Menu

تقرير عن المعركة: البحث عن صورة النصر

أحمد مصطفى جابر

نشر في العدد 26 من مجلة الهدف الرقمية

لا أعرف مدى مصداقية القصة التي تقول أن بن غوريون، قام بعد توقيع ما يسمى "وثيقة الاستقلال" برفع القلم الذي وقع به، هو وبعض زملائه، كتعبير رمزي عن إنجاز المهمة؛ بغض النظر عن صحة الواقعة في متحف تل أبيب، إلا أن سياقها يبقى صحيحًا، وذلك القلم الذي سكب حبره على تلك الورقة، لم يكن سوى بندقية الهاغاناة وبلطة البالماخ التي قتلت الفلسطينيين وسحقت مجتمعهم، ودمرت حيواتهم؛ قتلًا وتشريدًا أو اعتقالًا في إطار الدولة الوليدة.

كان ديفيد بن غوريون قد صادق وزملاءه يومها على نهاية مرحلة؛ مسدلين الستار الثقيل على فلسطين والفلسطينيين وتاريخهم، فمنهم من قتل ومنهم من بقي حيًا، ولكن إما مطرودًا ومنفيًا في مخيمات اللجوء، على أمل أن تسحقهم الأيام موتًا ونسيانًا على ما ذهبت إليه، غولدا مائير التي كانت من الموقعين على تلك الوثيقة يومها. ومن الفلسطينيين من بقي تحت الإدارة المصرية أو الحكم ثم الضم الأردني، ليصبحوا فيما بعد "سكان المناطق" أو بقوا في أرضهم داخل الدولة الوليدة لأن خطأ بيروقراطيًا تسبب في عدم طردهم، وبالتالي صار اسمهم "عرب إسرائيل" الذين يجب على الدولة أن تتداركهم كخطأ في سياق تأسيسها، عبر طريقين: عام؛ بوضعهم تحت الحكم العسكري الجائر الذي شمل الجغرافيا والديمغرافيا، وخاص؛ بترك باب موارب للأسرلة ولمن أراد الالتحاق بالمشروع الصهيوني كـ"زنجي منزل" على الأكثر، لا يمكنه أن يكون شريك في المشروع، ولكن يمكنه أن يخدم فيه، سواء في الكنيست أو كجندي يقمع أهله على بوابات المسجد الأقصى لا فرق.

وعبر 73 عامًا مرت الكثير من المياه في نهر المصير الفلسطيني والصهيوني سواء، كمصيرين متشابكين؛ متنافيين، وكان كل صعود للمشروع الصهيوني هو هبوط للمشروع الفلسطيني، وكلما سطعت الشمس على "إسرائيل" كان هذا يعني إنها تغرب عن فلسطين. لم تخلُ هذه السنوات سواء في عواصم الغرب الداعم والحاضن للدولة الصهيونية، باعتبارها مخفرًا متقدمًا للغرب المتمدن في وجه الشرق المتوحش، أو في العواصم العربية المتساوقة مع المشروع الصهيوني كخدم للإمبريالية وحفاظًا على عروشهم، من مراهنة على صمت الفلسطينيين وأمل باستسلامهم وقد انتظروا بصبر موتهم ليعيدوا رسم الخريطة من دون هذا العنصر الفلسطيني المزعج. ولوقت من الأوقات؛ يغرق الفلسطيني في بئر اليأس والخذلان والهزيمة، ويكاد للحظة؛ لحظة واحدة فقط؛ يكف عن المقاومة أو يفكر في التنحي، كفرد، ولكن سرعان ما تتلقفه قبضة الشعب العملاقة، وإرادته التي لا تلين، وكأنما الشعب، هذا الكائن العملاق الغامض، غير المحدد يستعيد دائمًا أبناءه كأفراد وجماعات إلى طريقه المستقيم؛ يحدث هذا في لحظة تاريخية؛ من نهوض الفينيق بعد احتراق مؤلم؛ يكاد يتكرر كل يوم. هذه المرة كانت شرارة اشتعال الفينيق، قد أتت من بعض المنازل في حي يكاد يكون غير معروف لعامة الناس؛ خارج السور؛ حي قديم منذ تحرير القدس على يد الناصر صلاح الدين فيه مقام اعتقد الناس إنه لولي من أولياء الله الصالحين، ثم اكتشفوا إنه لطبيب مجاهد يدعى حسام الدين الجراحي؛ فلم يخطئوا التبرك به، وهل ثمة أولياء صالحين خير وأكثر بركة من المجاهدين؟

