Menu

الحركةُ الوطنيّةُ الفلسطينيّة.. ومهماتُ ورشةِ إعادةِ البناء

محمد صوان

نُشر هذا المقال في العدد 29 من مجلة الهدف الإلكترونية

صحوةُ القدس – هبّة القدس – تشكّل مدخلًا مفصليًّا آخر، وفرصةً مواتيةً لوقف الدوران في حلقات الاضطهاد والعنصرية، والمضي قدمًا في حالةٍ شعبيةٍ اشتباكيّةٍ تنتقل من الشارع والميادين إلى أروقة العمل السياسي والحزبي والتمثيلي، ومنها إلى جميع مناحي الحياة الفلسطينية؛ ليشكّل الاشتباك الشعبي نهجًا للحياة في ظل تغوّل الكولونيالية العنصرية الصهيونية.

البقاء والصمود كاستراتيجيةٍ دفاعيةٍ هو فعلٌ في غاية الأهمية، إلا أن المقاومة والاشتباك الشعبي اليومي مع الاحتلال وأساليب استعماره؛ يشكّل الفعل الواجب المكمّل من أجل التحرر والانعتاق، وهذا الفعل الواجب هو المحرك الحقيقي لميزان القوى، والمعيار الذي يرغم الجميع على أخذه بالحسبان؛ غير أن هذا كله يتطلب حاضنةً وبوتقةً توحّد الجهود، وتبني استراتيجيتها الوحدوية؛ كي تصنع التغيير لجميع الفلسطينيين أينما كانوا.. ربما هذا غير ممكنٍ في ظل الأطر السياسية والفصائلية وأساليب القيادة السائدة، لكن سياق الأحداث لا يجعل المهمة مستحيلة، بل يجعلها أكثرَ إلحاحًا؛ فالتجربة والنظرية يؤشران إلى أن استمرارية حلقات الاشتباك مع المحتل وديمومتها، والالتفاف الشعبي حولها والانخراط الجمعي فيها، من أجل إعادة تعريف المشروع الوطني وأهدافه، وإعادة بناء النظام السياسي وأدواته ومؤسساته التمثيلية، ما هي إلا خطواتٌ تصحيحيةٌ وتصويبيةٌ طال انتظارها.

لقد أعلن الجيل الجديد جهوزيته للانخراط في هذه الورشة الإصلاحية في أكثر من مناسبة – سواءً كانت هادئةً أم صاخبة – ولأسبابٍ موضوعيةٍ وذاتيةٍ تذبذبت حدة الإعلان عنها طردًا مع درجة تذبذب الفعل واستمراريته؛ الأمر الذي لا يقلل من شأن الفعل أبدًا، خصوصًا في ظل حالة الاضطهاد والقمع التي تمارس على الشعب الفلسطيني.

العملية التراكمية الآخذة بالتبلور تؤسس لوعيٍ جديدٍ وفكرٍ سياسيٍّ مختلِف؛ يهدفان لمعالجة تبعات تراكم الفشل والإحباط على مر العقود الثلاثة الماضية، كذلك فإن هذه العملية التراكمية أفرزت قيادتها الميدانية، ورسّخت المبادئ لفعل الصمود والمقاومة، وتتمثل الحلقة المفصلية التي يمكنها تغيير قواعد الاشتباك بتبني المقاومة اليومية الشاملة، وانضواء جميع المكونات تحت رايتها، عندها ستبدأ الفجوة بين الشعب وفصائله بالاضمحلال، ويبدأ الشعب المنتفض ببناء قاعدة القوة الخاصة به؛ ليواجه بها المشروع الاستعماري الصهيوني، ومشاريع التطبيع العربية، والتسوية الإقليمية غيرَ العادلة. لا شك في أننا لسنا قريبين من بناء تلك القوة الوحدوية، إلا أن أوجه مراحل الانتقال من مرحلةٍ إلى أخرى تقتضي وضع الرؤى والتصورات، والسعي لبلورة سياساتٍ وخطواتٍ عمليةٍ وعينيةٍ وفكريةٍ للخروج من الأزمة:

1/ تأكيد الهدف الوطني المركزي وإعادة صياغته بوضوح؛ ليصبح إنجاز التحرير والعودة وتقرير المصير وممارسة السيادة في دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ عاصمتُها القدس... هذه صياغةٌ مغايرةٌ لمفهوم "إقامة الدولة" باعتبار أن الدولة حقٌّ طبيعيٌّ وتاريخيٌّ للشعب الفلسطيني، ومدعومةٌ بالاعتراف الأممي وقرارات الشرعية الدولية. بكلماتٍ أخرى: إن الشعب الفلسطيني لا يحصل على الدولة من إسرائيل، ولا يتفاوض معها على وجود الدولة... فضلًا عن أن الشعب هو مصدر السيادة، وأن "إسرائيل" لا تملك أي جزء منها..!

