أثارت عودةُ حركة طالبان للسلطة في أفغانستان شهيّةَ الخبراء والقادة السياسيين والمحللين ووسائل الإعلام على اختلاف اتجاهاتها ومواقفها في أرجاء المعمورة، وانقسمت الآراءُ بين مرحبٍ بقدرةِ طالبان على تحقيق النصر، ومنظّرٍ بهزيمة الولايات المتّحدة وتمريغ أنفها في التراب، إلى رأي يفترض أن ما حصل في أفغانستان ما هو إلا مجرّدُ مؤامرةٍ، طرفاها حركةُ طالبان والولاياتُ المتّحدة. وإلى رأيٍ ثالثٍ يقول: إنّ الولايات المتّحدة تتبنّى استراتيجيّةً جديدةً في المنطقة تقود إلى تقليصِ وجود قوّاتها في المنطقة تحديدًا، هذا أولًا، وحماية مصالحها بواسطة أدواتها، ثانيًا.
وفي الواقع؛ إنّ ما يدور في أفغانستان دروس تستحقّ الدراسة المتأنيّة، والجديّة، والدقيقة؛ بعيدًا عن التحليل المرتبط بالفكر المحوريّ، والتكتّليّ السياسيّ، وحتّى الأيديولوجيّ.
وقبل هذا وذاك، لا بدّ من الإشارة إلى طبيعة أفغانستان وسيكولوجيّة الشعب الأفغاني؛ متعدّد القوميّات، والإثنيّات، والمذاهب، واللغات، فهو شعبٌ يكره الأجنبي الذي يتدخّل في شؤونه الداخليّة، ويفخر بأنه قتل ما يقارب عشرين ألفًا من الجيش البريطاني، وقاوم التدخّل السوفييتي حتى أجبره على الانسحاب، وكانت أفغانستان أحد عوامل تفكّك الاتّحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكيّة، وكان جيرانه يحسبون له ألفَ حسابٍ ويهابونه؛ لاستعداده لمقاومة كل من يجرؤ على وضع موطئ قدمٍ له في البلاد، ويردّدون دائمًا أنهم شعبٌ لا يعرف للهزيمة طريقًا، وكل من غزا أو حاول غزو أفغانستان فشل ودفع الثمن غاليًا؛ من خسائرَ بشريّةٍ وماديّة، إضافةً إلى طبيعة أفغانستان الجبليّة التي تشكّل تضاريسُها عائقًا أمام كل من يتربّص بها ويضمر الشر لأهلها.
أما الحدث الذي أذهل المحلّلين، كما جاء في تحليلاتهم، الذي لم يفاجئني شخصيًّا، فهو القرار الأمريكي بسحب القوّات من أفغانستان طوعًا، وتسليمها لحركة طالبان رغم ما بذلته من تطويرٍ وتحديثٍ في الجيش الأفغاني، وتسليحه بأحدث المعدّات وتدريبه، وإنفاق المليارات عليه. لكنه لم يطلق رصاصةً واحدةً على مسلحي حركة طالبان؛ فاستسلمت المواقعُ العسكريّةُ واحدًا تلو الآخر دون مقاومة، وفرّ المسؤولون في الحكومة السابقة طالبين النجاة والنجدة والمساعدة من القوّات الأمريكية لحمايتهم من "بطش" طالبان وإجلائهم من البلاد، ولكن حركة طالبان؛ فاجأت الجميع بالمراسيم التي أصدرتها تباعًا، وأهمها: العفو العام عن كل من كان يعمل مع الحكومة السابقة الفارة من وجه "عدالة" طالبان، وكل من يسلّم نفسه للحركة دون مقاومة، والسماح لمن يرغب بمغادرة البلاد دون التعرّض من قبل مسلحيها. كما أن الحركة لا تمانع بمشاركة المرأة في الحكومة التي تنوي تشكيلها، وحقها الاختياري في ارتداء الحجاب دون إكراه، واستمرار الحركة بالحوار مع بعض الشخصيّات النافذة في الحكومة السابقة للمشاركة في حكومة طالبان. أما الأهمّ من هذا كله، الذي يدعو للتأمّل والتدقيق، فهو المفاوضات الجارية بين ممثلي حركة طالبان، والولايات المتحدة برعايةٍ قطر يةٍ في العاصمة الدوحة.