تلك البيوت في حي الشيخ جراح؛ المجاهد الطبيب الذي صار وليًا وشيخًا مباركًا، كان لها القدرة على إشعال الشرارة التي امتدت لتحيي شعبًا كاملًا؛ أريد له أن يموت في طين المخيمات أو يتأسرل أو يغرق في بحر غزة أو يتحول إلى حارس للمُحتل في الضفة؛ شعب خرج إلى الشارع متحديًا قبضة المحتل الفاشي وعواصم الغرب الداعمة له بقضها وقضيضها؛ خرج بحجارته وأعلامه ومولوتوفه وبنادقه وصواريخه وأيضًا بهتافه المبحوح، لأنه كما يقال إن العاقل هو من يختار معركته، ولكن الشجاع هو الذي لا يهرب من معركة، وكان شعبنا في هذه الجولة؛ عاقلًا وشجاعًا، وقيضت له مقاومة باسلة في غزة؛ عاقلة وشجاعة وصادقة، وقيض لهذه المقاومة حاضنة شعبية؛ صامدة مضحية؛ مركزها شعبنا في غزة وامتدت إلى كل شوارع فلسطين جغرافيا وإلى كل فلسطيني ديمغرافيا، ولولا هذا؛ لولا المقاومة الباسلة في غزة، لانتهت قضية الشيخ جراح والمسجد الأقصى في عتمة ليل ولأسدل ستار من العتمة والتضليل والصمت على الحي وسكانه وعلى اقتحام المسجد تحت ثقل "العقب الحديدية" للمحتل المسلح بأفضل ما توصل إليه الغرب "المتمدن" من عتاد قاتل، كيف لا وهذا الجندي الصهيوني هو الممثل الشرعي لهذا الغرب ودرة تاج مشروعه الاستعماري؟

منذ سنوات تسعى "إسرائيل" لإعلان نصرها النهائي على الفلسطينيين، حتى أن هناك لجنة خاصة، بل مساع لتنسيق ذلك مع الكونغرس الأمريكي، وقد بدأ هذا المسار يتقوى تحديدًا بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتراف إدارته بالقدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، ثم مع صفقة القرن، وموجة التطبيع المشين؛ صار العدو يظن أنه قد تم له فعلًا ما أراد، ولم يبقَ إلا دفن الفلسطينيين، ليتم الأمر وربما يكون نتنياهو قد فكر فعلًا بالصعود فوق القبة الرصاصية للمسجد الأقصى والتلويح بعلمه، ليعطي الإشارة ببناء هيكل الصهيونية الذي لا يتخذ معنى دينيًا بقدر ما هو سياسي، حيث ينتصر رأس الحربة الغربية؛ المخفر المتغول في الشرق العربي؛ رمح الحداثة الغربية المستعمرة، وذلك لن يكون نهاية الفلسطينيين فحسب، بل نهاية أمل البشرية في إمكان المقاومة والنهوض مجددًا، ومن حسن حظ البشرية أن هذا الشعب قرر أن يقاتل، ومن حسن حظ هذا الشعب أن لديه مقاومة قررت ألا تخذله، لأنها في الواقع لا تستطيع خذلانه، لأنه بقدر ما يستمد شعبنا طاقته وصموده وإرادة قتاله وفخره من هذه المقاومة وصمودها واستقامتها، فإنه يمنحها أيضًا شرعيته ويظلل عليها بدفء احتضانها والإيمان بها.

