مديرُ مركزِ دراساتِ أرضِ فلسطينَ للتنميّةِ والانتماء/ تونس
تميّز غسان كنفاني ككاتبٍ ومبدعٍ بسمتينِ رئيسيّتين. تمثّلت الأولى في اتّساعِ دائرةِ المجالاتِ الإبداعيّة والكتابية التي تطرّق إليها، فمن التخطيطِ والرسمِ إلى الكتابةِ السياسيّة والبحث التاريخيّ، والكتابةِ النقديّة التي شملت كلَّ نواحي الابداعِ الأدبيّ، باستثناءِ الشعرِ الذي لم يصلْنا شيءٌ ينسب إليه حتّى اللحظة، وقد تفاجأنا الأيّام بما لا نعرف في هذا الجانب. وتمثّلت الثانية في كثافةِ إنتاجِه وغزارته، إلى الحد الذي جعله ينشر بأكثرَ من اسمٍ في ذات اليوم، وأحيانا في ذات وسيلةِ النشر. وتتبدّى هذه الكثافة بشكلٍ جلي إذا ما تمّت قراءتها بشكلٍ متوازٍ مع عمرِه القصير الذي لم يتجاوز الخامسة والثلاثين، ذلك جعل منه محطَّ اهتمامِ الكتّابِ والنّقاد، وكذلك على مستوى الدرس والبحث الجامعي، حيث تمّ إعدادُ عشرات دراساتِ الماجستير والدكتوراه حولَ أدبِه، وما زال الموضوعُ مفتوحًا لعديدِ الأبحاث. وهي مسألةٌ تتجاوز في دلالاتِها كونَهُ أديبًا فلسطينيًّا تمّ اغتيالهُ على يدِ العدو الصهيوني بطريقة بشعة، إلى القول: إن غسان كنفاني ترك خلفَهُ منجمًا أدبيًّا عميقَ الأغوار متعدّدَ الطبقات، كلما اعتقد الباحثون أنهم توصّلوا إلى عمقهِ الأبعدِ فوجئوا بطبقةٍ أخرى أكثرَ بريقًا وغنًى وكثافة.
ومن بين طبقاتِ أدبِ غسان كنفاني الغنيّة والخفيّة، التي تبثّ سحرَها وفتنتها في كلّ نصوصه، وتغري بقراءتهِ مرّةً وأخرى للمتخصّصين وغيرِ المتخصصين، تلك الطبقةُ المنغرسةُ في عمقِ الثقافةِ الشعبيّة. واللافت للنظر أنّ غالب الدراسات لم تتوقف أمامها أو لم تنبّه إليها بما يكفي. ونستطيع تلمّسَ قشرةِ هذه الطبقة من خلال مجموعةٍ من التقاطعات المفصليّة بين روايات غسان كنفاني والحكايات الشعبيّة ببنيتها الفنيّة المعروفة. ويمكن رصد هذه التقاطعات بشكلٍ أولي فيما يلي:
أولًا/ البناءُ الخطي الثلاثي: غالب روايات غسان ذات بِنيّةٍ ثلاثيّةٍ خطيّة، تمضي فيها الحكايةُ بشكلٍ متصاعدٍ بسلاسةٍ دون تعقيدات، من بدايةٍ تمهيديّة، ووسطٍ تتبدّى فيه العقدة الدرامية، ثم إلى نهايةٍ تتضمّن حلًّا مفتوحًا أو مغلقًا، وبعض الالتفاتات إلى الوراء إلا في الحدود الدنيا، وبهدفِ الإضاءة على الأحداث المتطوّرة. مثل رواية ما تبقّى لكم فإن الاشتغال على تيارِ الوعي يكاد يكون بسيطًا، ويقتربُ وطريقةَ الحكاية الشعبيّة، التي تتبدّى من خلال التفاتاتِ الراوي بين فينةٍ وأخرى. «ويرجع مرجوعنا" ثم يواصل الحكي. هذه البِنيةُ الخطيّةُ الثلاثة في مسارها العام، تكاد تكون أخصَّ خاصيّاتِ الحكاية الشعبيّة على مستوى البناء الفنيّ.
ثانيًا/ البطولةُ الملحميّة: كأحدِ سماتِ بناء الشخصيّات في الحكاية الشعبيّة، والتي تتبدّى ملامحُها وقد نحتت من منظومةِ قيمٍ وفعلٍ ونهوضٍ وتحدٍّ. الأمرُ الذي نتلمسه بشكلٍ جليٍّ في رواية عن الرجال والبنادق، التي ترسم صورةً ملحميّةً لثورة 1936.
