Menu

الاحتلال ومحاولات تجديد النكبة

الدكتور كمال الزغول

نُشر هذا المقال في العدد 26 من مجلة الهدف الإلكترونية

لقد كان 15 أيار 1948 يوماً مأساوياً؛ رحل فيه مٌستعمِر (الانتداب البريطاني) وحلَّ مكانه محتل، وهو العدو الصهيوني، لكنه يومٌ بدأ فيه الشعب الفلسطيني صياغة صُموده، ولم يتمكن الكيان الصهيوني من عملِ جدولة زمنية لهذا الصمود، لأنه في كل مرحلةٍ يحاول فيها القدرة على البقاء؛ يصطدم بديمغرافية الأرض، وجغرافيتها اللتان يتعانقان كل لحظة في وجه المحتل.

منذ ذلك اليوم المشؤوم وسلطات الاحتلال تحاول تهجير الشعب، وتغيير اسم المكان، وهدم المساجد، وتحاول بناء الهياكل والمعابد، وتصنع لهم من يتقربون منها لصناعة جغرافيا وديمغرافيا مستحيلة التواجد.

نزح اللاجئون منذ عام 1948 إلى أحياء كثيرة في فلسطين، ومن ضمنها حي الشيخ جراح، لكنهم لم يعرفوا أن نزوحهم سيكون مستمراً لا يضبطه قرار دولي ولا ترفضه دُول "الفيتو"، وكأن تلك الدول لا يعنيها مصير الشعوب. لقد حاولت سلطات الاحتلال في العدوان الثلاثي على مصر؛ استفزاز المجتمعات العربية لنقل الصراع من الداخل الفلسطيني إلى الخارج، لكنها فشلت في تحقيق مرادها، وبقيت تحاول وضع المنطقة في حالة حرب، وجهَّزت نفسها بأقصى قوة سلاح من خلف الكواليس، حتى انقضت على كامل الأرض الفلسطينية في عام 1967؛

الحرب آنفة الذكر، قادت لحرب أكتوبر التي حُرِّرت فيها قناة السويس، وعندما شعرت سلطات الاحتلال أن هناك قوة يمكن أن تؤثر عليها؛ ذهبت إلى محاولات السلام المنفردة، وأظهرت للعالم أنها حملاً وديعاً يريد السلام، وبعد عقدها عدة اتفاقات "سلام" في المنطقة؛ كشرت عن أنيابها وعادت إلى محاولات تجديد نكبة عام 1948.

أحد محاولات تجديد النكبة؛ كان فك الارتباط مع غزة من قبل شارون على أمل خلق ـجواء انقسامية بين الفصائل الفلسطينية، وأيضاً لتقسيم الكفاح وتدمير الوحدة، وسرقة الأراضي، وبناء المستوطنات وتحقيق الإحلال على الأرض؛ فاستراتيجية فك الارتباطات أرادها العدو كحجر عثرة أمام المفاوضات، ليقول للعالم؛ كيف نتفاوض مع طرفين، ويقصد حماس والسلطة، وأقنعت المجتمع الدولي بهذه الفكرة. واستمر العدو الإسرائيلي بتجديد النكبات، حيث كان هجوم 11 سبتمبر 2001؛ نقطة خلاص سياسي له؛ فقام بتبني فكرة الحرب على الإرهاب خارج أماكن احتلالاتها؛ فأيد وشارك بالهجوم على أفغانستان وانتقل إلى العراق وساعد في تدميره؛ بحجة الحرب على الإرهاب، وبعدها انتقل إلى سوريا، حيث أصبحت سوريا؛ مسرحاً لعملياته الجوية، وبهذا أراد أن ينهي خطر المحيط العربي على وجوده.