على ماذا انتصرنا في هذه المعركة؟

يبدو هذا السؤال غريبًا بعض الشيء، وربما يفهمه البعض تشكيكيًا أو ربما هو نوع من الأسئلة اللزجة التي لا يمكن الإمساك بجواب عليها، ولكن الحقيقة أو ما يراه كاتب هذا النص، غير ذلك؛ إذ أن السؤال سهل وإجابته واضحة يمكن تبسيطها ويمكن تحويلها إلى بنود تفصيلية، وسأقوم بالأمرين معًا. ويجب لفت النظر أنني أكتب هنا انطلاقًا من يقين النصر والثقة بالمقاومة وما قالته وما حققته، ولست معنيًا على الإطلاق بالخوض في أقاويل المرجفين أو الرد على مزاعم من لا يثق بالمقاومة، دون أن أقول من يعاديها، ولكن هناك نقطتين يجب قولهما في هذا السياق: الأولى تتعلق بعدد الضحايا؛ فمن الثابت أن الشعوب المقهورة دفعت ثمنًا باهظًا في حروبها من أجل الحرية؛ فلنتذكر فيتنام والجزائر والهند وجنوب إفريقيا، وهذا لا يقلل أبدًا من قيمة انتصارها. ولنتذكر أن دول الحلفاء والاتحاد السوفييتي خسروا 83% من ضحايا الحرب الثانية، بينما خسرت دول المحور 13% وهذا لا يقلل من قيمة استسلام الرايخ ستاغ في النهاية.

النقطة الثانية تتعلق بحجم التدمير والقدرة على الصمود، في حالة غزة التي يعتبر مستواها الطبغرافي العسكري صفرًا، بالمقارنة مع جنوب لبنان مثلًا، إضافة إلى حصارها وضعف إمدادها، وبالتالي فإن القدرة على الصمود هي عنصر أساسي من عناصر النصر.

في التبسيط؛ لم ننهزم أمام رابع أعتى قوة عسكرية في العالم، ولا أتحدث عن نسبية قوة الجيش مع عدد السكان، بل أتحدث عن القوة التسليحية الحقيقية للكيان الصهيوني، ومكانته العالمية، حيث يحتل المرتبة الخامسة في القوة بين جيوش الشرق الأوسط، والعشرين عالميا، بـ 643 ألف جندي بينهم 465 ألفًا في الاحتياط، ويملك 595 طائرة حربية منها 241 مقاتلة؛ تشمل أحدث نظم القتال في العالم، و128 مروحية منها 48 هجومية، و1650 دبابة و7500 مدرعة، و650 مدفع ذاتي الحركة ز300 مدفع ميداني و100 راجمة صواريخ. يضاف إليها 65 قطعة بحرية من بينها 4 كورفيتات (فرقاطات) وخمس غواصات و48 سفينة دورية وزوارق حراسة غير محددة؛ دون الحديث عن الأسلحة الدفاعية مثل منظومات الصواريخ المختلفة الاعتراضية وأهمها في هذه المعركة القبة الحديدية.

القوة التي دخلت في صراع مسلح مع مقاطعة ضيقة مكتظة السكان؛ فقيرة ومحاصرة منذ سنوات طويلة، لا تملك من السلاح إلا صواريخ محلية الصنع، تم تجهيزها في ورش بدائية وهذا لا يقلل من قيمتها لأن الصواريخ التي أنتجت في هذه المشاغل، هي التي سحقت عسقلان ودكت تل أبيب. هل صورة النصر التبسيطية هذه مقبولة، لنتحدث بالتفاصيل أكثر؟

