Menu

أول الغيث .. تمرد الحلفاء

د. محمد السعيد إدريس

بوابة الهدف الإخبارية

على مدى سنوات التاريخ المعاصر تولدت قناعة ، شبه عالمية بأن الأوروبيين باتوا عاجزين عن إدراك وتعلم دروس التاريخ، لا فى علاقتهم بأنفسهم، ولا بعلاقتهم مع حليفهم الأمريكى، ولا فى علاقتهم مع شعوب العالم الأخرى، وبالذات شعوب نصف الكرة الأرضية الجنوبى أياً كانت مسمياتها لدى الغرب كله: دول متخلفة أو دول نامية أو دول بدائية، آسيوية كانت أم أفريقية أم أمريكية لاتينية. أنماط التفاعل الأوروبى مع هذه الشعوب كانت ومازالت أنماطاً خالية من عبر ودروس التاريخ، لذلك لم يكن غريباً مثلاً أن يسترجع رئيس لجنة العلاقات الخارجية فى البرلمان البريطانى توم تيوجيندهات الفشل البريطانى فى العلاقة مع العالم العربى وخاصة مع مصر (بعد ثورة 23 يوليو 1952)، وهو يتأمل دراما الفشل الأوروبى- الأمريكى الجديد فى أفغانستان فى استرجاع مفعم بالدلالات حول مستقبل القوى العظمى والكبرى الأمريكية والأوروبية بعد المشهد الأفغانى الجديد وخاصة مشهد الهروب المتعجل والمتعثر من أفغانستان عقب عودة سيطرة حركة "طالبان" على البلاد.

فقد اعتبر توم تيوجيندهات أن "أفغانستان هى الخطأ السياسى الأكبر منذ كارثة السويس". هو هنا يريد أن يلفت الأنظار إلى ما أحدثته حرب السويس عام 1956 من تخليق عوامل انهيار الإمبراطورية البريطانية، أو على الأقل التعجيل بها، ويريد أن يلفت أنظار الأوروبيين إلى المآل الأمريكى المحتمل نتيجة ما حدث فى أفغانستان .

هل هذا يعنى أن الأوروبيين استخلصوا الدروس واستوعبوها، أم أنهم على مازالوا على عهدهم من الاستكبار على التاريخ ودروسه، وأنهم لن يمتلكوا بعد القدرة على استقلال الإرادة عن الحليف الأمريكى، وأنهم غير مستعدين لتحمل أعباء وتكاليف تأسيس قوة أوروبية مستقلة، لكن الأهم أنهم غير مؤهلين لصياغة فكر استراتيجى أوروبى قادر على التخلص من كل تركة الأفكار الاستعمارية التاريخية فى التعامل مع الشعوب الأخرى.

التشكك فى القدرة الأوروبية على استخلاص الدروس خاصة فى العلاقة مع الولايات المتحدة تؤكده تجربتان أوروبيتان فاشلتان فى استخلاص الدروس من علاقة التبعية للولايات المتحدة. التجربة الأولى عقب انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفيتى وغياب النظام العالمى ثنائى القطبية. فقد أدت كل هذه الأحداث، مع وصول "اليمينيون الجدد" إلى السلطة فى الولايات المتحدة ودعوتهم إلى ضرورة أن تتحول الولايات المتحدة إلى "قوة إمبراطورية عالمية"، إلى ظهور أفكار أمريكية معادية لتوحد الأوروبيين ساعية إلى تفكيك الاتحاد الأوروبى والحيلولة دون تمكينه من تكوين قوة عسكرية أوروبية مستقلة باعتبار أن ذلك يؤثر سلبياً على القوة الأمريكية والسيطرة الأمريكية على حلف شمال الأطلسى ورغم ذلك على جعلها دولة من دول العالم الثالث.

لم يستخلص الأوروبيون الدروس من هذه التجربة للسعى نحو اتخاذ إجراءات حقيقية لاستغلال الإرادة عن الولايات المتحدة. وجاءت التجربة الثانية للاستعلائية الأمريكية فى التعامل ليس فقط مع أوروبا بل وأيضاً مع حلف شمال الأطلسى فى السنوات الأربع التى قضاها الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب فى السلطة، الذى تعامل بازدراء واستعلاء مع أوروبا وحلف شمال الأطلسى ورفع شعار "أمريكا أولاً".

