بعد نكسة حزيران/ يونيو 1967 واحتلال الكيان الإسرائيلي كامل التراب الفلسطيني وأراضي عربية، تصاعد التضامن الأممي مع الشعب الفلسطيني، لا سيما في الغرب الرأسمالي، أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وتأسست أو أعيد تأسيس جمعيات ولقاءات تحمل عنوان التضامن مع فلسطين. ظهر ذلك في أغلب المدن والعواصم الأوروبية والأمريكية وحفلت بالنشاطات الواسعة، في التظاهر والتجمع والوقوف أمام مقار السفارات الأمريكية أو الإسرائيلية أو حتى الاحتجاج أمام اجتماعات ومؤتمرات تنعقد فيها ويحضرها ممثلون من الكيان الإسرائيلي.
وكانت أغلب هذه المنظمات تدعم القضية الفلسطينية بشتى الوسائل والطرق، المعنوية والمادية، فإضافة إلى الفعاليات السياسية، تجمع التبرعات المالية مثلا وترسلها إلى منظمة التحرير أو إلى الفصائل الفلسطينية مباشرة. وهذا بالتأكيد انعكاس لوعي فعال في آثار النكسة التي حلت بالشعب الفلسطيني وفي الظلم والعدوان والخراب الذي مارسه العدو عليه. ولعب هذا الوعي الجديد دوره في التضامن وإعادة صورة التحرر الوطني للشعوب المضطهدة والمحتلة وضرورة التفاعل مع قضاياها العادلة. ولا شك أن تأثير هذا الوعي في الرأي العام العالمي ينعكس في حملات التضامن والتفاعل والدعم والموقف الإنساني عموما، ويؤثر تطوره عليها أيضا. وبالتالي أو بالأعمال إعادة القضية و فلسطين إلى واجهة المشهد السياسي.
هبط هذا النشاط والفعاليات بعد اتفاقيات أوسلو 1993 وما تلاها من اتفاقات منفردة بين الكيان و مصر والأردن وما تناسل بعدهما. وتراجعت هذه الجمعيات وحملات التضامن بشكل كبير، ولكل أسبابه طبعا، وشكل التراجع هذا خسارة للقضية الفلسطينية وفرصة لتمادي العدو الصهيوني في التمدد داخل هذه البلدان وخارجها والتوسع في بناء علاقات وجسور متنوعة على حساب مصالح الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية.
بعد انتفاضة رمضان هذا العام، في المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح ومع عدوان الأحد عشر يوما على غزة وصمودها وردها الرادع لخطط العدوان وجرائم الحرب التي ارتكبها العدو الصهيوني ودعم الحكومات الغربية له، اندلعت التظاهرات الكبيرة في أغلب المدن والعواصم العالمية تضامنا مع نضال الشعب الفلسطيني وإدانة لجرائم الحرب والعدوان، مطالبة بوقف العدوان والتضامن مع الشعب العربي الفلسطيني. ولأول مرة تمتد التظاهرات لأيام وبأكبر الأعداد من المواطنين في أغلب المدن الأمريكية والأوروبية، مما لفت الانظار لحجم الغضب الشعبي وتطور الوعي لدى الرأي العام العالمي إزاء حقوق الشعب الفلسطيني ورفض العدوان الصهيوني والانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان وعدالة القضية. وانتقلت صورها في العالم حيث لأول مرة تشاهد بهذه الكتل البشرية التي تجاوزت أرقام المئات من الآلاف، متجاوزة كل وسائل التضليل والتشويه وغسل الأدمغة والإعلان الصهيوني المتنفذ في الغرب خصوصا.
وكالعادة نشط أكاديميون في جامعات أمريكية وأوروبية ودبلوماسيون وسياسيون إيرلنديون وسكوتلانديون وأمريكيون في حملات تضامن ملموسة بالبيانات والاحتجاج العلني على انتهاكات حقوق الإنسان ووحشية العدوان. وكان متميزا أن تفرد صحف أمريكية، كنيويورك تايمز صفحتها الأولى لصور الأطفال الفلسطينيين الذين استشهدوا من القصف الإسرائيلي الوحشي وتهديم البيوت والأبراج السكنية. كما نشرت صحف أوروبية أخرى مقالات رأي تدين العدوان وتوصف عملياته الإجرامية بواقعية وضمير إنساني مع صور الدمار ومجازر الشهداء الفلسطينيين، من كل الأعمار والجنسين.
