Menu

لماذا تطول الحرب على اليمن؟

عرفات الحاج

نُشر هذا المقال في العدد 27 من مجلة الهدف الإلكترونية

نشر الإعلام الحربي اليمني التابع لصنعاء مارس الماضي؛ إحصاء يعدد فيه خسائر التحالف السعودي في حربه على اليمن منذ سنوات، والتي يقول الإحصاء إنها وصلت الى ٢٤٠ ألف جندي؛ الحجم الهائل للخسائر البشرية، وكذلك الاقتصادية؛ تعيد للأذهان التساؤلات التي طرحت منذ إعلان السعودية وحلفائها للحرب، حول قدرة السعودية على تحمل الخسائر في حرب حقيقية، والتي تعززت مع تبخر الرهانات على حسم سريع للحرب لمصلحتها.

امكانية تحقيق أي انتصار سعودي في اليمن؛ ثبت استحالتها منذ سنوات، بل وانحسر نطاق سيطرة السعودية وحلفائها لحيز ضيق جدًا، وبات المسار الحاكم لمجريات الأحداث على أرض اليمن هو التقدم المستمر لصنعاء باتجاه استرداد السيطرة على كامل الشمال اليمني، فلم يتبق خارج سيطرة قوات صنعاء إلا مدينة مأرب -معظم المحافظة سقطت بالفعل- من أصل ١٣ محافظة في شمال اليمن، فيما يخضع الجنوب للهيمنة الإماراتية والصراعات بين الميلشيات المختلفة.

عودة لنمط الحرب السعودية:

حينما بدأت الحرب على اليمن قاربتها أغلبية المتابعين باعتبارها حرب حقيقية ستخوضها السعودية بقواتها وحلفائها على أرض اليمن وفي سمائها، وتم النظر لها كأول حرب سعودية منذ عقود طويلة، وهو سيناريو ربما كان حاضر لدى ولي العهد السعودي، حينما اتخذ قرار الحرب، لكن ما يحدث الآن ينتمي إلى النموذج السعودي التقليدي في الحرب، ففي واقع الحال لم تنقطع السعودية عن شن الحرب طيلة العقود الماضية، ولكن بصفة غير رسمية، في أفغانستان وسوريا والعراق و ليبيا ، وليس من باب المصادفة أن اليمن شكلت المحطة الأبرز في ستينات القرن المنصرم لنموذج الحرب السعودية، حيث ساهمت السعودية بالتمويل والحشد والتسليح لأطراف عدة في وجه خصومها حينًا، وغالبا في وجه خصوم الولايات المتحدة الأمريكية.

لمن يستهين بهذه "الخبرة السعودية"، فقد تمكنت هذه المملكة لأكثر من ٥ عقود من حشد وتجنيد ملايين المقاتلين -ليس هناك خطأ في الرقم- في حروب مختلفة، سواء من خلال توفير المال لاستئجار المرتزقة، أو أدوات التعبئة الطائفية والمذهبية، ووفرت مادة دعائية وإعلامية وعبأت الرأي العام في العالم العربي والإسلامي في لمواجهة كل من رأت فيه مصدر للتهديد أو رأت الولايات المتحدة ضرورة ردعه.

رغم افتضاح عجز السعودية سريعًا عن ممارسة القتال المباشر ضد اليمنيين، أو حتى إدارة حرب ناجحة تفضي لانتصار أدواتها وهزيمة خصومها في اليمن، يبدو القرار السعودي واضح منذ عامين على الأقل؛ إدامة الحرب في اليمن ومنع استقرار هذه البلاد أو امساك اليمنين بأي فرصة لترميم الدمار وتنمية البلاد، وفي سبيل ذلك تلقت السعودية ضربات غير مسبوقة منذ تأسيسها؛ تعرضت مرافق أرامكو للضربات المتتالية، وباتت غارات الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية؛ حدث اعتيادي في ظرف الحرب، ولكن حكام السعودية لم يتراجعوا عن تشبثهم بهدف أساسي: منع اليمنيين من النهوض من هذه الحرب. لا يمكن الجزم حول الاعتبارات التي صنعت هذا الهدف، وإذا ما كانت أمريكية خالصة، أم أن هناك مصالح خاصة أبصرها الحاكم السعودي، ولكن المؤكد اليوم أن خروج السعودية من هذه الحرب؛ باتت مطلب امريكي أكثر من كونه سعودي، ولكن التساؤل الدائم: هل هذا يعني انهاء الحرب؟

