في الفقه القديم، بعد أن حينوها بواسطة الوهابية وما شابه ذلك من منظمات التأسلم السياسي، وبدعم من تركيا الأطلسية الحالمة ببناء الخلافة العثمانية من جديد، كي يتمكنوا من إفراغ عقولهم من التفكير، ومن تحويلهم إن كانوا رجالا إلى مرتزقة وإلى وحوش يسفكون الدماء ويأكلون الأكباد، ويحلمون تحت تأثير حبوب الهلوسة بالحور العين في الجنان، فإن كانوا نساء يقع تحويلهن إلى بائعات هوى باسم ما أُطلق عليه تلفيقا، "جهاد النكاح"، (تصوّر أيها التاريخ !!!)، وهذه كلها أمور وُجدـ ويا لحجم الإجرام؟! من يفتي بجوازها، من أمثال يوسف القرضاوي ومحمد العريفي ووجدي غنيم، وأمثالهم من المتاجرين بالدين، والمتدثرين في تونس وفي مصر وفي لبنان... بزائف التقوى.
لقد أدى هذا كله إلى انكفاء كل مجتمع من المجتمعات العربية على إشكاليات وجوده الخاصة، فعمّ الهرج واللغط ،واختلطت المفاهيم الفكرية، وتنامت أسباب الاقتتال الأهلي، وتدهورت مستويات التنمية ، وانتشر الجوع، وكثرت الأمراض التي زادها استفحالا ظهور جائحة الكورونا، فكان من نتائج ذلك كله تدنّي الاهتمام بالقضية الفلسطينية كقضية مركزية، فإذا ما وقع من نهوض شبابي في جوار حي الشيخ الجراح بالقدس، تصديا للمظالم الصهيونية الصارخة والمفضوحة، قد أيقظ الهمم القومية بكل ضراوتها، فهبّت الجماهير في كل المدن ومن كل المداشر بكامل أرجاء الوطن العربي، تضامنا فعالا مع الأهل هناك.
كثيرة كانت مظاهر هذا الهبوب، ولكن ما وقع في اليمن الخاضع للعدوان الرجعي الخليجي الآثم، من خروج الآلاف المؤلفة للاحتجاج هناك رغم كل المآسي التي يعيشونها تقتيلا وتجويعا وتدميرا، كمحاولة الأردنيين واللبنانيين اقتحام الأسلاك والدخول إلى فلسطين المحتلة نصرة للأهل وارتقاء الشاب اللبناني محمد الطّحّان شهيدا في هذا النطاق، وهو يصرخ "يا قدس نحن قادمون"، يمكن تخليدها عن جدارة كلحظات مؤثرة وبليغة، لما تحمله في داخلها من المعاني العميقة، كونها تدل على استرجاع الشباب العربي لجذوة وعيه القومي، فهذا أيضا ما لم يكن ينتظره من خططوا "للربيع العربي" الذي كانت نتائجه في أغلبها في العشرية الماضية لفائدة من خططوا له من إمبرياليين وصهاينة، ولمنفعة من نفذوه من أعوان وعملاء.
ثالثا: على المستوى الأممي، وهنا يمكن القول، إنه طرأ فعلا تحول نوعيّ على الوعي الأممي، لا لأن هذا الوعي كان منعدما قبل هذا، بل لأنه أدرك هذه المرة عنفوانا غير مسبوق؛ لقد كانت هناك على الدوام مظاهر مساندة أممية لقضية فلسطين، كالقيام بمظاهرات ومسيرات ضد كل عدوان، وكالمواظبة على المقاطعة الأكاديمية والتجارية للصهاينة، وكاستشهاد بعض الأمميين نصرة لفلسطين، ولكن وسائل الاتصال الحديثة التي أتقن الشباب الفلسطيني استعمالها بصورة باهرة، قد أظهرت هذه المرة بجلاء ما كان الصهاينة عبر العالم وفي الأزمنة السابقة، ينجحون في إخفائه كليا أو جزئيا، عبر نشاط شبكة جمعياتهم الماسونية، وعبر الأباطيل التي يروجونها من خلال أكاذيبهم الإعلامية بواسطة وسائل الإعلام الجبارة التي توجد إما تحت سيطرتهم المباشرة، وإما تحت نفوذ من باعوا ضمائرهم الصحفية لفائدتهم مقابل المال؛ ولم تنجح العقوبات التي يسلطها المشرفون على وسائل الاتصال على النشطاء والمدونين، في الحد من انتشار الحقائق، لأنه وبواسطة الحيل التي أتقنها الشباب، إفلاتا من تلك العقوبات المتصهينة، أمكن للعالم بأسره أن يشاهد: كيف يريد الصهاينة تشريد 7850 إنسانا فلسطينيا من حي الشيخ الجراح وسرقة بيوتهم المبنية حتى منذ أربعة قرون أحيانا؟ وكيف يتم هدم أبراج ذات طوابق وتسويتها بالأرض بواسطة قنابل محرمة دوليا، والحال أنها أبراج سكنية، أو بها مقرات لوكالات أنباء، ولقنوات إعلامية، وقد أفادت بعض أرقام "الأمم المتحدة" أنه تم تحطيم 285 بناية، و1042 وحدة سكنية، و54 مؤسسة تعليمية، و11 مصحة، و6 مستشفيات، هذا فضلا عن الاستهداف الممنهج لشبكة الكهرباء، ولمنشآت توزيع الماء، لقنوات الصرف الصّحّيّ... إلى غير ذلك من البنى التحتية ،وإلى غير ذلك من الأضرار الأخرى؟ وكيف تم التقتيل ببرودة دم، وبروح إجرامية منقطعة النظير ل 242 شخصا من المدنيين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بعمليات القتال، ومن ضمنهم 66 طفلا ورضيعا، يا للهول! و38 سيدة، وبعض الطاعنين في السّنّ من الجنسين، فكل هؤلاء ما ذنبهم؟ لولا الحقد الأعمى للصهاينة! فهكذا تساءل الضمير العالمي هذه المرة.