هزيمة العقيدة الأمنية الصهيونية

لم تتغير عقيدة الأمن الصهيونية منذ خطها بن غوريون، رغم أنه دار الكثير من الحديث في الكيان الصهيوني في العقد الأخير حول ضرورة إعادة صياغتها وتطويرها إلا أن شيئًا رسميًا من هذا القبيل لم يصدر؛ ما عدا أوراق أمنية فسرت ولم تغير. وترتكز العقيدة الأمنية على خمس عناصر، لم يتم تغييرها، هي تعزيز قوة الردع أولًا، ونقل المعركة في أقرب وقت ممكن إلى أرض العدو وإنهائها بسرعة، ولكن عن طريق إجبار الخصم على طلب الإنهاء ثانيًا، وثالثًا تدمير قوات العدو العسكرية وقدراته، ورابعًا هجوم استباقي في حال التأكد من خطر وشيك، وخامسًا سلاح نووي كخيار أخير، هذه هي العناصر التي تقوم عليها عقيدة الأمن القومي الصهيوني، والتي كما ذكرنا صاغها بن غوريون، وما زال معمولًا بها؛ فلنتفحصها – ما عدا البند النووي؛ فلسنا معنيين به- في سياق معركة سيف القدس أو كما سماها العدو "حارس الجدران"، ولهذا الاسم دلالة عميقة سواء في محاولة العدو إيهام العالم أنه يخوض معركة دفاعية أو من ناحية اعترافه الضمني؛ بعجزه عن شن هجوم على غزة.

بالعودة إلى نظرية الأمن؛ نجد أن الجيش الصهيوني؛ فشل فشلًا ذريعًا بدءًا من حر 2014 في تحقيق عنصر الردع ضد المقاومة الفلسطينية رغم هول العدوان وحصار غزة وتجفيف موارد المقاومة؛ جاءت معركة سيف القدس لتسلط الضوء على حقيقة عجز العدو وفشله في تحقيق النقطة المركزية في عقيدته الأمنية، فلم يكن الأمر مجرد استمرار إصرار غزة ومقاومتها على الوقوف في وجه العدة، بل أيضًا تعزيز قدرتها الهجومية وعدم قدرة العدو على كبح هذه القدرة أو منع الهجوم، وهذا قودنا إلى النقطة التالية، حيث أن العدو وإن نجح في تغطية غزة بالنيران من مقاتلاته الحربية، ولكن يمكن القول أيضًا أن هذا كان في حالة تعادل مع المقاومة التي غطت بصواريخها وقوسها الناري معظم أراضي فلسطين التاريخية شمالًا وجنوبًا، وبالتالي لا يمكن يقينًا الادعاء بأن العدو نقل المعركة على أرض غزة، مع نسبية كثافة النيران؛ بمقدار ما نجحت المقاومة بنقل المعركة إلى مدن العدو ومستعمراته، وكذلك تمكن شعبنا من نقل المعركة إلى قلب الجبهة الداخلية الصهيونية، حيث وجد العدو نفسه أمام جبهة الانتفاض الشعبي أيضًا، خصوصًا في الداخل المحتل.

النقطة الثالثة، رغم إعلاناته المتكررة التي بدأ بالتراجع عنها تدريجيًا؛ فشل العدو في تدمير القدرة العسكرية للمقاومة وهو ما أثبته 11 يومًا من القتال وبالذات الساعتين الأخيرتين، اللتين غطت فيهما طائراته سماء غزة بانتظار بدء وقف إطلاق النار، وكانت الأوامر للطيارين بقصف غزة بقسوة إذا قصفت تل أبيب، وكان رد المقاومة أنها جاهزة لقصف تل أبيب عند ارتكاب العدو أي مغامرة غادرة كعادته، وكما فعل عام 2014، وفي نفس الوقت واصلت المقاومة؛ دك المستعمرات حول غزة، وهو الأمر الذي أثار ذعًرا وارتباكًا استيطانيًا وسياسيًا، بأن تل أبيب خضعت لمعادلة القصف المتبادل بغض النظر عن مصير المستوطنات؛ فلم يتمكن العدو لا من تدمير القدرة العسكرية للمقاومة، سواء القوة الصاروخية أو كتائب المشاة، ولا تمكنت من إجبار المقاومة على طلب الهدنة، وهي التي حذرت العدو من استعدادها لمواصلة القصف بدون تردد، وبدأت عواصم الغرب تضغط على تل أبيب لوقف النار لأن الإهانة التي لحقت بالكيان هي إهانة لحقت بكل المعسكر الغربي الاستعماري.

