Menu

انتداب بريطانيا: نكبة فلسطين

كاظم الموسوي

نُشر هذا المقال في العدد 26 من مجلة الهدف الإلكترونية

مر ما يقارب قرن من الزمن على ما نتناوله الآن، حيث أصبحت الوقائع واضحة لمن لديه بصر وبصيرة، رغم كل ما جرى وعُمل عليه من مخططات تضليل وتشويه وتحريف وانكار، أي تحول ما حدث إلى حقائق وأدلة كافية للمحاكمة؛ قانونيًا وأخلاقيًا وسياسيًا وإنسانيًا؛ دعمًا لعدالة القضية وحقوق الشعب التاريخية.

طبيعي؛ لعب دور العلاقة بين بريطانيا والحركة الصهيونية، وممارساتهما العملية على الأرض؛ عامل إثبات للأدلة التاريخية وتأكيد وثائقها المعترف بها، من كل الأطراف، بما فيها بريطانيا والحركة الصهيونية؛ منذ جريمة سايكس بيكو، عام 1916 وتقسيم المشرق العربي ومشاريع الهيمنة الإمبريالية عليه، وتواصل هذا الدور بما سمي إعلانًا "وعد بلفور" الذي صدر في الثاني من تشرين ثاني/ نوفمبر 1917. ومن خلال مجريات عامين آنذاك؛ توضح دور بريطانيا في تنفيذ المشروع الصهيوني، عبر سلسلة من الإجراءات التي وضعت مقدمات نكبة فلسطين؛ شعبًا ووطنًا، أي أنها وضعت مشروع "وعد بلفور" موضع التطبيق، والتزمت بمفرداته المعدودة، والتي عبرت عن نهج وسياسة استعمارية وخطط تدمير المنطقة ومشاريع أبعد منها. تجسد ذلك في عدة خطوات قامت بريطانيا بها، ويمكن اختصارها في المراحل والعمليات المتتابعة، أو المتوازية فعليًا، بدأتها بتشكيل إدارة تنفيذية؛ ترأسها المندوب السامي البريطاني اليهودي الصهيوني "هربرت صموئيل" الذي "بدأ ممارسة سلطاته عبر إصدار سلسلة من القرارات الداعمة لتنفيذ المشروع الصهيوني، وكان في طليعتها الاعتراف بالمؤسسات الصهيونية، وعلنيّة نشاطها في فلسطين، والاعتراف باللغة العبريّة كلغة رسميّة في فلسطين. وعلى صعيد الأرض؛ أصدر صموئيل أمرًا بتأسيس دائرة جديدة للأراضي، وعيّن اليهودي الصهيوني نورمان بنتويش، رئيسًا لها"، ومعروف دوره في إصدار قانون انتقال الأراضي لعام 1920، وتوسيع السيطرة اليهودية على الأرض، ودعم خطط تهجير الجاليات اليهودية إلى فلسطين؛ بموازاة خطط التطهير العرقي للشعب الفلسطيني؛ بضغوط القوات العسكرية البريطانية ومجازر العصابات الصهيونية.

دور بريطانيا العملي في النكبة الفلسطينية؛ تم على ما أكدته السياسات الإمبراطورية في ارتباطها الكامل بالمخططات الصهيونية المتخادمة مع المشاريع الاستعمارية، في:

 1- إصدار "وعد بلفور" والعمل والمشاركة والموافقة على صياغات صك الانتداب.

2- تخطيط الهجرة اليهودية ونقلها إلى أرض فلسطين.

3- تدريب المنظمات الإرهابية الصهيونية وتسليحها وتشكيلها عسكريا ودعم إرهابها في فلسطين.

4- قمع المقاومة العربية، والانتفاضات والثورات، وممارسة التطهير العرقي بمختلف الأساليب للشعب الفلسطيني.

5- الانسحاب المفاجئ من فلسطين وتسليم الأرض لعصابات الصهاينة وتنفيذ خطة الأمم المتحدة؛ بغطاء تقسيم الأرض وانتهاك القوانين، وحرمان العرب من أية حقوق لهم.

هذه الخطايا التي مورست من قبل الانتداب البريطاني؛ دفعت صحيفة الغارديان البريطانية في مراجعتها خلال احتفالها بمرور قرنين على صدورها، وتحت عنوان الأخطاء التي ارتكبتها خلال مسيرتها؛ موقفها من وعد بلفور وانحيازها الصهيوني وانتهاءً بأن الكيان الحالي ليس ما توقعته ولا ما تريده، وهذه خطوة شجاعة لصحيفة بريطانية من حدث تاريخي؛ تحمل تداعيات أخرى عن محاكمة السياسة والدور الإجرامي للسياسات والحكومات البريطانية.