الآن هل سيجدد الأوروبيون الأخطاء؟

السؤال مهم لأن المرارة أضحت عالقة وبقوة فى حلوق الأوروبيين من التصرفات الأمريكية الأخيرة فى أفغانستان، وكثير من الأوروبيين يتساءلون مثلهم مثل الكثيرين فى العالم الذين تابعوا التجربة الدرامية للانسحاب الأمريكى من أفغانستان؛ هل مازالت أمريكا قوة عالمية يمكن الوثوق بها والمراهنة عليها؟

كثير من هؤلاء أضحوا على قناعة بأنه إذا كان الغزو الأمريكى لأفغانستان عام 2001 نقطة تحول جيوسياسية فى جنوب آسيا والعالم، فإن الانسحاب الأمريكى الفوضوى وعودة "طالبان" إلى السلطة بسرعة قياسية سيضع المنطقة على عتبة تحولات استراتيجية ستفرض نفسها حتماً فى ظل عوامل كثيرة أبرزها ما يظهره الأمريكيون من عجز عن مواصلة القيام بدور القوة العالمية العظمى، وسيطرة تيار "الانكفاء الداخلى" على توجهات السلطة فى واشنطن، وتربص القوى العالمية والإقليمية الكبرى بالتداعيات المحتملة فى أفغانستان، لكن الأهم هو تشكك حلفاء الولايات المتحدة سواء كانوا أوروبيين أو آسيويين فى جدارة استمرار الرهان على القوة الأمريكية باعتبارها قوة عالمية عظمى، وظهور متطلبات جادة بالمراجعة وبلورة رؤى استراتيجية بديلة.

هذا التشكك لدى الحلفاء يعتبر المتغير الأهم فى كل تلك التحولات المحتملة كرد فعل لما حدث فى أفغانستان، لكن يبقى التريث ضرورياً فى التعامل مع هذا المتغير نظراً للخبرات التاريخية المأساوية فى عدم استيعاب هؤلاء الحلفاء الدروس، رغم ذلك فمن الضرورى متابعة ما يحدث من تفاعلات مهمة بين الأوربيين وخاصة البريطانيين الذين هم أهم حلفاء الولايات المتحدة. فإذا كان تونى بلير رئيس الوزراء البريطانى الأسبق (شريك جورج دبليو بوش فى غزو أفغانستان و العراق عامى 2001 ، 2003) قد عبر عن صدمته القوية من الانسحاب الأمريكى من أفغانستان دون تشاور مع الأوروبيين الذين شاركوهم حرب الـ 20 عاماً فى أفغانستان، ومن تهافت الأمريكيين على هذا الانسحاب دون ترتيب للأوضاع الداخلية الأفغانية والتخلى المخزى عن الشعب الأفغانى، وإذا كان بلير قد أدان القيادة الأمريكية ودعا الغرب أن "يقدم دليلاً ملموساً" على أنه "ليس فى عصر انكفاء"، فإن وزير الدفاع البريطانى بن والاس اعتبر أنه " لم يعد من الممكن اعتبار الولايات المتحدة قوة عظمى"، فقد نقلت عنه صحيفة "الجارديان" البريطانية قوله أن "القوة العظمى غير المستعدة للالتزام بشئ ما، قد لا تكون على الأرجح قوة عظمى". وقبل أسابيع قليلة ووجه بوريس جونسون رئيس الحكومة البريطانية بانتقادات لاذعة داخل مجلس العموم تستنكر تبعية القرار البريطانى لواشنطن، ما دعا رئيسة الحكومة البريطانية السابقة إلى أن تسأل باستنكار "أين الشعار الذى رفع بعد (البريكست) فى بريطانيا ويتحدث عن حلم بريطانيا العظمى".

تحولات أخذت تحدث فى الإدراك الأوروبى لخطورة استمرار التعويل على الحليف الأمريكى فى الدفاع عن الأمن والمصالح الأوروبية، ربما تتحول إلى سياسات أمنية أوروبية جديدة، نشير فيها هنا إلى قول جوزيب بوريل المفوض الأعلى للسياسة الخارجية والأمن فى الاتحاد الأوروبى (الخميس 2/9/2021) أن "الهزيمة فى أفغانستان تؤكد حاجة أوروبا إلى تطوير قدرات دفاعية مستقلة".

أول بشائر هذه السياسات ظهرت فى المباحثات التى شهدتها سلوفينيا (الخميس 2/9/2021) بين وزراء دفاع الاتحاد الأوروبى لتطوير قدرات عسكرية أوروبية مشتركة فى إطار مراجعة استراتيجية الدفاع لدى الاتحاد الأوروبى، وطرح استراتيجية دفاعية جديدة تأخذ فى اعتبارها ما قاله جوزيب بوريل بأن "الهدف الأساسى أن يصبح التكتل الأوروبى فاعلاً بصورة أكثر استقلالية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية فى الوقت الذى تبدو فيه أن الولايات المتحدة تنسحب من المسرح العالمى"، وهو ذات المعنى الذى اكدته وزيرة الدفاع الألمانية فى ذلك الاجتماع بقولها أن "العبرة مما حصل فى أفغانستان هى أنه علينا أن نصبح مستقلين أكثر بصفتنا أوروبيين وأن نكون قادرين على التحرك بشكل مستقل أكثر".

قد تكون هذه مجرد مقدمات أو بشائر للتحول لكنها ضرورية للوعى بعمق التحولات العالمية فى مرحلة ما بعد السقوط الأمريكى فى أفغانستان .