النقطة الرابعة، يرتبط فشل العدو في الردع، بفشله في تحقيق حربه الاستباقية، رغم إنه صدع رأس العالم بالحديث عن صواريخ غزة وخطرها، ورغم أن غزة لم تخفِ عمومًا قدرتها الصاروخية، وكانت المقاومة دائمة التحذير للعدو من التمادي في عدوانه؛ ففشل العدو في توقع الهجوم وفي صده بعد أن فشل في ردعه واستباقه، هذا عن الفشل الاستراتيجي؛ نظريا والذي تجسد عمليًا، وبالطبع فشل العدو هو انتصار للمقاومة لأن كل نقطة فشل له أثناء المعركة لا يمكن احتسابها كفشل ذاتي، بل هي نقطة انتصار وتفوق للمقاومة. أما في التفاصيل أكثر، فقد تعرضت الجبهة الداخلية الصهيونية لقوة نارية هي الأولى من نوعها منذ تأسيس الكيان الصهيوني؛ من كيان صغير الحجم؛ بطبوغرافيا عسكرية مهزومة سلفًا بالمعيار النظري؛ لا جبال فيها ولا وديان؛ مجرد شريط ساحلي مسطح ضيق ومحاصر بدون عمق استراتيجي، هذا الوصف الذي ينطبق على قطاع غزة، ينقلنا إلى ما اعترف به العدو، في ثلاث نقاط تحمل أهمية استثنائية:

الأولى: فشل الحرب على الوعي للمقاومة وشعب غزة، وهذا الحرب التي اعتمدها العدو كاستراتيجية عسكرية على مدى الـ15 عام الأخيرة، هدفت إلى إضعاف المقاومة ونزع شرعيتها وعزلها عن بيئتها الحاضنة، وهو أمر ثبت فشله بشكل كلي.

الثانية: العجز الاستخباري شبه الكلي؛ فعند فك الارتباط ورحيل المحتل عن غزة عام 2005؛ ترك فيها بنية معتبرة من العملاء وشبكات الشاباك، وعلى مر السنين تمكنت المقاومة تدريجيًا من تفكيك الكثير من هذه الشبكات، وتدمير خلاياها، وطالما تباهى ضباط الشاباك بقدراتهم التشغيلية ومعرفته بمجتمع غزة؛ فقد أبت غزة إلا أن توجه لهم صفعة مدوية، ليعترف العدو في هذه المعركة بالنقص الفادح للمعلومات سواء عن أماكن وجود القاذفات الصاروخية وقواعد الإطلاق أو مخازن الصواريخ وطرق نقلها، بل أثبت العدو فشلًا في اختراق شبكة الأنفاق التي ادعى كذبًا تدميرها دون تقديم دليل واحد، بل على العكس؛ قام بتضليل الصحافة العالمية حول هجومه البري المزيف وهو ما أثار ليس فضيحة عالمية فقط، بل أيضًا فضيحة وجدلًا في الجيش حول قدرة سلاح البر فعليًا على خوض معركة برية وهو أمر حسمه أمين المظالم السابق لدى جيش الاحتلال اللواء إسحاق بريك في تقارير متعددة؛ أكد فيها عدم قدرة السلاح البري على خوض أي حرب وأنه يحتاج لتأهيل جذري أولًا.