والعمل الأكبر للدور البريطاني في فلسطين هو في استعمار فلسطين ومن ثم الانتداب وتضمين وعد بلفور في صك الانتداب الذي أعلنت عصبة الأمم مشروع الانتداب البريطاني على فلسطين بتاريخ 6 تموز/ يوليو 1921، وصودق عليه في 24 تموز/ يوليو 1922، ووضع موضع التنفيذ في 29 أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، وحرص محرروه في النص على أنه كتب بناء على وعد وزير خارجية بريطانيا جيمس بلفور عام 1917؛ بإنشاء "وطن قومي لليهود" في فلسطين، واستمرارًا لخطة بريطانيا وهدفها من وعد بلفور، وقامت بتنفيذه، مع الإشارة لحقوق السكان غير اليهود، وكرست بنود ومواد الصك سياسات الحكومة البريطانية ودورها في النكبة الفلسطينية، وواقعيًا فضحت مخططات الإمبراطورية ومواقفها من المنطقة وشعوبها.

في كتاب حاييم وايزمان؛ رئيس المنظمة الصهيونية "التجربة والخطأ"؛ اعتراف بالدور والخطط: "عدت إلى لندن في خريف سنة 1921، وكان الغرض من رجوعي أنني دعيت إلى لندن لأشرف على كتابة مشروع وثيقة الانتداب البريطاني في فلسطين، وكان يجب أن تعرض هذه المسودة على عصبة الأمم لتصدر بها قرارًا، وكان لورد كيرزون قد تولى وزارة الخارجية البريطانية، بعد لورد بلفور، وكان هو المسؤول عن وضع مشروع الوثيقة، وكتبنا نحن في مشروع الوثيقة عبارة أردنا بها أن نقيد بريطانيا بوعد بلفور، وبأن تكون خطتها في فلسطين قائمة على أساس الوطن القومي لليهود، وكان نص العبارة التي كتبناها نحن «والاعتراف بحقوق اليهود التاريخية في فلسطين».. وقال كيرزون أنه يقترح تخفيف العبارة حتى لا يهيج العرب عند قراءتها، وأنه يرى أن تكون كما يلي: «والاعتراف بصلات اليهود وعلاقتهم التاريخية في فلسطين»! وخلال أكثر من عقدين ونصف عقد من زمن الانتداب وفقرات من عهد عصبة الأمم وبنود اتفاقيات دولية ومواد صك الانتداب؛ عملت الحكومة البريطانية بكل جهودها وقدراتها على صناعة نكبة فلسطين.

 عُرف صك الانتداب، كخارطة طريق لدولة الانتداب؛ ابتداء من ديباجته التي اكدت بأن الدولة المنتدبة؛ بريطانيا؛ ملتزمة بتنفيذ وعد بلفور، في العمل على إنشاء "وطن قومي لليهود" في فلسطين، واعتراف بما اعتبر صلة تاريخية تربط اليهود بأرض فلسطين، وبالأسباب التي تبعث على إعادة إنشاء وطن قومي فيها. وكل مواده الثمانية والعشرين؛ أعطت للدولة المنتدبة كل شروط الاحتلال والاستعمار لفلسطين، وما خطط له وما قامت به الدولة المنتدبة عمليًا. ففي المادة الأولى: قدم السلطة التامة في التشريع والإدارة، باستثناء ما يكون قد قيد في نصوص هذا الصك. وفي المادة الثانية: تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي، وفقًا لما جاء بيانه في ديباجة هذا الصك وترقية مؤسسات الحكم الذاتي، وتكون مسؤولة أيضًا عن صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين؛ بقطع النظر عن الجنس والدين. أما في المادة الرابعة: فقد كشف مغزاها ما تم تنفيذه واعترافه بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين، ولتساعد وتشترك في ترقية البلاد، على أن يكون ذلك خاضعا دوما لمراقبة الإدارة. وفي هذا الاعتراف؛ بالوكالة الصهيونية كوكالة ملائمة؛ أسست الدولة المنتدبة؛ قاعدة الكيان الصهيوني.. وترى، حسب النص، أن تأليفها ودستورها يجعلانها صالحة ولائقة لهذا الغرض الذي يوفر ما يلزم من التدابير بعد استشارة حكومة صاحب الجلالة البريطانية للحصول على معونة جميع اليهود الذين يبغون المساعدة في إنشاء الوطن اليهودي. وكل ما جاء في المواد الأخرى كشف الهدف الرئيسي من صك الانتداب؛ فمثلًا جاء في المادة السادسة: على إدارة فلسطين -مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع فئات الأهالي الأخرى- أن تسهل هجرة اليهود في أحوال ملائمة، وأن تشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية المشار إليها في المادة الرابعة؛ حشد اليهود في الأراضي الأميرية والأراضي الموات غير المطلوبة للمقاصد العمومية.