كما شاركت نقابات عمالية في إيطاليا وجنوب إفريقيا وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية، في حملة التضامن ورفضت تقديم أية خدمات عملية للكيان. وما لفت الانتباه العالمي أيضا وقوف نجوم عالميين من فنانين ورياضيين في التغريد ورفع العلم الفلسطيني في مناسبات جماهيرية منقولة في الفضائيات العالمية، وفي توقيع بيانات إدانة للعدوان موقعة من مئات من الفنانين الموسيقيين، وغيرهم من المثقفين العالميين.
رفع أعلام فلسطين وشعارات أبرزها: الحرية لفلسطين، فلسطين حرة، لا سلام بلا عدالة، قضية الفلسطينيين مهمة، وأمثالها، وبمختلف اللغات، مهمة ومعبرة وجديرة بوقوف الرافعين لها طيلة ساعات التظاهر والتجمع والاحتجاج. وفي كل الظروف الأمنية والمناخية وتحدياتها.
حاول العدو اختراق التظاهرات كعادته وديدنه برفع شعارات ساخرة ولا أخلاقية لتشويه الصورة ومنظر التظاهر، وللأسف تباهى بها حملتها بصلف وبدون وعي في الأغلب إذا لم يكن انخراطا في المهمة، وأحيانا يقدم متحمسون على تقديم مثل هذا التخادم مجانا ودون تقدير لأهمية الموقف والقضية في هذه اللحظات المصيرية والحساسة.
ورغم كل وسائل العدو الإعلامية وغيرها لم يستطع تغطية الجرائم وأساليب الفاشية التي مارسها في العدوان، فكل صورة للواقع وكل تقرير اعلامي مصور يفضح العدوان والاجرام والوحشية والعنصرية، ولأول مرة تتقدم وسائل الإعلام الفضائية والتواصل الاجتماعي من كشف العدوان كما هو دون تغطيات أو رتوش رقابة عسكرية أو هيمنة استعمارية على التقنية الالكترونية والتطورات التكنولوجية بفضل اتساع مصادرها.
ليس آخر حملات التضامن، إعلاميا وسياسيا، اعتبار المفوضة السامية لحقوق الانسان في الأمم المتحدة، ميشيل باشليه، يوم ( 27 أيار/ مايو 2021) "الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة قد تشكل جرائم حرب". جاء ذلك خلال اجتماع طارئ لمجلس حقوق الإنسان للبحث في تشكيل لجنة تحقيق دولية حول ما تسميه المفوضية التجاوزات التي رافقت العدوان الأخير. وأعربت باشليه، وفق ما نشرته وكالات الأنباء، في افتتاح الاجتماع الطارئ، عن قلقها البالغ إزاء "العدد الكبير من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين" جراء الهجمات على غزة. وتابعت باشليه "في حال تبين أن هذه الهجمات استهدفت بطريقة عشوائية وغير متناسبة مدنيين وأهدافا مدنية (...) فإنها قد تشكل جرائم حرب". وقالت المفوضة السامية "رغم مزاعم إسرائيل بأن العديد من تلك المباني آوت جماعات مسلحة أو استخدمت لأغراض عسكرية، لم نرَ أي دليل في هذا الصدد". واعترفت المسؤولة الأممية بأن العدوان على غزة، خلف "العديد من القتلى والجرحى من المدنيين، وألحق دمارا وأضرارا واسعة النطاق بالممتلكات المدنية".
كل هذه الأشكال من التضامن والاحتجاج الإنساني يخدم تطورات القضية الفلسطينية ولا بدّ من الاستفادة منها بتطويرها وتعزيز التحالفات السياسية وتقديم شهادات وأدلة تكشف زيف السياسات الصهيونية وروايتها الاستعمارية الاستيطانية التي لا تتفق مع حقائق الواقع والتاريخ.