النقطة الثالثة: فشل استهداف قيادات المقاومة، ما عدا الحالتين المعروفتين وهذا أمر عادي أثناء قتال من هذا النوع، بينما تباهى العدو بقتل قيادة المقاومة وقيادة القسام خصوصًا، وتفاخر نتنياهو بالاستعراض أمام مجموعة صور مجهولة، وبدون أسماء ليقول هؤلاء هم من قتلناهم، ليصيح مثار سخرية أن يخوض حربًا تكلف حوالي مليار دولار من خزينته المفلسة، دون الحديث عن آثار قصف المقاومة، ليتباهى بقتل من قتلهم، دون أن يتمكن من تعطيل ولو راجمة صواريخ واحدة. وحسب اعتراف العدو نفسه؛ فقد أمطرته المقاومة بـ 2900 صاروخ مختلف؛ زعم أن 450 منها سقطت داخل أراضي القطاع، بسبب أعطال وقصور، وأن قبته الحديدية اعترضت 1150 صاروخًا، ما عني أن 45% من الصواريخ واصل مسارها ووصلت إلى أهدافها.

النقطة الرابعة: يمكن أـن تكون تجميع لما سبق؛ فلعلها من سخرية التاريخ أن أهداف العدو في هذه المعركة كانت هي نفسها أهدافه عام 2014: تدمير القوة العسكرية للمقاومة وتدمير الأنفاق واستعادة الهدوء، بل حينها قال وزير الخارجية الصهيونية أفيغدور لبيرمان: أن الحملة لن تتوقف إلا بعد استسلام حماس الكامل، هل هناك أي داع للتذكير بأهداف المعركة الأخيرة؟ وما الذي قاله نتنياهو، وغانتس، أو مستوطن تافه في سديروت، عن اجتثاث المقاومة وسحقها وإجبارها على الاستسلام؟

المنجز السياسي

ربما ما زال الوقت مبكرًا للحديث عن صورة النصر السياسي الذي حققته المقاومة، ولكن هناك بالتأكيد منجزات أصبحت في يد الشعب الفلسطيني ولا يمكن القفز عنها، على أمل أن يتم استثمارها بشكل يليق بتضحيات شعبنا ومقاومته، دون هدر أو تسرع، ولا شك أن أحد أهم هذه المنجزات، هو التفاف الشعب الفلسطيني حول المقاومة بشكل نهائي، وإدراك أن الكفاح المسلح هو الطريق لتحقيق نصر ناجز على العدو، وإن شعبًا بدون مخالب لن يستطيع الدفاع عن نفسه ولن يستطيع تحرير وطن.

أيضًا نأتي إلى ما اعترف به العدو نفسه ويشكل عنده؛ صداعًا أمنيًا كبيرًا، وهو محو الخط الأخضر؛ بالمعنى المادي نسبيًا، ولكن بالمعنى المعنوي بشكل مطلق، هذا المحو تمثل في تكامل وتلاحم الشعب الفلسطيني على جانبي الخط في معركة واحدة؛ نقلت المعركة على الاستيطان إلى قلب اللد ونقلت المعركة ضد الأسرلة والمحو إلى قلب مدن وقرى الضفة الغربية. وما حدث أيضًا هو إيذان بنهاية عصر أوسلو الذي قسم الفلسطينيين وبنا بينهم؛ جدرانًا معنوية وسياسية؛ تشبه جدران العدو المادية.

هذه الجولة من المعركة التي ابتدأت شرارتها كما قلنا في حي الشيخ جراح؛ لم توحد فقط كافة الشعب الفلسطيني على أهداف موحدة، بل أيضًا وحدته خلف المقاومة التي مُنحت شرعية إضافية؛ عبر إدراك عميق من أبناء شعبنا في المثلث والساحل والجليل أن هذه المقاومة هي مقاومتهم كما هي لأبناء غزة.