2/ إعادة تحديد طبيعة العلاقة بين "الطرفين" الفلسطيني والإسرائيلي – ومقاربة حل الصراع، وهذه علاقةٌ ينبغي أن تبقى، بوضوحٍ، علاقةَ قوةِ احتلالٍ كولونيالي بشعبٍ تحت الاحتلال، وهي علاقةٌ عدائيةٌ بداهةً، إلى أن يتمَّ التوصلُ لحلٍّ عادلٍ وشاملٍ ينهي الاحتلال، ويمكّن الشعب من حقه في تقرير مصيره بنفسه وفوق ترابه الوطني، وهو ما لم يحدث حتى اليوم. إن مجرد وجود "عملية سلام" لا يغيّر من طبيعة العلاقة العدائية؛ فالعلاقة ليست علاقةَ سلام، والمقاومة الفلسطينية ينبغي أن تكون مقاربةً كفاحيةً بكل الأشكال، وفي جميع المجالات، ثمّ، مغادرة نظرية "لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات".

3/ إعطاء الأولوية لإنجاز مهمات مرحلة التحرر الوطني والديمقراطي، مع ما يتطلبه ذلك من تغييراتٍ بما في ذلك إعادة النظر بوظيفة السلطة الفلسطينية؛ كي تبقى سلطةً خدماتية، مع تركيز المهمات السياسية والتمثيلية بمنظمة التحرير الفلسطينية بعد إعادة بنائها، وإعادة توجيه قدرات الأجهزة الأمنية، وربما الاستغناء عن بعضها، ومراجعة العقيدة الأمنية لهذه الأجهزة والمهمة المناطة بها.

4/ تحديد الخطر الرئيسي المباشر والتركيز على محاربته؛ فالخطر الرئيسي الذي يمثل التهديد المباشر لوجودنا الوطني هو الاستيطان الكولونيالي لبلادنا؛ لأنه ينفي حقنا في الأرض والوجود، وهو عمليًّا يستعمر بلادنا ويمنع استقلالنا، ثمَّ، فإن جميع الممارسات الصهيونية المعادية تنبع من الاستيطان الكولونيالي، بل إنه السبب الجوهري لوجود الاحتلال واستمراره، إلى جانب السبب الأمني الذي تركز عليه الحركة الصهيونية.

نحن لدينا أدواتٌ هائلةٌ: قانونيةٌ، وسياسيةٌ، قادرةٌ على تمكيننا من كسب المعركة إذا أحسنّا استخدامها، لكنَّ ذلك مشروطٌ بتعبئةٍ كاملةٍ ومشاركةٍ شاملة، ومد جسور التنسيق مع الإقليم والعالم لبناء منظومةٍ من العقوبات على المستعمرين والمستعمرات – شهدنا إرهاصاتٍ وردودَ الفعل الصهيونية على قرار الاتحاد الأوربي بوسم منتوجات المستعمرات – وهذا مختلِفٌ عن حركة المقاطعة لإسرائيل المعروفة بــ "B D S"؛ فهذه الأخيرة تقوم على أساسٍ سياسيٍّ وأخلاقي، يستهدف مؤسسات القطاعين: العام، والخاص، بينما تستهدف الفكرة الأولى الدول وتقوم على أساس ضرورة تنفيذ هذه الدول لالتزاماتها القانونية التعاقدية وَفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.

5/ إعادة الاعتبار للمؤسسات الفلسطينية، لا سيما السياسية منها -  مع الحرص على بنيتها الديمقراطية – فالمؤسسات الفلسطينية غائبة؛ الأمر الذي مثّل خللًا جوهريًّا ينبغي علاجه؛ فقد غاب المجلس الوطني، وما ينبثق منه من هيئات، وغاب المجلس التشريعي، وانتهى معه التوازن بين الجهة التشريعية والجهة التنفيذية، وغابت النقابات المهنية والاتحادات الشعبية. وفضلًا عن أهمية إعادة بناء هذه المؤسسات، فإنه ينبغي التمسك بطبيعتها الديمقراطية، وهو ما سيقود إلى إنعاش الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، واستعادة الحركة الوطنية لدورها المركزي داخل الوطن وفي الشتات.