بعد تدمير العراق وسوريا والهجوم على لبنان بحجة الإرهاب؛ اخترعت "إسرائيل" شيئًا جديدًا في المنطقة لتجديد النكبة؛ ألا وهو الملف النووي الإيراني الذي جعلها؛ تستقطب المساعدات الأمريكية أكثر، وجعلها أيضاً؛ تدخل على سياسة الشرق الأوسط من أوسع الأبواب، وبالرغم من أنَّ "إسرائيل" لم تُوقع على معاهدة نزع الأسلحة النووية إلا أنها تمتلك أكثر من مائة رأس نووي، وبنفس الوقت؛ تتخوف من امتلاك الآخرين لهذا السلاح؛ فدائماً تتجدد النكبات على يد "إسرائيل" بالهروب من الواقع الاحتلالي في المناطق الفلسطينية إلى مناطق أخرى، خاصة عندما درست؛ ظروف المنطقة، وبدأت بالبحث عن تحالف إقليمي أمني ليشكل ضغط في العلاقات الدولية على المجتمع الدولي، لتغيير منحنى التعامل مع القضية الفلسطينية وإيران في آن واحد، ومما لا شك فيه؛ عدم قدرة "إسرائيل" على محاربة إيران لوحدها، في ظل وجود مقاومة فلسطينية، لأن الظرف الأمريكي خلال جائحة كورونا لا يسمح بدخول حرب شاملة على إيران مع محاولة ضبط الداخل الفلسطيني. وعليه، فإن "إسرائيل"؛ تريد من تحالفاتها تحقيق عدة أهداف، من بينها استخدام الدول في المنطقة كخنادق دفاعية، والتهرب من استحقاقات العملية السلمية، مع الضغط على الولايات المتحدة لكبح امتلاك إيران للقنبلة النووية، وذلك بتبني التحالفات وما ينشأ عنها من عواقب استفزازية. ومن هنا؛ إذا نشأ أي تحالف إقليمي مع "إسرائيل"؛ يصبح التصعيد اجبارياً ضد إيران، وعلى أمريكا؛ تحمل تبعاته، وهذا ما تريده "إسرائيل"، بحيث تصل إلى خلخلة الشرق الأوسط للظهور بموقف الضحية في فلسطين وخارجها، ولتضمن التدخلات الأمريكية ضد إيران. فإذا فشلت "إسرائيل" في تشكيل مسرح ضاغط على إيران، ستبقى رهينة احتلالها في فلسطين؛ فلا ينقذها إلا تجديد النكبات على شعوب المنطقة.

سياسة تجديد النكبة بالقفز السياسي الخادع إلى الحروب، ثم إلى المفاوضات، ومن ثم إلى الحرب على الإرهاب، وصولاً إلى نشر الرعب من ملف إيران النووي، هي سياسة الهروب من إثْمِ الاحتلال للأرض الفلسطينية والجولان، لكنها وبكل ما فعلت؛ لم تمنع الفلسطيني من تقوية ذاته واعتماده على نفسه.

تاريخ النكبة ثابت، لكن أزمان الصمود تختلف؛ ففي البداية اتسق التهجير يومئذٍ من الشمال الفلسطيني مع التهجير اليوم من أحياء القدس ، غير أن الوسائل والظروف اختلفت؛ فاليوم يتأهب جيل شاب لديه إدراك بأبعاد القضية وكينونتها، ويمتلك من المعرفة ما تؤهله لأن يستعيد أرضه بمختلف الوسائل الحديثة؛ فلم تعد المعلومة في الصناعات العسكرية سر يُخفى، ولم تعد لقمة العيش تتحكم في كرامة الفرد، بل أصبحت الكرامة هي كل شيء مقابل عدو لا يمتلكها.

في كل حرب يفتعلها الاحتلال الإسرائيلي؛ تحاول أن تخلق نكبة جديدة لتعيد الإحلال من نقطة الصفر التي بدأت قبل 73 عاماً، لكنني حسب ما أرى في قادم السنين أن هذا الكيان سيتلاشى بأفعاله التي تغلو وتربك الإنسانية، وبصمود الشعب الفلسطيني وتكاتف كل الأحرار معه. وبما أنها ذكرى نكبة، علينا أن نؤسس لذكرى رحيل لهذا العدو الذي أنشأها؛ مستقبلاَ.

كانت نتائج الحروب تميل لصالح المحتل، لكنها بدأت تتوازن يوماً بعد يوم، وهذا هو مؤشر واضح على تقدم استراتيجية مقاومة الشعب الفلسطيني، لأنه بدأ يعتمد على الذات، وبدأ يقرر بنفسه، ولم يعد يعتمد على قرارات المؤتمرات التي تجري خلف الكواليس؛ فاعتمد المفاجأة في اتخاذ القرار، والانفراد في توجيه طاقاته بقدرة فائقة، وهذا هو المعنى الحقيقي للصمود. وكلما سرنا بالزمن إلى بداية النكبة؛ نرى من الواضح أن صمود الشعب الفلسطيني بالإضافة إلى سياسة إسرائيل الاحتلالية ستؤدي إلى انهيارها، وذلك بسبب قلة عدد جنودها، وصغر العمق الجغرافي المتواجدة فيه، وتمردها على أصدقائها في أوروبا؛ نتيجة لتطور صناعاتها العسكرية، وسيطرتها التجارية على مفاصل القارات.