شكلت هذه المعركة أيضًا مع محو الخط الأخضر؛ هدم أسطورة النكبة التي تبين أنها ليست قدر الفلسطينيين وتمكنوا من استئناف القتال، حيث انتهت معارك الـ48، وهو ما أعاد العدو إلى الصفر في الكثير من خططه، لدرجة أن بعض جنرالاته ينصحون بإعادة الحكم العسكري إلى المناطق الفلسطينية في الداخل، بل وصل الأمر بأحدهم للدعوة إلى حجزهم كما فعلت الولايات المتحدة باليابانيين في الحرب العالمية الثانية.

إذن بعد 73 عامًا؛ لم تتمكن دولة الكيان من تثبيت نفسها ولا تستطيع أن تزعم أن تأسيسها اكتمل؛ ناهيك عن زعمها نيتها إعلان النصر النهائي على الفلسطينيين.

بقوة المقاومة، والتفاف شعبنا حولها، وجهت صفعة شديدة لمسار التطبيع، على المستوى الرسمي؛ فأصبحت أنظمة التطبيع معزولة تداري وجوهها، رغم محاولاتها التشويش على المقاومة وإنجازها، ومنها من حاول الصعود على متن الإنجاز، ولكن هيهات، ولا شك أن استعادة القضية الفلسطينية لمكانتها العربية، وخصوصًا الشعبية، ومركزيتها كقضية أولى وأم للعرب؛ سيفرمل هذا المسار الخياني، ويجعل من كانوا يقفون في الطابور للتطبيع مع العدو يراجعون حساباتهم. جاءت فرملة مسار التطبيع؛ تمهيدًا للتخلص منه نهائيًا؛ نتيجة طبيعية لنهاية صفقة القرن التي تنتظر من يدفنها ويشيعها رسميًا، وما كان هذا ليحدث لولا صمود المقدسيين وتكاتف الشعب معهم ودخول المقاومة في اللحظة الحاسمة على معركتهم.

هل بدأت نهاية رأس الحربة الاستعمارية؟

أثناء المعركة سعى العدو الصهيوني لحشد جهود أنصاره الدوليين في الغرب، عبر التباكي بصورة الضحية في البداية، ولكن مع انكشاف حقيقة الكيان الصهيوني وممارساته، لجأ إلى النغمة الحقيقية؛ محذرًا ومذكراً بدوره ووظيفته في وطننا، باعتباره المخفر الاستعماري المتقدم للغرب، في وجه الشرق العربي لمنع تقدمه وتوحيده؛ فصرخ نتنياهو محذرًا أنه "إذا اعتقدت حماس إنها انتصرت فهذه هزيمة للغرب بأسره". ما قاله زعيم العصابة الصهيونية بنيامين نتنياهو؛ صحيح طبعًا، ولكنه ليس جديدًا؛ إذ لطالما اعتبر الكيان نفسه، منذ هرتزل، ولطالما أُعتبر أيضًا جزءًا من ماكنة الاستعمار الغربية للعالم، وكان وضع الكيان كثكنة متقدمة للغرب الاستعماري في هذه المنطقة بالذات، من أعنف ما قام به هذا الغرب وممثليه المتعددين على الإطلاق، وبالتالي فقد نطق نتنياهو عن عقيدة قديمة؛ دفعت زعماء غربيين للركض إلى تل أبيب للتعبير، ليس فقط عن تضامنهم مع الكيان، بل لمده ببعض القوة المعنوية؛ نتيجة انهياره تحت قصف صواريخ المقاومة وليخبروه أنه لن يكون وحده في المعركة.

