Menu

الأبعاد الاستراتيجية لعملية نفق الحرية

عليان عليان

إعادة اعتقال أربعة أسرى لا يغير من واقع انتصارهم ولا من واقع الهزيمة الأمنية للعدو الصهيوني

تمكن قوات الاحتلال من اعتقال أربعة من الأسرى الذين حرروا أنفسهم من أكثر السجون تحصيناً في الكيان الصهيوني "سجن جلبوع" لن يغير من واقع الصورة التي رسمها الأبطال الستة، صورة انتصار العقل الفلسطيني على التكنولوجيا الإسرائيلية المتطورة من مجسات وكاميرات ووسائل دقيقة ترصد أسراب النمل، سبق وأن صدرتها لدول اتفاقات أبراهام المطبعة لترصد حركة شعوبها، تلك الصورة التي تابعتها وسائل الاعلام العالمية بالقراءة والتحليل مشيدةً بهذا الإبداع الفلسطيني الذي تجاوز خيال الأفلام الهوليودية. فقد حقق الأبطال الستة بهذا العمل الإعجازي إنجازا ًاستراتيجياً لم يخطر ببال العدو تمثل فيما يلي:

1- أنهم حطموا أسطورة الأجهزة الأمنية التي طالما تباهى العدو بها، وذهب بعض الخبراء الصهاينة إلى أن المفاجأة التي حققوها لا تقل عن مفاجأة حرب أكتوبر.

2- أنهم ضربوا الحالة المعنوية للجمهور الإسرائيلي، الذي بات يفقد الثقة في القدرات الأمنية لأجهزته الأمنية.

3- أنهم أوقعوا الكيان في حالة من التخبط والارتباك، فالمستوطنون باتوا يحملون حكومة نيفتالي بينيت المسؤولية، ونيفتالي بينيت بات يحمل حكومة سلفه نتنياهو المسؤولية معلناً أن عملية حفر النفق بدأت في عهد نتنياهو، والمستوى السياسي يحمل المسؤولية للأجهزة الأمنية المسؤولية، والأجهزة الأمنية تحمل إدارة السجون مسؤولية ما حصل.

4- أن هذه التحرير البطولي وضع قضية الأسرى على جدول الاهتمام العالمي بوصفها قضية تندرج في إطار نضال الشعوب من أجل التحرر الوطني، وقرعت بقوة أبواب اتفاقية جنيف الثالثة بشأن حقوق الأسرى.

5- أن هذه العملية كشفت من خلال تناول وسائل الاعلام العالمية قضية الأسرى ومعاناتهم وطبيعة السجون التي يعيش فيها الأسرى، وفاشية العدو الصهيوني، وأبرزت قضية الأسرى بوصفهم مناضلين من أجل الحرية والتحرير، وليس سجناء أمنيين كما يسميهم الاحتلال، ورأى العالم بالصوت والصورة فاشية العدو في قمع الأسرى عبر إطلاق كلاب وحدات نحشون الإرهابية لتعتدي عليهم بالضرب، ومن خلال معاقبة الأسرى في كافة المعتقلات بإغلاق المغاسل ودروات المياه، وإغلاق الكاننتينة، ومنع تزويدهم بالطعام. وفي ذات الوقت كشفت صورة التصدي البطولية لأسرانا الأبطال لإجراءات العدو الانتقامية ولإجراءات إعادة توزيع الأسرى على مختلف المعتقلات وعزل أسر حركة الجهاد الإسلامي عن بقية الأسرى، عندما واجهوا جنود الاحتلال بقبضات أياديهم وبصدورهم وبحرق بعض الزنازين والأقسام في معتقلي النقب وريمون.

لقد عمل العدو الصهيوني بعد إعادة اعتقال أربعة منهم، إلى ترميم صورته أمام جمهور المستوطنين، وأمام المطبعين الذين رهنوا بقائم في الحكم استناداً للحماية الأمنية الإسرائيلية، بأنه تمكن في زمن قياسي من اعتقالهم، وتفنن في استخدام الصورة لحظة اعتقالهم لرفع معنويات المستوطنين ولإعادة الثقة به وبأجهزته الأمنية، ولكسر الحالة المعنوية للحركة الأسيرة، وللشعب الفلسطيني الذي احتفل أيما احتفال بتحررهم بتبادل التهاني وتوزيع الحلوى، ونسج فصائد الشعر في هذا العمل البطولي.