6/ استعادة الوحدة الجغرافية والسياسية؛ إن استمرار الانقسام، وما يسببه من معاناة لقطاع غزة والقدس والضفة والشتات، فإنه، فعليًّا، يمنع إنجاز الاستقلال الوطني، والمطلوب هنا ليس مصالحةً بين حركتي "فتح وحماس" فقط، بل استعادة الوحدة الوطنية، فعليًّا، بشكلٍ شاملٍ، وعدم الاكتفاء بعلاج بعض المظاهر، وهذا الأمر يستدعي تفاهمًا شديدَ الوضوح على:

أولًا: قَبول حركة فتح بالتخلي عن سيطرتها وتفردها بالنظام السياسي بشكله الحالي، أي قَبولُ شراكةٍ سياسيةٍ كاملةٍ، وإعادة بناء نظامٍ سياسيٍّ جديدٍ يشمل "م. ت. ف" بمختلِف هيئاتها ومؤسساتها، بما في ذلك السلطة والجهاز الوظيفي.

ثانيًا: قَبولُ حركة حماس بالتخلي عن سيطرتها على قطاع غزة المحاصر، وعودة غزة للنظام السياسي والإداري الفلسطيني.

ثالثًا: التوافق على أساسٍ سياسيٍّ برنامجيٍّ يتضمن الهدف الوطني المركزي الذي ينبغي أن يشكّل جوهر برنامج الإجماع الوطني، أي برنامج منظمة التحرير الفلسطينية الجديدة، وبرنامج آخر لحكومة السلطة بسبب اختلاف دورها.

رابعًا: الالتزام الجماعي بممارسة الديمقراطية واحترام نتائجها، والانضباط لمبدأ التداول السلمي للسلطة، واعتماد الانتخابات في المجالات والمستويات كافة.

7/ التحرر من بروتوكول باريس الاقتصادي – الموقع مع حكومة الاحتلال – والتوجه نحو بناء بنيةٍ وقاعدةٍ اقتصاديةٍ منتجةٍ في المجالات الصناعية والزراعية...، وإنتاج سياسةٍ اقتصاديةٍ تساعد على الصمود وتشجيع الإنتاج، وترشيد الاستهلاك، بما يخدم الأهداف والمصلحة الوطنية الفلسطينية.

في نهاية المطاف، وفي ظل التحوّلات والمتغيّرات التي تعصف بالمنطقة والإقليم والعالم؛ تمثل الوحدة الوطنية الفلسطينية المفصل والفيصل...الوحدة هنا تشير إلى وحدة جميع مكونات الشعب الفلسطيني في مختلِف أماكن وجوده مع نظامه السياسي بالدرجة الأولى، والتفافه حول قيادته التمثيلية التي يصنعها ويختارها بنفسه للمضي قدمًا في مسيرة الحرية والعودة وتقرير المصير الناجز، أما في الواقع السياسي الراهن، فلا النظام السياسي الحالي قادرٌ على القيام بهذه المهمة، ولا القيادة الفلسطينية المترهلة مؤهلةٌ أو قادرةٌ على حمل هذه المهمة التاريخية.. وبصورةٍ أكثرَ دقةً، فإن الوحدة والشراكة الفعلية تمر عبر إعادة بناء النظام والبرنامج السياسي الفلسطيني، وصعود قيادةٍ سياسيةٍ وكفاحيةٍ وفكريةٍ جديدةٍ بمنهجٍ يعلي مصلحة المقاومة والانتفاضة، وصوت الشعب على المصالح الفئوية والفصائلية والأيديولوجية والشخصية الضيقة.

هذه قراءةٌ أوليةٌ متواضعة؛ تحتاج إلى نقاشٍ وتمحيصٍ ومراجعة، ربما تمثّل بدايةً مقبولةً من أجل التوصّل إلى برنامجٍ يمكّن الحركة الوطنية من الخروج من المأزق الحالي، وتوفّر بعض الأمل في غمرة الألم الذي يحاصرنا.