إنّ القوات الأمريكيّة ما زالت تسيطر على مطار العاصمة كابل، وموجودةٌ في السفارة الأمريكيّة، وما زال قائد القوات الأمريكية التي كانت تُحكِم السيطرة على أفغانستان؛ يفاوض قادة طالبان على إخلاء الرعايا الأمريكيين وحلفائهم الغربيين وأدواتهم من الأفغان، وما يشدّ الانتباه هو ترحيب دول الجوار بعودة حركة طالبان للسلطة. وفي هذا المقام أسمح لنفسي أن أجتهد وأغرّد خارج سرب ما يقوله بعض المحلّلين والخبراء بقراءةٍ معمّقةٍ ودقيقةٍ وحياديّةٍ لمجريات الأحداث في أفغانستان:
إنّ عودة طالبان تطرح الكثير من التساؤلات التي تحتاج إلى إجاباتٍ ودروسٍ مستخلصة، حيث إن الإسلام السياسي في منطقتنا يهلّل ويطبّل مرحبًا بعودة حركة طالبان للسلطة، وأنها حقّقت نصرًا مؤزّرًا على أمريكا وهزمتها، وأن هذا النصر نصر إلهي، وبشرى سارة لتولي الإسلام السياسي مقاليد الحكم في المنطقة، وان حركة طالبان ستصبح إحدى قوى المقاومة ضد الولايات المتّحدة.
ونحن نعي قدرة الإسلام السياسي على خداع الفقراء وتضليلهم والتغرير بهم، وهذا ناقوس خطرٍ يدقّ في عالم القوى الداعية إلى الديمقراطيّة والحريّة والعدالة الاجتماعيّة، وبناء المجتمعات الخالية من الاستغلال، وتساوي الفرص بين الجميع؛ فالحذر من مغبّة وقوع القوى الديمقراطيّة في فخّ الإسلام السياسيّ مجدّدًا، تحت حججٍ واهيةٍ وبالية، وأن الإسلام السياسيّ معادٍ للإمبرياليّة والصهيونيّة.
ويجب التدقيق والتمحيص في ادّعاء أن القوّات الأمريكيّة وأدواتها في أفغانستان وما تملك من قوةٍ، ومن دعمٍ ماديٍّ ولوجستيّ قد هزمت بهذه البساطة، ألا يجدر التفكير في أن حركة طالبان عندما عادت للسلطة وما طرحته وتطرحه من شعاراتٍ برّاقةٍ وفارغة، إنما تهدف لتقديم أوراق اعتمادها كما فعلت وتفعل شقيقاتها في المنطقة لكسب ودِّ أمريكا وحلفائها؟
قد تتخلّى حركة طالبان لفظيًّا عن دعمِ أيّ قوى خارج حدود أفغانستان، ثمّ عندما تشكّل حكومة تصبح كل مكوناتها وكادرها في موقعٍ علنيّ، ومن ثَمَّ تكون قد تعرّت وأصبحت مكشوفةً تمامًا أمام الولايات المتّحدة وحلفائها، وعليه، إمّا أن تصبح مطواعةً ومروّضةً، أو أن تعاند وتشاكس، وهنا يمكن الانقضاض عليها بسهولة، وأبسط دليلٍ أن هناك ثلاثة مقاطعات في الشمال الأفغاني ما زالت خارج سيطرة حركة طالبان؛ يمكن أن تشكل حركة رفض ومقاومة لهيمنة طالبان وسيطرتها على أفغانستان، وبناءً على ما تقدّم ستبقى أفغانستان في المدى المنظور مضطّربةً، وغيرَ مستقرّةٍ، وساحةً مفتوحةً للقوى الإقليميّة والدوليّة، وستبقى مصدرَ خطرٍ وتهديدٍ في المنطقة، ومسرحًا لتصفيةِ الحسابات الإقليميّة والدوليّة. والأيام القادمة حُبلى بالمفارقات والمواقف والمفاجآت التي سوف تشغل المحلّلين مجدّدًا.