لكن هذا السيرك الإعلامي لحكومة العدو، لم ينطل على الإسرائيليين، ورأوا فيه تمثيلية سيئة لمداراة فشل ادارة السجون في كشف النفق، إذ كان جزءاً من التوقعات أن يلقى القبض على هؤلاء الأبطال أو يرتقوا شهداء، إثر إطلاق واحدة من أكبر عمليات الأمن البحثية في تاريخ الكيان الصهيوني، تمثلت ممثلة بإقامة حوالي 300 حاجزاً أمنيا، وبتحريك عشرات الآلاف من الجنود ومجندي وضباط الشاباك والشين بيت والمستعربين واستخدام طائرات الهيلوكوبتر. وغاب عن ذهن قادة العدو بأن إعادة اعتقالهم سيخلق صداعاً في رؤوس المستويين السياسي والأمني، جراء الهبة الجماهيرية في عموم الوطن، وجراء هبة الحركة الأسيرة التي باتت تهدد بإضراب شامل وبانتفاضة تعم كافة المعتقلات، ناهيك أن عملية نفق الحرية ستشكل حافزاً لتكرارها في بقية المعتقلات.

إن اعادة اعتقال أربعة منهم، وحد الشعب الفلسطيني رغم الخلافات السياسية بين بعض فصائله، حيث شهد الشارع الفلسطيني مسيرات غضب وتحدي على مدار النهار والليل في كل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية في الضفة، في جنين ورام الله ونابلس والخليل وبيت لحم وطولكرم وقلقيلية، مسيرات غضب اشتبك خلالها الشبان الفلسطينيون مع الجنود عند الحواجز العسكرية، الذين أطلقوا الرصاص والرصاص المعدني على المتظاهرين، ناهيك عن لجوء رجال المقاومة إلى إطلاق النار على حواجز العدو عدة مرات كما حدث في حاجز الجلمة قرب جنين. ومثلما شكلت عملية تحررهم الذاتية رافعة للشعب ولفصائل المقاومة، فإن عملية اعتقال أربعة منهم أطلقت مفاعيل هبة جديدة ، قد تتطور إلى انتفاضة شاملة تذكرنا بانتفاضتي الحجارة والأقصى، تتكامل ( أولاً) مع الفعل المقاوم والنوعي لجماهير شعبنا وفصائل المقاومة في قطاع غزة، التي أعلنت من خلال غرفة العمليات المشتركة، ومن خلال بياناتها أن الاعتداء على هؤلاء الأبطال خط أحمر ما يذكرنا بشعار الشيخ جراح والأقصى خط أحمر الذي جرى ترجمته في معركة سيف القدس الظافرة، وتبني (ثانياً) على النهوض الجماهيري في مناطق 1948 الذي تجلى في أبهى صورة إبان ملحمة سيف القدس على مدة إحدى عشر يوماً، خاصةً وأن جماهير شعبنا في هذه المناطق احتفلت هي الأخرى بتحرر الأسرى، وهبت في مواجهة اعادة اعتقالهم في مسيرات شملت الناصرة وحيفا ومدن المثلث، رافعة صورهم والأعلام الفلسطينية.

لقد جاءت عملية نفق الحرية في مناخ الانتصارات التي تحققها المقاومة الفلسطينية والهزائم والانكسارات التي لحقت بالعدو الصهيوني، جراء هبة القدس (أولاً) في مواجهة التطهير العرقي في حي الشيخ جراح وسلوان وفي مواجهة تدنيس المستوطنين للمسجد الأقصى ومخططات العدو لتهويده. (وثانياً) جراء معركة سيف القدس التاريخية على مدى إحدى عشر يوماً، والتي ألحقت بالعدو هزيمة نكراء وطرحت على الصهاينة سؤال الوجود في عموم فلسطين التاريخية. (وثالثاً) جراء العملية البطولية للبطل الفلسطيني الذي قنص القناص الإسرائيلي من فوهة الجدار على تخوم قطاع غزة وأرداه قتيلاً، تلك العملية التي أربكت العدو ومسخرت قدراته الأمنية، وجعلته محل تندر وسخرية من قبل وسائل إعلامه ووسائل التواصل الاجتماعي.

ولا حاجة بنا لأن نقول بأن على فصائل المقاومة أن تراكم على هذه الانتصارات وأن تسعى جادة لتحرير الأسرى الأبطال، فهذه الفصائل باتت تعي دورها المركزي بهذا الخصوص، فالبيان الذي صدر عن غرفة العمليات المشتركة في جنين – عاصمة الثورة في الضفة الغربية - يشكل مؤشراً كبيراً بأن قضية الأسرى وتحريرهم هو على أول سلم أولويات المقاومة، لكن هنالك حاجة بأن نقول بأنه يتوجب على فصائل المقاومة أن تتخذ خطوات عملية للجم التنسيق الأمني، الذي تمارسه أجهزة أمن السلطة خدمةً لأمن الاحتلال والمستوطنين، وأن لا تكتفي بمطالبة السلطة بالكف عن هذا النهج الذي تعتبره مقدساً.