ثالثًا/ العبرةُ الباقية: فالحكاية الشعبية كحكايةٍ غائيّة، غالبا ما تترك في وعي المتلقي عبرةً سواءً بشكلٍ مشهديٍّ أو لغويّ. وهو من القوّةِ التأثيريّة التي لا تجعله يعلّق بالذاكرةِ فقط، وإنّما يضبط بشكلٍ غيرِ مباشرٍ مسارَ حياة. ولذلك اتّسمت الحكاية الشعبيّة بوظيفتها التربويّة. لقد مضت روايات غسان في ذات الاتّجاه، وجمعت بين العبرة المشهديّة واللغويّة بشكلٍ مثير. في رجال في الشمس، وأبو الخيزران يواجه الجثث المختنقة في الخزان، وسؤالُهُ وهو يهمّ برميها على المزبلة: لماذا لم يدقوا جدارَ الخزّان؟ حامد وهو يقف منتصبًا في الصحراء، وبيدهِ قبضةُ رملٍ في مواجهة الجند المدجّجين، يتبادر إلى الذهن، الأرض تقاتل مع أصحابها. مشهد أم سعد في مواجهة المختار، وهي تقول: خيمة عن خيمة تفرق.. دوف في عائد إلى حيفا وهو يختم الحوار العبثي مع والدهِ بالدم: هذه المسألة لا تسوّى إلا بحرب. هذه المشاهد تبقى عالقة بالنفس والذهن بالضبط مثل نهايات الحكايات الشعبيّة التي تبقى عالقةً في وجدان المتلقين.
رابعًا/ المرونةُ الوظيفيّة: تتّسم الحكايةُ الشعبيّة، وهي تؤدي وظائفَها، بالمرونة التطبيقيّة القادرة على استيعابِ عشراتِ الأحداثِ على مسار الزمن. ولذلك تبقى الوظيفةُ قائمةً، وإن تغيّر الحدثُ ذاته، الذي تدور حوله، وهذا مصدرُ بقائها واستمرارِها، بل وتجاوزها الحدودَ الوطنيّة إلى العالميّة. وإذا دققنا في روايات غسان كنفاني وعلى الرغم من أنها كتبت في البيئةِ الفلسطينيّة، وكلّها تدور حولَ القضيّةِ الفلسطينيّة، إلا أنّها في دورِها الوظيفيّ تتجاوز إلى العالميّة. وهي مسألةٌ تبتعد عن التضخيم، وتنحصرُ في الترسيمِ الدقيق البعيدِ عن المبالغة. لنستعيد المشهد الختامي في رجال في الشمس سنجده مستوعبًا لكل مراكبِ الهجرةِ وشاحناتها، التي تدفقت في العقود الثلاثة الأخيرة في مختلِف بلدان العالم، بحثًا عن الخلاص، وانتهت بشكلٍ مأساوي. لنستعيد مشاهد المواجهة على الأقل في الروايات التي أشرنا إليها، سنجد أنّها تستوعبُ كلَّ عمليّاتِ النهوض والمواجهة الإنسانيّة على اتّساع الكرةِ الأرضية.
هذه الملاحظاتُ الأوليّة إذا كانت مجالَ اتّفاقٍ ولو بالحدودِ الدنيا، تطرح سؤالًا حولَ علاقة غسان بالأدب الشعبي، ومصادر تلك العلاقة، بل هل كان معنيًا بذلك؟
نتعرّف على علاقة غسان كنفاني بالأدبِ والثقافة الشعبيّةِ الفلسطينيّة من خلال دراستِهِ حولَ ثورة 1936، التي ركّز خلالَها على التغيّر في الوعي الشعبيّ كأحدِ أسبابِ الثّورة، إلى هنا يبدو الموضوعُ عاديًّا، لكنّ غيرَ العادي أن يتلمس غسان هذا التغيّر من خلال الأمثالِ الشعبيّة، ملتقطًا نوعيّةِ الأمثال التي بات الناس يردّدونها عشيّةَ الثورة، بالقياس إلى الأمثال التي كانوا يرددونها في فترة الركود. ليس المهم هنا الإجابة على سؤال، كيف اختبر غسان ذلك تجريبيًّا، لكن المهم أننا أمام مبدعٍ يحتلّ التراث الشعبي جانبًا مهمًّا من تفكيره؟ وبالتأكيد أن من يطلّ على الأدب الشعبي لن يتوانى على الأطلال المتعمّق في مختلِف نواحي الإبداع الشعبيّ والحياة الشعبيّة. الجانبُ الآخرُ في علاقة غسان كنفاني بالأدب الشعبيّ ناتجٌ عن كونهِ قريبًا من المخيّم الذي شكّل مصدرَ إلهامٍ لكتاباته السياسيّة والإبداعيّة، ودون الغوصِ في تفاصيلِ هذه الناحية، فمن المعروف أن شخصية أم سعد الفنيّة تعود إلى شخصيّةٍ من لحمٍ ودم، وكانت على علاقةٍ وتواصلٍ مباشر مع أسرةِ غسان كنفاني. وبالنتيجة أصبحت هذه الثقافة جزءًا رئيسًا من رصيدهِ المعرفي، وذاكرته الوجدانية العميقة، وإذا أضفنا إلى هذه المسألة اختيارَ غسان لأن يكونَ أديبًا ملتزمًا بقضايا شعبهِ الذي يخوض معركةَ تحرّرٍ وطني، ندرك أنّ الوعيَ والمعرفةَ بالثقافةِ الشعبيّة ليست حلية بالنسبة له، وإنما أداةُ فعلٍ وتعبئةٍ جماهيريّة. وفي هذا الجانب يمكن أن نجدَ إجابةً على سؤال: لماذا يبقى أدبُ غسان كنفاني متجددًا دومًا؟
ونختم بأنّ ما طرحناه ليس سوى ملاحظاتٍ أوليّةٍ تحتاج إلى بحثٍ تفصيليٍّ أكثرَ عمقًا وتدقيقًا.