لقد كانت هذه كلها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة توثيقا كاملا، وقد كان الصهاينة يأملون في إخفائها إما كليا أو جزئيا، إفلاتا من العقاب، أو إفلاتا على الأقل من استنكار الضمير العالمي لها... ولكن كل الإنسانية كانت هذه المرة شاهدة على كامل فظاعتها دون أن تنطلي أكاذيب الصهاينة على الناس، ودون أن يقع تصديق مزاعمهم القائلة إنهم كانوا فقط يقتلون العناصر الإرهابية المسلحة أو يدمرون الأنفاق.
لقد حافظت المقاومة بعد انتهاء هذه المواجهة ـ الذي تم بطلب بل بإلحاح من العدوـ على سلاحها، وعلى أغلب قياداتها وكوادرها، كما حافظت على الالتفاف حولها من طرف حاضنتها الشعبية في الكل الفلسطيني، وهذا هو المكسب الأكثر أهمية، في حين لحقت الهزيمة عسكريا بالجيش الصهيوني الذي يعتبر في المراتب المتقدمة في ترتيب الجيوش من حيث القوة عالميا، ولحق الذل معنويا بساكنة الكيان الغاصب من الصهاينة، وتفرّج العالم كله باستنكار شديد على الإجرام العنصري المتوحش الذي يسكن دواخل من يسمون كيانهم قلعة الديمقراطية والحضارة داخل المحيط العربي المستبد والمتخلف، وتسرب التململ حتى إلى العلاقات بين المركز الامبريالي المتصهين الذي يديره في هذه الأيام في واجهته الأمامية الرئيس الأمريكي جو بايدن، وبين وكلاء هذا المركز بالمنطقة العربية والذين يمثلهم بنيامين ناتنياهو ومن معه ممن يديرون شؤون الكيان، وعاد البريق إلى القضية الفلسطينية كقضية عادلة لدى أهلها أولا، وذلك بعودة روح المقاومة لديهم على حساب التفاوض والانبطاح، ولدى أبناء القومية العربية ثانيا، وذلك بتوجيه طعنة ثابتة إلى مذلّة التطبيع الذي تقدم عيه الأنظمة العميلة، ولدى سكان المعمورة بأسرها ثالثا، وذلك بالانكشاف الواسع للبهتان الصهيوني... إلى حد أن رئيس بلدية دبلن عاصمة إيرلندا قد رفع علم فلسطين إلى جانب علم بلاده فوق القصر البلدي هناك... وإلى حد أن البرلمان الإيرلندي قد أصدر تشريعا يصف "إسرائيل" بأنها دولة احتلال، ما يفتح الباب لعدم الاعتراف بها، وإلى حد أن نائبتين من الحزب الديمقراطي الأمريكي تمثلان طبعا من انتخبهما، هما رشيدة طاليب وإلهان عمر، قد طالبتا جهرا أمام كل أعضاء الكونغرس مجتمعين بإدانة جرائم الكيان، وهو أمر غير معتاد، خاصة وأن الأولى منهما اعتمرت بالمناسبة كوفية فلسطين، وما بقي إلا أن تعليها، وإلى حد أن جريدة النيوـ يورك تايمز قد نشرت يوم 28ماي /أيار 2021 تعاطفا منها، وفي واقعة غير مسبوقة، بصفحتها الأولى وتحت عنوان: "لقد كانوا مجرد أطفال" صورا حقيقية لعشرات الأطفال الذين استشهدوا بفعل الهمجية الصهيونية، وإلى حد أن يهودا من الجيل الشبابي قد شاركوا في المظاهرات المدينة للعدوان أمام البيت الأبيض الأمريكي، إلى جانب المتعودين على ذلك من طائفة ناطورا كارطا، وإلى حد أن مئير داغان الرئيس العاشر للموساد، وهو الذي طالما رفع شعار: "انهض، وبادئ بالقتل"، قد صرّح منذ أيام أمام القناة الثانية العبرية بأنه أصبح يستشعر وجود خطر... ألا وهو خطر زوال الحلم الصهيوني... هذا الحلم ولئن كان حلما بائسا لمن حملوه من اليهود الصهاينة الذين عملوا منذ مؤتمر بازل سنة 1897على فرضه على وعي بقية اليهود، فإنه كان بدون شك حلما كابوسيا مرعبا للإنسانية جمعاء نتيجة الحروب المتتالية والكارثية المنجرة عنه... وقد آن الأوان حقا لكي يبدأ في الزوال...فهذا هو الحق ... بل إنه يمكن القول هنا وبدرجة لا بأس بها من الوثوق: إن كل هذا الذي وقع، في الأيام من شهر ماي / أيار 2021 الواقعة في شهر الصيام، والشاملة لأيام عيد الفطر، والسابقة قليلا ليوم ذكرى النصر اللبناني على الكيان الصهيوني في 25 أيار 2000، رغم أن الأمر يتعلق بالنجاح في معركة فقط، وليس بالنجاح في عموم الحرب، حتى نحافظ على نسبية الأمور، وبشرط أن يقع استغلال هذا الذي وقع بذكاء وبالكيفية السليمة والصحيحة، فهذا هو الشرط، قد رسم الطريق بوضوح، ودلّ جدّيّا على كيفية إزالة هذا الظلم الصهيوني بصفة نهائية في مستقبل الزمان... وفي أمد من المرجو لفائدة انتصار الحقّ، ولصالح الإنسانية جمعاء... أن لا يكون بعيدا.

