Menu

المثقف الصدى

 محمود علي السعيد

محمود علي السعيد

تنتهج معظم السلطات المتعاقبة من فجر التقويم الدهري لبدء الخليقة وحتى الساعة بشتى صنوف منطلقاتها الفكرية، وشبكة تطلعاتها المستقبلية، وآلية خط سيرها، طرائق خاصة في تفصيل مثقفيها على مقاسات الأهواء السياسية. والمشارب الاقتصادية، وأمزجة النمط الاجتماعي السائد وسيرورة عاداته وتقاليده وسلوكاته، بغية ترويج وتسويق بضائعها الحياتية بشقيها المعنوية والمادية التي في الأعم ما تكون فاسدة الشكل والمحتوى، كاسدة القيمة واللب والجوهر، فترخي الحبل على الغارب لماكينة الإعلام المكهرب، وأصابع العسس والبصاصين للتدخل في كل شاردة وواردة، من نأمة الجفن حتى كوابيس الأحلام، قصيدة لي عنق أرادة الصعلكة، وتشويش عقلية الخروج على مسارات القطعان الآدمية، وامتلاك خصوصية الكينونة الطينية الفيزيولوجية منها والنفسية وصيرورتها المشبعة بعصير ديمقراطية (الخطوة والمقولة والمرتجى)، وبالتالي هيكلة المنبع والمجرى والمصب، المولد والسلك والمصباح، عبر قوالب ومساطر وقوائم مدروسة البعد والمسافة، الطول والعرض والارتفاع، الشكل والطعم والحجم واللون، يسهل فيها ومنها الرماية والسيطرة والتوجيه، وخصوصاً في أمصار وأصقاع ما اصطلح على تسميته افتئاتاً العالم الثالث وفي الحلات الأكثر أريحية وإنصافاً العالم النامي وفي القلب منه عالمنا العربي، مهيص الأجنحة، ممزق الجبهات. ومعطوب الإدارة، باستثناء ما رحم ربك من القلة المؤمنة بقدسية المعتقد، وطهر شرف الأرض، ولؤلؤ المال من الرموز الجماهيرية، والصوى الشعبية المركوزة على مفارق الطرق ومسالك الخطوات، ومعالم الطوابق السفلية من القاع المطحون، فتلقى برصد بانورامي، وتوصيف حي ودقيق للمشهد الماثل على بساط الواقع الملموس والمعيش، دون الحاجة للاستعانة بالمجهر، أو الأقمار الصناعية، أو الراصدات المتطورة تقنية وعصرنة ورفاهية، طابور من الأرقام البشرية المدرجة اعتباطاً ومروقاً في عداد (الفكر والثقافة) أو قل: ركام من الفائض السلبي ارتضى التدخين (بتلذذ مازوشي) عن طيب خاطر، أو من خلال ممارسة فوقية سادية العصا والطرح، مرة بالترغيب والترطيب، وأخرى بالضغط والسحق والتوريط، حتى استمر اللعبة، وطفق يلهج ببركات سدنة الكرسي والمقاعد الأمامية، وأقواس المناصب الفوقية، وسادة الضلالة والبطل، يشيد بمنجزها بببغائية مقيتة، وطأطأة مرذولة، وصيغة متلمسة، بالخطاب الأكثر دورانا على الألسن بشطريه الأكبر والأصغر (النص واللغة)، غاضاً الطرف عن قاطني المنخفضات والحفر والوديان (لقمة ومشرباً ونظافة) عواطف وهواجس ورؤى، وقد طوح بالناقب في ركن قصي من محطة الضمير، وأقبية العقل الباطني، وسرادق الذات المضمرة، بعد أن أصيب بلوثة العدول عن توجيهات قيم المنظومة الإنسانية المثلي، ومجافاة التماسك البنيوي في اتخاذ القرار بتعانق أفرعة (الماء التراب – النار - الهواء) بمفهوم المجاز، حيث يفضي كل شقِّ إلى الآخر لتكتمل دورة الفصول، أسوق واحدة من مواقف الإبداع الأصيل، والسلوك الأكثر أصالة، لقاصري البصر والبصيرة، وفاقدي الرصانة والشكيمة، ومرتزقة التنظير الفهلوي والعطاء الخلبي، وبائعي الذمم: يروى أن بيتهوفن الموسيقي الأشهر من نار على علم، وقبلة على خد، بينما كان يجود في إحدى حفلاته المتميزة في أرحب الصلات المتخصصة وأوسعها صدراً بانهماك ملائكي، وتحليق صوفي خاطف، أمسك بسنارة نظره المشرعة فجأة همس الإمبراطور في أذن زوجته في أوج اشتعال جمرات الأوركسترا، وتنشيط دورتها الدموية، فانفجر غضباً، وغادر القاعة على جناح السرعة، يطلق من مسدس شفتيه ألهب الكلمات وأقساها، مما حدا باستدعائه في اليوم التالي إلى محكمة القصر لاستجلاء الأمر، وتحديد القصاص، ليكون عبرة ومثلا لكل من تسول له نفسه، أطل بعد أن أشار عقرب ضبط ايقاع الوقت إلى نقطة الصفر، يهم بطرق الباب الموصد، فمنعه الحاجب لضرورة الحفاظ على جلسة الإمبراطور الهادئة مع بعض أقطابه ومستشاريه لانشغالهم بقضية طارئة ملحاح، عاود الطلب ثانية وقد علت نبرة صوته، وحمي وطيسها: حضرت بناء على موعد محدد مع سيادته وجلالته وعظمته، أصر بالرفض ناهراً ولائماً، قفل بيتهوفن رجاءه بصيحة مدوية قل لإمبراطورك الموقر: يوجد أباطرة كثر في العالم، ولكن لا يوجد سوى بيتهوفن واحد فقط.

أهتبل الفرصة بعد أن صغرت الكليات القيمية الجوهرية، وكبرت الجزئيات الهامشية اضمحلت أو كادت تضمحل سنن الكون الراقية وحلت محلها شريعة قوننة الاستهلاك وتجار العقول (شراءً وبيعاً) وصيادي اللحظات والفرص، تعملقت الأقزام، وتقزمت العمالقة، غابت حضارات وأشرقت أخرى: لماذا علقت معظم الأقلام أربأ أن أقول كلها في عروة معطف الصفقات، وبورصت المصالح، ومشجب شركات القنص الاحتكاري، ووئدت جذوة التصدي للخروقات المفصلية، والأوبئة المستشرية، والأفيون الطاغي، ففي سالف الدقائق كانت (العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة) لتصبح في راهننا الموتور والآبق والأفاك (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة)؟

سؤال بحجم دمعة الروح، وشجن الفؤاد، ونزيف الأعصاب والجسد، أنقشه على مسلة التاريخ الأقصى والأدنى لمسيرة الخلق والكون والطبيعة، والذاكرة تصغي بكامل يقظتها بعد أن انتفضت كطائر الفينيق من تحت أكمة الرماد إلى صرخة (غوبلز) وزير الدعاية النازي في عهد الهتلرية الألمانية: كلما سمعت كلمة مثقف أتلمس مسدسي.