إن الأسباب الخارجية على المدى البعيد؛ ستكون جنباً إلى جنب مع المقاومة الفلسطينية؛ عوناً في انهيار "إسرائيل" غربية؛ "الأداة "، والعملة السياسية الصعبة، وعندما تصبح تلك العملة لا حاجة لها في بنوك سياسة الغرب؛ ستزول بطريقة سهلة تلقائية وستهبط قيمتها المعنوية والمادية، هذا منوط بصعود أقطاب أخرى عدا الولايات المتحدة الأمريكية، وقد اقترب ذلك، وزيادة تنافس العالم على الثروات، واستمرارية صمود المقاومة الفلسطينية.

إن رفض "إسرائيل" التوقيع على معاهدة نزع الأسلحة النووية، قد يوقعها بصدام سياسي وعسكري، وليس حضاري مع أوروبا وغيرها من دول العالم، وعندما ننظر إلى علوها يجب علينا عمل جدول مقارنة قوى بينها وبين الدول القوية في أوروبا، مثل: فرنسا وبريطانيا اللتان تتنافسان على إفريقيا، والخطورة هنا تكمن؛ بدخول إسرائيل على الخط في إفريقيا للسيطرة على موانئها الذي قد يُنتج حذراً أوروبياً منها وجشعها وطمعها الاقتصادي، وهذا قد يؤدي إلى ظهور قوة عظمى جديدة، قد تنسف كل توقعات بقاء "إسرائيل". ولكي نصل إلى صمود شامل؛ يجب أن نحيّد فكرة الرضوخ إلى الأمر الواقع؛ فهناك مدرسة مهزومة لدى مجتمعاتنا؛ تنادي بقبول الأمر الواقع والبناء عليه، وهذه المدرسة أسسها الخائفون من الفقر والجوع، ويستخدمون الراحة على حساب الكرامة والحق؛ فلو استسلم الفيتناميون لما كانت لهم دولة الآن، ولو استسلم الثوريون في جنوب إفريقيا لما حصلوا على الحرية، ولو استسلم الأفغان للروس لما كان لهم دولة الآن. إن رفع كلفة أي احتلال يجعله يرحل، فما بالنا لا ننظر إلى واقع أمر هذه الشعوب الصامدة وننظر فقط إلى حزم اقتصادية يعطيها بنك مصرفي ويأخذها آخر؛ فالعبودية ليست بامتلاك البشر، بل بامتلاك أفكار الاستسلام، حتى ولو عن بعد.

من هذا المنطلق؛ الاستراتيجية الناجحة لمقاومة "إسرائيل" هي المحافظة على الهدف وعدم التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين، لأن التنازل هو منصة انطلاق "إسرائيلية"؛ نحو قضم المزيد من الأراضي، وإعطاء زمن فعلي لتجهيز المقاومة مع الاشتباك على الأرض بانتفاضات عند الحاجة هو من الضروريات، وبنفس الوقت التقيد بجهوزية المقاومة بالتوازي مع دبلوماسية القيادة للتأثير في المجتمع الدولي من أجل رفع قضايا قانونية ضد "إسرائيل" في المحاكم الدولية مع الاحتفاظ بقدرة المقاومة التصدي لأي تحركات "إسرائيلية"؛ أضف إلى ذلك، أن البحث عن مصادر تزويد لوجستي والحفاظ على علاقات طيبة مع الدول الداعمة أمر ضروري جداً، والأهم من ذلك هو الاقتصاد بالجهد والقوة واستخدامها في الوقت المناسب؛ بسبب الفرق في موازين القوى بين العدو والمقاومة.

وفي النهاية؛ نجد أن هناك اتساقاً بين نكبة عام 1948 ومحاولة تجديدها في أحياء القدس، وفي جميع الأراضي الفلسطينية، لكن نوعية التصدي والمقاومة تمنعها، وذلك بوعي وإدراك المقاومة للظرف الراهن الإسرائيلي؛ فكلما زاد علو "إسرائيل" زادت المقاومة، وانتفى الاستسلام، وأُخذت الدروس والعبر، وبدأنا نرى النزوح مقاومةً، واللجوء عودةً، والصمودَ انتصاراً، حتى تعود الأرض ويستقر الشعب الفلسطيني على أرضه الطهور، وحتماً سيصبح رحيل الكيان يوماً ما ذكرى بلا عودة.