لقد انكشف تمامًا هذا الكيان كمشروع فاشل؛ استثمار غربي غير نافع؛ مخفر متقدم للحداثة الغربية آيل للانهدام؛ قلعة لا تستطيع الدفاع عن نفسها، وكلما رميت بصاروخ رخيص (ثمنًا وليس قدرًا)؛ ركضت إلى الكونغرس لتطلب دعمًا عسكريًا عاجلًا.. هذا البعبع الذي أرهب الشرق الأوسط لعقود وعقود؛ أذلته غزة حرفيًا، بدم أبنائها ولحمهم العاري وصبرها الدؤوب على تحمل الألم والخذلان والخيانة والطعن في الظهر، لذلك كانت نتيجة المعركة صفعة للكيان وظهيره الغربي؛ لهم جميعًا، بعد الإنجاز الذي حققناه في مواجهة هذه الثكنة التي أغرقوها بالمال والسلاح وحتى المتطوعين وكان المنتصرون هم وببساطة فلسطينيين؛ قرروا مناهضة هذا الكيان ومناهضة غربه المتوحش؛ مصرين على دحره ككلب صيد إمبريالي ودحر من يقف وراءه.

ما هي صور النصر؟

عادة تكون صورة النصر خلاصة لآلاف الصور وحتى أنها أحيانًا تكون متناقضة.. يختارها محرر في صحيفة ما، وتكون إيجابية أو سلبية؛ بنت صغيرة تركض عارية محروقة بالنابالم في فيتنام أو عنصر من السي آي ايه يركل فيتناميًا عميلًا من سايغون يحاول اللحاق بمروحية هروب أو جندي يرفع علمًا على تلة محررة على ضفة القنال أو بقايا بناء أو جنرال مهزوم يلف رأسه بالشاش كما هي الصورة الأيقونية لشارون مثلًا.. فكرت كثيرًا بصورة انتصار شعبنا، ووجدت أنه في كل بيت متهالك أو جريح بصاروخ وقذيفة في غزة؛ نجد هذه الصورة؛ طفل فخور بإنقاذ سمكته من الغارة؛ شاب يسحبونه من تحت الأنقاض وهو يرفع إشارة النصر؛ سيدة تقول أن ابنها الشهيد؛ فداء لفلسطين. ربما أن صورة نصرنا هي دخول الشعب إلى الأقصى؛ آمنًا مطمئنًا منتصرًا فجر انتهاء المعركة، وربما تكون صورة نصرنا ما قاله شاب عربي كانت قد تمت أسرلته وانتهى الأمر ليعمل جنديًا في جيش الاحتلال، ليصحو فجأة ويقول: اكتشفت إنني جندي في جيش العدو! صورة النصر في الغضب المتصاعد في الهتاف القوي في حيفا ويافا وعكا واللد وبرلين وعمان و الكويت وصنعاء.. أم نجد صورة النصر في تناقض مشهدين بعد وقف النار؛ متناقضين: احتفالات في غزة التي خضعت لقصف مكثف لأحد عشر يومًا، وتقول إنها انتصرت ومثلها احتفالات عمت مكان وجود كل فلسطيني، وبالمقابل صمت بارد في الجانب الصهيوني، وارتباك وتبادل اتهامات بالفشل واعتراف خجول هنا وهناك بالهزيمة.

وأخيرًا؛ لقد تجاوز ذلك مجرد صورة نصر لتصبح احتفالات الجماهير في شوارع غزة وكأنها صاروخ أخر يقصف الكريات في يوم حدادها؛ إنه الصاروخ الأخير الذي يضع نقطة في نهاية السطر.

أخيرًا: المعركة لم تنتهِ، وهي لا تنتهي إلا بدحر الصهيونية نهائيًا وتفكيك هذا المشروع الإمبريالي العنصري في وطننا، ولكن الانتصار النهائي تراكمي؛ نحتفل بانتصار اليوم ونستعد لمعركة الغد، ومن يبحث عن صورة النصر سيجدها إذا أراد ويعمى عنها إذا أراد، ولكنه لا يستطيع أن يغير من تدفق الماء في نهر التاريخ، والشعب الفلسطيني؛ قرر أن يعيد كتابة التاريخ باعتباره البطل النهائي للقصة.