معنى نهاية الحرب:

تقاتل قوات "أنصار الله" واللجان الشعبية والجيش اليمني عند تخوم مدينة مأرب وتسعى لاقتحامها بعد سيطرتها على معظم أنحاء المحافظة؛ خلال الشهور الأخيرة. سقوط المدينة وهو أمر يبدو شبه محتوم؛ يعني خروج حكومة عبد ربه المنصور هادي من المعادلة بشكل شبه نهائي، والأهم من ذلك يعني نهاية مشروع العدوان في شمال اليمن، وإمساك صنعاء بمجموعة من أهم الحقول النفطية في البلاد، والإشراف على جبهة جديدة مع الحدود السعودية.

ضد ذلك يجتهد مجموع الوسطاء العاملين على خط الأزمة اليمنية، بهدف واضح؛ وقف الحرب قبل سقوط المدينة ومعها أشياء كثيرة حاول مشروع الحرب صناعتها في اليمن.

آخر ما توصلت له الوساطة هو عرض برفع الحصار عن مطار صنعاء وجميع الموانئ التي تسيطر عليها قوات صنعاء، مقابل شروع الأخيرة في التفاوض على المبادرة لإنهاء الحرب، ما أوصل الموقف لهذه النقطة هو تشبث اليمنيين برفض أي بحث للمبادرات الدولية في ظل استمرار العدوان والحصار، وهو موقف لم ينطلق بدواعي الكبرياء، بل ارتباط بإدراك لطبيعة المخاطر.

تنطلق المقاربة اليمنية للموقف الحالي من إدراك لنوعية المساومات المطروحة خلال المفاوضات وما حملته الوساطات وأبرزها التفاوض مع مبعوثين أمريكيين في مسقط بوساطة عمانية مارس المنصرم، فما هو مطروح يعني بإخراج السعودية من المعركة وحمايتها من قدرة اليمنيين على توجيه الضربات لها، مع استمرار الحرب بأدوات أخرى، ومساومة اليمنيين على سيادتهم ومعنى كل ما قاتلوا لأجله، في مقابل حياتهم والحصار المفروض عليهم.

صحيح أن إدارة بايدن، قد رفعت حركة أنصار الله من لائحة تصنفها كحركة إرهابية، ولكنها بالتأكيد لا تنوي التسليم بترك الحركة وحلفائها تعيد بناء اليمن؛ سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا كما ترغب، ومن هذا المنطق تستميت معظم الوساطات للحفاظ على مأرب ومعها مقعد على مائدة التفاوض لحكومة عبد ربه المنصور هادي، وكذلك مقاعد أخرى للسعودية والأطراف اليمنية المحسوبة عليها.

معضلة أخرى تواجه اليمنيين في المرحلة المقبلة، وهو المشروع الانفصالي المدعوم إماراتيا في الجنوب، والذي قد يعني بشكل أو بآخر، وفي ضوء المشروع المشترك بين العدو الصهيوني والإمارات في س قطر ة قد يعني وجود قاعدة للعدو في جنوب اليمن؛ صحيح أن هذا أمر ليس باليسير تمريره على اليمنيين حتى أولئك المرتبطين بالإمارات والسعودية، ولكن المخاطر المتعلقة بالجنوب والمساعي لفصله بشكل نهائي لم تنته بعد.

اكتمال انتصار صنعاء؛ يعني قيام نظام سيادي عربي ذو تجربة عسكرية وارتباط وثيق بقوى المقاومة في المنطقة؛ يقبض على عنق البحر الأحمر، و قف على تخوم السعودية؛ مسلح بخبرة واستعدادية قتالية عالية، واعتزاز كبير بإرث من الانتصار، فهل تحتمل المنظومة الدولية المهيمنة مثل هذا؟ لهذا تحديدًا استمرت وتستمر الحرب على اليمن.