أنتجت القضيّةُ الفلسطينيّةُ العديدَ من المبدعين في الشِّعرِ والروايةِ والمسرحِ والغناء، ومجالاتٍ شتى، وعلى رأسِ هؤلاءِ: الأديبُ غسان كنفاني ، الذي استلهم تجربتَهُ الأدبيةَ من واقعِهِ المعاصر، وجعل من مأساةِ الفلسطيني ملحمةً تتوارثها الأجيال، فلا يكتبُ بقدرِ ما يُمارسُ الثّقافةَ الثوريّةَ التي أثّرت في أجيالٍ متعاقبةٍ؛ سواءً من النّخبةِ المثقّفةِ أو الجماهيرِ الثّائرة. لم تكن أعمالُ غسان كنفاني الإبداعيةُ منغلقةً على نفسِها، ولا تحاكي الواقعَ بالمعنى السّاذج، وإنّما كانت – وما زالت – إعادةَ صياغةٍ للواقعِ من خلالِ رؤيةٍ ثوريّةٍ مُحرِّضَةٍ على التمرّدِ والثّورة، وطرحِ المزيدِ من التساؤلاتِ الوجوديّةِ المُقلقة، فإذا قرأنا رواياتِ كنفاني نجد كلَّ واحدةٍ منها درسًا في الثّورةِ قبلَ أيِّ شيء. مثلًا: في روايةِ "رجال في الشمس" عرضَ القلقَ الوجوديّ الإنسانيّ عندَ الفلسطينيّ بعدَ تهجيرِهِ من أرضِه، والسؤالُ الوجوديُّ الأهمُّ في الرّوايةِ هو: "لماذا لم تدقّوا جدرانَ الخزّان؟" فالإنسانُ يتحقّقُ وجودُهُ بموقفِه. وفي روايةِ "عائد إلى حيفا" كان غسان مولعًا بوصفِ المكانِ والتفاصيل، حيثُ تعمّقَ في وصفِ حيفا وشوارعِها ومرافقِها، وهذا يرتبطُ بالتساؤلِ الأساسِ للرواية: "أتعرفينَ ما هو الوطنُ يا صفية؟" أيْ قلقُ الإنسانِ الفلسطينيّ الذي تمنّى أن يبقى له وطن. وفي غالبِ أعمالِهِ أثارَ غسان تساؤلاتِ الوطنِ والوجود.
كان غسان كنفاني صادقًا مع نفسِهِ وشعبِه، ملتزمًا بالقيمِ النضاليّةِ الثوريّةِ والقوميّة، فالوظيفةُ الأولى للأدبِ عندَهُ: هي النقدُ والتحريض. إنّهُ ثوريٌّ يكتبُ الروايةَ وروائيٌّ يكتبُ المقالَ السياسيّ، فلا يُفْصَلُ بينَ رؤيةِ السياسيّ وإبداعِ الروائي. إنّ غسان بشكلٍ أو بآخرَ اعتمدَ على خلفيّةٍ أيديولوجيّةٍ ماركسيّةٍ في معظمِ كتاباتِه، والأهمُّ من ذلك كلِّهِ أنّه مارسَ العملَ السياسيَّ والحزبيَّ كما يُنظَّرُ له في كتاباتهِ وأقوالهِ التي غدت عناوينَ رئيسةً للثّورةِ الفلسطينيّة، بل لكلِّ حركاتِ التّحرّرِ والثّوراتِ الحقيقيّة. أصبح غسان أيقونةً للوعي الثوريّ، بعبارةٍ أخرى: أنتجَ مقولاتٍ استلهمها من تجربتهِ النضاليّةِ الخاصّة، فلم يمتْ قبلَ أن يكونَ ندًّا، وأدرك تمامًا أنَّ له شيئًا في هذا العالم، فقامَ وناضلَ واستشهدَ في سبيلِ الفكرة. ونستطيع القولَ: إن أدبَهُ استمدَّ الأهميةَ من تعبيرهِ عن معاناةِ الجماهير، نعم: إنّنا نعترفُ بأيديولوجيّةِ الأدبِ عندَ غسان كنفاني، ولكنّها ليست تنظيرًا متعاليًّا ولا محاولةَ فرضِ المرجعيّةِ الثقافيّةِ والفكريّةِ على القارئ، بل هي همُّ الشّعبِ الفلسطينيّ ومعاناتهِ التي عاشها بعدَ النّكبةِ في الداخلِ والخارج، إنّها تمامًا اليسارُ الثوريّ في أبهى تجلياتِه. والمتأملُ في كتاباتِ كنفاني الأدبيّة؛ يعرفُ أنّه أمامَ أنموذجٍ فريدٍ من "الأدب المقاوم" يحرصُ على الوقوفِ دائمًا إلى جانبِ القضايا العادلةِ ضدَّ التخلّفِ والرجعيّةِ والاستعمارِ والتبعيّةِ والطبقيّةِ وغيرِها، ونلمسُ ذلك بوضوحٍ في رواية "أم سعد".
يمثّلُ كنفاني أنموذجَ الأديبِ الملتزم، ويعطينا تصورًا واضحًا عن الأدبِ المقاوم، الأدبِ الذي يصدرُ من إيمانٍ عميقٍ بالفكرةِ المطروحةِ في النصِّ النابضِ بالحياةِ والتمرّدِ والثّورة، الطامحِ إلى التغييرِ من خلالِ التأثيرِ في وعي الجماهير، ولا يستطيعُ أحدٌ إلغاءَ دورِ الأدبِ في هذا المضمار، وخيرُ دليلٍ على ذلك أنَّ مقولاتِ غسان كنفاني وغيرِهِ من أدباءِ القضيّةِ الملتزمين، أصبحت متأصّلةً في ذاكرةِ الشّعبِ الفلسطيني، ومضمرةً في وعيهِ الجمعي، تُردَّدُ في المظاهرات، وتُكتبُ على الجدرانِ في المناسباتِ الوطنيّةِ والقوميّة، ولا أُبالغُ إنْ قلتُ: إنّها حرَّضَت وغيَّرت في بعضِ مراحلِ النّضالِ الفلسطينيّ لا سيّما خلالَ القرنِ الماضي.
- والحقُّ أنّ الجيلَ الشابَ في فلسطينَ والأقطارِ العربيّةِ كافةً، بحاجةٍ ملحّةٍ إلى تعميمِ فكرِ غسان كنفاني وغيرهِ من الرفاقِ اليساريين، أصحابِ الرّؤيةِ الثوريّةِ والإيمانِ العميقِ بالقوميّةِ والقضايا الإنسانيّةِ المحقّة، والخلاصِ من قوى الاستعمارِ والتجهيلِ والتخلّف، فالثقافةُ السائدةُ اليومَ هشّةٌ وزائفة، لا تملكُ أدنى مقوماتِ الرقيِّ والتغييرِ نحوَ مستقبلٍ أفضل، إنّها ثقافةُ القرونِ الوسطى بأقنعةٍ جديدة، لم تجلبْ لنا غيرَ مزيدٍ من الاستعمارِ والهلاكِ والخراب.

