أعلن المجلس السيادي السودان ي وحكومته عن افشال انقلاب عسكري والقاء القبض على عسكريين ومدنيين متورطين فيه، وكما جرت العادة منذ استيلاء عسكر البشير متقلبي الولاءات على مكتسبات الحراك الجماهيري السوداني الذي قاد للإطاحة بالأخير، كلما اشتعلت البلاد احتجاجًا على فساد هذه المنظومة وقمعها والمسار الذي تحاول جر السودان اليه، يعلن قادة المنظومة عن فشل محاولة للانقلاب.
محاولة الانقلاب الجديدة لم يعلن عنها أحد من المشاركين فيها، ولم تصب أحد من رجال السلطة بأذى، ولم تصدر بيان واحد، أو تصل للسيطرة على أي مقر يذكر، بل وإن من نسبت اليه قيادتها صباحًا عاد وأسقط اسمه في الحصيلة المسائية لحساب اسم بديل، وكأنها بقعة دخان تتسع وتضيق وتظهر وتختفي دون دلائل ملموسة أو تأثير في واقع النظام الذي يفترض أنها انقلبت عليه، فيما التأثير واقع وحاصل على الحالة الاحتجاجية التي تطالب بحقوق السودانيين المسلوبة من قبل الطغمة الحاكمة.
دبابة واحدة والكثير من الأخبار:
لا يمكن الادعاء بأنه لم تكن هناك محاولة انقلابية، ولكن يمكن الجزم بأن النظام الحاكمة بأذرعه المختلفة كان هو مصدر الأخبار والرواية حول الانقلاب، وأن مظاهره المفترضة اقتصرت على قيام دبابة بسد جسر النيل الواصل بين أم درمان والخرطوم، بل وتنسب المصادر الحكومية وتلك التابعة للمجلس السيادي حصولها على المعلومات الأولى عن الانقلاب لوزير الاعلام حمزة بلول الأمير.
وبحسب الرواية الرسمية التي بادرت لتقديمها شخصيات من المجلس السيادي والحكومة، فإنها قد علمت عن محاولة الانقلاب منذ مساء اليوم السابق له، وهو ما مكنها من افشاله.
ووفقًا لذات الترتيب رغم الفارق الزمني، أعلن عضو المجلس السيادي عن وجود محاولة انقلابية، داعيًا السودانيين لحماية ثورتهم ثم عاد وأكّد أن الأمور تحت السيطرة وأن الثورة منتصرة بعد نصف ساعة من تغريدته الأولى، التلفزيون الرسمي بعد ذلك بساعة تقريبًا أعلن عن المحاولات الانقلابية ثم عن الانتصار عليها أيضًا بفارق لا يتجاوز النصف ساعة بين خبر الانقلاب وخبر هزيمته.
وقال مصدر حكومي لوسائل اعلام إن عسكريين دخلوا فجر اليوم مقر الإذاعة لبث بيان الانقلاب، لكن المحاولة أجهضت فورًا، وأكّد أن المعلومات بشأن المحاولة الانقلابية توفرت للحكومة مساء أمس، مما ساعد على إحباطها بسرعة.
فيما أعلن وزير الإعلام حمزة بلول أن الأوضاع في البلاد باتت تحت السيطرة بعدما ألقي القبض على قادة المحاولة الانقلابية من العسكريين والمدنيين، موضحًا أن المحاولة الانقلابية قام بها مجموعة من ضباط القوات المسلحة "من فلول النظام البائد".
وتعهد بلول بمواصلة ملاحقة "فلول النظام البائد المشاركين" بالمحاولة الانقلابية، وتحدث عن استسلام آخر معاقل المحاولة الانقلابية في معسكر الشجرة بالخرطوم.
وقد نسبت الجهات الحكومية وتلك التابعة للمجلس السيادي قيادة المحاولة الانقلابية للعميد عبد الباقي بكراوي، القائد الثاني لسلاح المدرعات سابقًا، وهو الذي سبق أن تعرّض للتحقيق والازاحة جراء الاتهامات التي وجهها في مرات متكررة للفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي".
مقاطعة الاحتجاج وتأمين مصالح خليجية:
أعلن رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك أن المحاولة الانقلابية الفاشلة "كانت من تخطيط فلول النظام السابق" مبرزًا أنه أجرى اتصالات مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بشأن ما جرى.
وقال حمدوك إن المحاولة الانقلابية سبقها تخطيط عبر خلق الفوضى في المدن وإغلاق الطرق شرق البلاد.
وجاء هذا "الانقلاب"، ليقاطع حركة احتجاجية قوية يشهدها شرق السودان ضد ما تضمنه اتفاق جوبا للسلام حول وضع شرق السودان والذي أشرف عليه من جانب المجلس السيادي الحاكم الفعلي للسودان الفريق حمدان دقلو "حميدتي"، حيث قاد الاتفاق لإغضاب قبائل البجا التي تعتبر من أكبر المكونات السودانية في الأقاليم الشرقية للبلاد، فيما تشير مصادر متعددة لكون الاتفاق مجرد تهيئة للميدان لهيمنة خليجية على موانئ السودان الواقعة ضمن الأقاليم الشرقية وأهمها ميناء بورسودان.
ومنذ الجمعة يشهد شرق السودان، إغلاق الطريق الرابط بين مدينة بورتسودان وعدد من مدن السودان، بينها العاصمة الخرطوم، لليوم الرابع على التوالي. وقال مراسل الجزيرة إنّ المحتجين يواصلون إغلاق الميناء الرئيسي في البلاد، مما أدى لتوقف حركة الصادرات والواردات.
ويقول المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة في شرق السودان الذي يقود الاحتجاجات، ويتزعمه محمد الأمين ترك، إنّ الاحتجاجات ستتصاعد حتى تحقيق مطالب المجلس بإلغاء مسار شرقي السودان في مفاوضات جوبا للسلام، وحل الحكومة الانتقالية، وتشكيل حكومة كفاءات.
لا يمكن التكهن فعليًا بعلاقة الاعلان عن المحاولة الانقلابية وموجة الاعتقالات اللاحقة بمساعي الحكومة لوقف الاحتجاجات شرق البلاد، ولكن رشا عوض المتحدثة باسم مبادرة رئيس الوزراء السوداني سبق أن قالت إنّ الفلول والثورة المضادة تقف وراء أزمة إغلاق شرق السودان وقطع الطريق القومي، وأضافت أنه يجب النظر لهذه القضية في سياق الأمن القومي، مؤكدةً أنّ هناك معلومات عن تواطؤ أمني وعسكري مع ما يحدث، على حد تعبيرها.
كلما تحدّث النظام الحالي، عن فلول النظام السابق وأدوات عمر البشير التي لطالما استخدمها للبطش بالسودانيين لا يمكن تفويت الحديث عن رئيس مجلس السيادة الحاكم في السودان ونائبه، الجنرالين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو "حميدتي" قائدي عربة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وأداتي النظم الخليجية وتحديدًا النظام الإماراتي في الهيمنة على السودان وسياساتها، خصوصًا أن الأخير لطالما اتُهم بالتورّط في جرائم حرب وجرائم ضد الانسانيّة.

