في ذكرى استشهاده التاسعة والأربعين يجدر بنا المرة تلو الأخرى أن نعيد استذكار غسان كنفاني ، وقراءته وإعادة الكشف عن مكامن إبداعه وتألقه. ولا يرتبط الأمر فقط بتعريف الأجيال الناشئة على إبداعات هذا المثقف الفذ والأديب المميز، بل ربما أمكن أيضا بمزيد من الغوص والتحليل في أعمال الشهيد اكتشاف مساحات جديدة من إبداع هذا المناضل الاستثنائي الذي يحتل بجدارة مكانة مرموقة وراسخة في الأدب العربي والعالمي.
وتشتد الحاجة أيضا للتوسع في دراسة هذا الأديب الشهيد لما يمثله من نموذج عربي فريد لشخصية "المثقف العضوي" التي بشر بها القائد الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي في عشرينات القرن الماضي.
أصدر غسان كنفاني خلال حياته القصيرة جدا 18 كتابا، تنوعت بين الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي والمسرحيات والمقالات والدراسات التاريخية، بالإضافة إلى عمله الصحفي اليومي رئيسا لتحرير مجلة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقبلها في مجلة الحرية التي كانت ناطقة باسم حركة القوميين العرب، وجريدتي المحرر والأنوار اللبنانيتين، وهو إلى جانب ذلك كان فنانا ورساما، وإنسانا مندفعا في حبه للحياة وعيشه إياها باعتبارها فرصة للعطاء والمساهمة في إضافة شيء مميز وترك بصمات للتاريخ، وكان مشغولا ومسكونا بهموم شعبه المشرد في المخيمات والمنافي، وإلى كل ذلك كان مسؤولا رئيسيا وعضوا في أعلى هيئة قيادية (المكتب السياسي) للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
من المؤكد أن وظيفة واحدة من كل ما ذكر أعلاه كانت كافية لتملأ وتشبع حياة أي شخص قيادي وبالذات حين يكون مثقفا، لكن غسان كان رجلا مختلفا ومتميزا، وهو الذي تحفل سيرة حياته بأسباب كثيرة للدهشة، منها على سبيل المثال كيف استطاع هذا المثقف الشاب قبل بلوغه سن السادسة والثلاثين (سنة استشهاده اغتيالا عام 1972 على يد المخابرات الصهيونية) أن ينتج كل هذا الكم من العطاء الأدبي والإبداعي والبحثي التاريخي والسياسي والصحفي اليومي؟ كيف تسنى له كل ذلك وهو الذي أصيب مبكرا بمرض السكري بكل ما يعنيه ذلك من ألم يومي ومعاناة ووقت مخصص للعلاج، وقيود على حجم العمل وطريقة الحياة والطاقات البدنية لجسد إنسان حقيقي؟
وإذا قيمنا مجالات عطاء غسان وإبداعاته يفترض أن نلاحظ أنه انخرط بكليته في مجالين وعرين وشائكين، بل وشديدي الإشغال لأي إنسان، من شأن واحد منهما على الأقل أن يحد من طاقات غسان الإبداعية، والمقصود بذلك الانهماك اليومي والانخراط الكلي في السياسة والعمل الحزبي من جهة، والصحافة من جهة أخرى، لكن غسان كان مختلفا، والجواب الوحيد الذي يفسر هذا التميز هو جواب غرامشي الآنف الذكر عن المثقف العضوي، أي الموظف المنخرط بكليته في قضايا طبقته الاجتماعية وشعبه، ويبدو أنه كانت لدى غسان أسباب أخرى تضاف لشخصيته الاستثنائية، ومنها على الأرجح أنه كان مسكونا أو مشغولا بهاجس الموت المبكر، اغتيالا أو مرضا، لذلك كان مقتنعا بأن الفرصة المتاحة أمامه لقول ما عنده هي فرصة محدودة.
في التاريخ السياسي الفلسطيني الذي تبع استشهاد غسان، طغت صورة البطل الشهيد على صورة المثقف العضوي والأديب المبدع، وهي صورة مشرفة بالفعل ووضّاءة ومؤثرة، مع أن الصورة الثانية أكثر خلودا واستقرارا وربما تأثيرا على مر الأجيال، ولعل انتماء غسان الحزبي هو الذي حاصر غسان في هذا الإطار الضيق، سواء لأسباب إيجابية حسنة النية كما يفعل رفاق غسان في الجبهة الشعبية الذين خلدوا اسمه بعمليات فدائية ومجموعات مقاتلة ومؤخرا بروضات أطفال ومدارس، أو لأسباب معاكسة كما يفعل القائمون على مؤسسات العمل الرسمي، مع أن كبار رموز الثقافة الفلسطينية وبالأخص محمود درويش وسميح القاسم وإميل حبيبي أنصفوا غسان المبدع الذي كان إبداعه مستقلا عن استشهاده وسابقا له.
كتبت الكثير من الدراسات المتخصصة عن أعمال غسان الروائية والقصصية المميزة، وما حملته من إضافات نوعية لصورة الفلسطيني الجديد، الخارج من رماد النكبة وهزيمتها، فالفلسطيني الذي يظهر في كتابات غسان ليس ذاك الذي يتحسر على نكبته وخساراته، بل هو الفدائي الذي يتمرد على واقعه الجديد ويعمل بكل ما أوتي من قوة وعنفوان وإرادة على تغيير هذا الواقع وهزّ الواقع المحلي والإقليمي هزّا عنيفا، وهو في هذا السياق لا يسلم بثقافته الموروثة ولا بالأحكام التي يحاول الحكام تكريسها، ولا يسلم حتى بوجود هؤلاء الحكام والقيادات أنفسهم ولا بشرعية وجودهم وأهليتهم للقيادة، وهو في الوقت الذي يفضحهم ويعريهم، يكشف الجمال الكامن في شخصياته الشعبية البسيطة والتلقائية، يكشف غنى شخصيات هؤلاء اللاجئين الذين خسروا وطنهم ولم يخسروا إنسانيتهم.
في دراساته الأدبية والتاريخية ارتاد غسان كنفاني مناطق كانت مجهولة للدارسين والمثقفين وبشكل خاص دراساته الطليعية والريادية عن الأدب الصهيوني والأدب الفلسطيني المقاوم في فلسطين المحتلة عام 1948،
اما دراسته لثورة 1936 فهي بحق دراسة تأسيسية في منهجها البحثي المادي التاريخي، وذلك على الرغم من محدودية حجمها وفصولها الذي ربما يعود لقلة المصادر التي كانت متاحة لغسان وقت الكتابة إلى قلة الوقت الذي كرسه لهذا الغرض، حيث أن مئات الشهادات الموثقة والأرشيف البريطاني والصهيوني والمذكرات العربية أتيحت فقط في السنوات الأخيرة وبعد استشهاد غسان بوقت طويل، ففي الصفحات المحدودة من دراسته، يكشف غسان طبيعة المصالح الفئوية الضيقة التي كانت تقف وراء مواقف القيادات التقليدية الإقطاعية الدينية الفلسطينية، ورهاناتها الخاسرة والعبثية على الأجنبي، وعدم ثقتها في شعبها وفي خياراته الكفاحية، وهكذا فإن ما كشفه غسان عن إجهاض ثورة 1936 يمكن أن يفسر أسباب الهزيمة الكبرى التي شكلتها النكبة، بل وأسباب الخسائر المتوالية التي لا زال الشعب الفلسطيني يمنى بها حتى الآن.

