Menu

من قتل نزار بنات؟

غسان أبو نجم

قبل كتابتي للمقالة جال في ذهني رواية ايقونة الادب المقاوم غسان كنفاني) من قتل ليلى الحايك) لأن السؤال صعب والإجابة عليه مذهلة ومخجلة في آن معًا. تأتي صعوبة الإجابة ليس من منطلق البحث البوليسي عن القتلة، بل في صعوبة استيعاب أن ثورة تقتل أبنائها (على افتراض أن القتلة يدعون بأنهم ثوريون وأم الثورة) واتفق معهم أنهم ثورة، ولكن ثورة مضادة؛ فقتلة نزار هم حصيلة ونتاج نهج تربى على رفض الآخر واعتماد أسلوب الاغتيال الشخصي وتكميم الافواه والتصفية الجسدية لكل من يعارض نهجهم وسياستهم، والتاريخ الفلسطيني يزخر بالأسماء والحالات التي تم تصفيتها لتعارض المواقف والمصالح بين أطراف هذا النهج (فهد القواسمي و عمر النايف وأبو عمار)، والإجابة دائمًا جاهزة الموساد الصهيوني. وهنا لا أبرئ الاحتلال من دم أحد، ولكن كافة الدلائل والمؤشرات تشير إلى تواطؤ أطراف من هذا النهج مع سياسة الاحتلال لتصفيتهم.

لقد تربى أتباع هذا النهج وبحكم تركيبته السياسية على التفرد والاستئثار وتملك كل مقدرات الثورة؛ بدءًا من شعار أصحاب الطلقة الأولى إلى شعار أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها وغلابه يا فتح، وهذه الشعارات تظهر مدى تفرد ووحدانية النظرة لحركة الشعب الفلسطيني، وكأن هذا الشعب لم ينتج فصائل وحركات أخرى وعكست هذه الرؤيا نفسها على القرار الفلسطيني، وفي أحلك الظروف؛ بدءًا من تعديل ومن ثم شطب الميثاق القومي الفلسطيني والاعتراف بالكيان وشرعيته؛ عبر حل الدولتين والذهاب إلى مؤتمر مدريد واللقاءات السرية والمعلنة مع ممثلي الكيان والذهاب إلى أوسلو بطريقة اكروباتية فاجأت حتى حلفاء هذا النهج والدخول إلى الضفة و غزة بموجب هذه الاتفاقية وتشكيل سلطة أوسلو. ولقد حاول منظروا ومثقفوا هذا النهج التطبيل والتزمير لهذا النصر المؤزر واعتباره نصرًا فتحاويًا منفردًا وبامتياز؛ على اعتبار أن العديد من فصائل العمل الوطني حينها، كانت ترفض التفرد اليميني بالقرار الفلسطيني ونهج التفريط الذي سارت به هذه الطغمة، وبالتالي ليس من حقها أن تشارك بقطف ثمار هذا النصر الأوسلوي؛ فتفردت بقيادة السلطة ومؤسساتها وأسستها لتكون بديلاً عن كل مؤسسات الثورة (م.ت.ف والمجلس المركزي والمجلس الوطني)، ولم تقم بشطبها، بل حولتها إلى واجهات ديكورية تلجأ لها حين اللزوم. إن نهجًا كهذا لا يمكن أن ينتج عقلية ثورية جماعية أو يستوعب فكرة معارضة لتوجهاته ومصالحه، حتى الأفراد الشرفاء في الحركة الأم؛ تم عزل وإقالة العديد منهم، وحولت البقية إلى جيش من الكتبة وأصحاب مصالح وأغنياء حرب وكممت أفواههم بالرواتب الشهرية والصراف الآلي وحصرت القرار الفلسطيني في دائرة مغلقة لمجموعة متنفذة؛ انقلبت على الكل الفلسطيني بمن فيهم رفقاء الأمس الذين لا يملكون سوى الحسرة وذكريات الثورة في بيروت أو ذكريات سنوات الاعتقال والتضحيات.

المخجل أن يتساوق بعض الأطراف في فصائل العمل الوطني مع هكذا سلطة ونهج، هذا النهج الذي ساهم في ضياع بوصلة العمل الوطني النضالية منذ الانقلاب على الميثاق القومي وحل الدولتين وسهل عملية التفرد والقيادة لهذا النهج الذي استمر ويستمر بقيادة هذا الشعب الذي اتضح بعد عشرات السنين من الثورة ضد الاحتلال أنه لا يقيم وزنًا؛ لا لمصلحة هذا الشعب ولا لأهدافه في الحرية والاستقلال ولا بصحة أفراده ولا حرية معارضته، حتى بالكلمة، وبدا هذا واضحًا في صفقة اللقاحات الفاسدة وتصفية نزار بنات بدم بارد، دون محاسبة ولو شكلية للقتلة.

من هنا يتضح جليًا أن من قتل نزار بنات هو ذات النهج الذي فرط بكل ما هو وطني ونسق واغتال ولاحق مناضلينا وسلمهم للاحتلال (باسل الأعرج مثالًا) ووقف ضد كل مشتبك مع الاحتلال وعقد الاتفاقات الامنية في هرتسيليا وعقد صفقات التنازلات وقمع التظاهرات على دوار المنارة وفصل وعزل كل من قال لا في وجه هذا النهج. لقد آن الأوان أن نضع النقاط على الحروف ونعيد صياغة الوحدة الوطنية بما يتفق مع مصلحة شعبنا وأهدافه وأن نستهض كل من لا يتفق معه وأول أولويتنا دعوة شرفاء فتح لغسل عار السلطة عن ما علق بها، ولتكن معركة سيف القدس وهبة أهلنا في القدس نبراسًا لكل وطني وشريف؛ بغض النظر عن انتمائه وولاءه، وليكن الولاء لأهداف هذا الشعب وقضيته وكينونته التي لم تعد تهم قتلة نزار بنات.