ولمعرفة خبث السلطات الاستعمارية وضعت المادة الرابعة والعشرون: تقدم الدولة المنتدبة إلى عصبة الأمم؛ تقريرًا سنويًا بصورة تقنع المجلس؛ يتناول التدابير التي اتخذت أثناء تلك السنة لتنفيذ نصوص الانتداب، وترسَل نسخ من جميع الأنظمة والقوانين التي تسن أو تصدر أثناء تلك السنة مع التقرير. وكذلك المادة الخامسة والعشرون: يحق للدولة المنتدبة بموافقة مجلس عصبة الأمم أن ترجئ أو توقف تطبيق ما تراه من هذه النصوص غير قابل للتطبيق على المنطقة الواقعة ما بين نهر الأردن والحد الشرقي لفلسطين، كما سيعين فيما بعد بالنسبة للأحوال المحلية السائدة في تلك المنطقة، وأن تتخذ ما تراه ملائمًا من التدابير لإدارة تلك المنطقة، وفقًا لأحوالها المحلية بشرط ألا يؤتي بعمل لا يتفق مع أحكام المواد 15، 16، 18.

وتختم المادة الثامنة والعشرون: في حالة انتهاء الانتداب الممنوح للدولة المنتدبة؛ بموجب هذا الصك؛ يتخذ مجلس عصبة الأمم ما يراه ضروريًا من التدابير لصون استمرار الحقوق المؤمنة؛ بموجب المادتين 13 و14 على الدوام لضمان العصبة، ويستعمل نفوذه لأن يكفل بضمان الجمعية احترام حكومة فلسطين للالتزامات المالية التي تحملتها إدارة فلسطين بصورة مشروعة في عهد الانتداب احترامًا تامًا، وفي جملة ذلك حقوق الموظفين في رواتب التقاعد أو المكافآت.

عمليًا؛ نفذت الدولة المنتدبة مواد الصك وزادتها في قمع السكان العرب والضغط عليهم بممارسة التطهير العرقي المنظم، بكل الوسائل والأعمال الإجرامية؛ برز ذلك في تسمين المنظمات الصهيونية عسكريًا وتجهيزها لوجستيًا وتدريبها في معسكرات الجيش البريطاني وعلى يد القوات البريطانية، مثل: “هاغاناه” و”اشتيرن” و”آرغون”، ورغم أنها كانت غير قانونية، فإن البريطانيين اعتمدوا عليها عند القيام بعمليات نصب الكمائن ضد الثوار والمقاومة الفلسطينية. كما "قدمت الهاغاناه الآلاف من الرجال الذين انضموا إلى قوة الشرطة الموازية “بدوام جزئي” التي جمعها البريطانيون أثناء محاولتهم سحق الثورة الفلسطينية. وتم جلب قادة الهاغاناة إلى “فرق ليلية خاصة” بقيادة أوردي وينجيت؛ الضابط البريطاني المعروف بعنفه بشكل خاص". ورغم كونه "شخصًا غريب الأطوار تمتع بدعم من رؤسائه في فترة حرجة- وساعد في تشكيل تكتيكات وفكر الرجال الذين قاموا بتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم قسرًا وطردهم من ديارهم"!

 حين صدر وعد بلفور؛ كان تعداد اليهود في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان، و"أصدرت الحكومة البريطانية أوامرها إلى الإدارة العسكرية البريطانية الحاكمة في فلسطين، أن تطيع أوامر اللجنة اليهودية التي وصلت إلى فلسطين في ذلك الوقت برئاسة حاييم وايزمن، وعملت على تحويل قوافل المهاجرين اليهود القادمين من روسيا وأوروبا الشرقية إلى فلسطين، ووفرت الحماية والمساعدة اللازمتين لهم"، باستمرار من خلال الإدارة البريطانية المنتدبة.

 وأخيراً؛ كان الانسحاب البريطاني من فلسطين، قبل شهر من موعده المقرر؛ مفاجئًا بالنسبة للعرب، حيث أنهت بريطانيا انتدابها في 14 أيار/ مايو 1948، وانسحبت ولم تعطِ للفلسطينيين أية فرصة حتى آخر لحظة، لأن يمتلكوا أية مقومات للدفاع عن أنفسهم، بينما كانت قد انسحبت من المناطق اليهودية قبل ستة شهور؛ تاركة للصهاينة الكثير من السلاح والعتاد ومعسكرات الجيش البريطاني بكل تجهيزاتها، وبالتالي بريطانيا تتحمّل المسؤولية الكاملة؛ سياسيًا وتاريخيًا وأخلاقيًا وقانونيًا، عن المحرقة الحقيقية والنكبة الشاملة التي حلت بالشعب العربي الفلسطيني وما زال يعيشها حتى اليوم.

* ينظر للمصادر من محرك البحث "جوجل" بعنوان المقال، من دراسات وترجمات.