في الجريدة اليومية وفي الإذاعات، سباق محموم بين الجامعات، ليس كلها على أية حال، لاختطاف أكبر عدد من الزبائن: أي الطلبة الجدد. يذكرني هذا وللحق بمهرجانات العودة للمدارس في عروض القرطاسية، أو عروض بنطالات الجينز على اعتاب الأعياد، وحتى عروض الأحذية الرياضية. عندما تفعل الجامعات كل ذلك فأي فرق بينها وبين اي مؤسسة تجارية؟ بل وأكثر: يتسابقون في المبالغة باستخدام صيغ كاذبة من نوع: لدينا التعليم المتميز، لدينا البيئة الجامعية المنتجة، نحن نشجع الإبداع والبحث العلمي، وغير ذلك من الصيغ الممجوجة التي لا تساوي الحبر المكتوب بها على أرض الواقع.
الواقع غير ذلك تماماً والعديد العديد من الطلبة والمحاضرين يعرفون ذلك: بعض الإدارات تعمل كإدارات بوليسية ضد الطلبة والمحاضرين، بعضها يدعم جماعات دواعشية تفرض تفكيرها على الحياة الجامعية، جميعها تنهض على قاعدة تجارية: تعمل للسوق واحتياجاته لا للإنتاج المعرفي فهي غدت وكيلة لرأس المال لا أكثر وشعارها (تخصص لا يغطي مصاريفه ليغلق) مثلما يقول اي مستثمر (سلعة لا سوق لها لا نتوقف عن إنتاجها).
عندما يتم تسليع التعليم فليكفوا عن الحديث عن الإبداع والبحث العلمي. راقبوا فقط أسعار الساعات المعتمدة ليتأكد لكم أن الفقراء لا مكان لهم في الجامعات. لا تستغربوا عندما تسمعون أن بعض الأهالي يستقرضون من البنك أو يبيعون قطعة أرض أو يستدينون من آخرين فقط لتعليم أبنائهم.
ومع ذلك لا يصح إلا الصحيح: التعليم شأن الصحة ينبغي أن يكون مجانياً، وغيره مثل السكن والمواصلات والغذاء ينبغي توفيره للجميع بأسعار رمزية.
سيجادل بعض الغارقين في عبادة السوق قائلين بأن هذا اشتراكية. حسناً إنها ملامح اشتراكية وهي ممكنة وببساطة. لنأخذ التعليم مثلاً: كل الاستثمار في الطالب يتم لخدمة 3 قطاعات رئيسة في المستقبل وهي القطاع العام والخاص والمؤسسات والمنظمات الأهلية. إذن ليتكفل هؤلاء بدفع قيمة هذا الاستثمار الذي سيخدمهم في النهاية. بضعة ملايين من أرباح شركات التأمين والاتصالات والبنوك والعقارية وموازنات المنظمات غير الحكومية الضخمة ومن موازنة السلطة بدلا من أجهزة أمنية في خدمة الاحتلال... من كل هؤلاء يمكن جعل التعليم مجانيا وبهدوء من عمر صفر في الحضانة حتى الدراسات العليا.
هل من الصعوبة فرض شيكل زيادة على علبة سجائر مثلا لخدمة التعليم المجاني؟ هل من الصعوبة فرض بضعة شواقل على البنزين لخدمة التعليم المجاني؟ على مساحيق التجميل، على الأجهزة الكهربائية، على السيارات الحديثة على على على.
كلنا يعرف أن هذا ممكن، ولكن عقلية السوق الرأسمالي المتحكمة بأصحاب القرار والمنتمين بشغف لها لا تسمح بهكذا قرار وليذهب الفقراء للجحيم، هذا لسان حال الإدارات اليوم مع (تسعيرة) التعليم لديها.

