Menu

العلاقاتُ الجزائريّة المغربيّة: قراءةٌ في اللقاء الصحفي لوزير خارجيّة إسرائيل

الشريف الأدرع

نشر هذا المقال في العدد 30 من مجلة الهدف الإلكترونية

"ألكلِّ شيءٍ خاتمة؟ نعم؛ خاصّةً في المسرح. نحن نتذكّر هذه الخاتمة دائمًا أكثرَ من تذكّرنا لتفاصيل الحكاية"

                                                      باتريس بافيس

 ممّا لا شكّ فيه أنّ جميع المتابعين قد استوقفهم مشهدُ وزير خارجيّة إسرائيل وهو يصرّح غداةَ لقاءٍ صحفيٍّ مشتركٍ مع وزير الخارجيّة المغربي بمدينة الدار البيضاء؛ وبصيغة الجمع نتشارك القلق من علاقات الجزائر بإيران، ويعقب بالإشارة إلى مسعى الجزائر العدائي المتمثّل في اعتراضها على حصول إسرائيلَ على صفة مراقبٍ في الاتّحاد الإفريقي". وحتى لا يبدو هذا المشهدُ بمثابة خاتمةٍ مفاجئةٍ واعتباطيّةٍ في حكاية الجزائر مع إسرائيل ومع المملكة المغربيّة البلد الشقيق والجار للجزائر، مثلما هو حالُ الخاتمة في مسرحيّات غير المعقول. وحتى لا يبدو الأمرُ كذلك؛ نعيد التذكير ببعض تفاصيل الحكاية التاريخيّة.

 كانت الجزائرُ – كغيرها – من بلدان المغرب العربي منذ التاريخ القديم قبلةً للمهاجرين اليهود القادمين من المشرق العربي، وخاصّةً من فلسطين، ومن المناطق التي طاب مقامُ هؤلاءِ المهاجرين بها منطقةُ توات الجزائريّة، حتى أنّهم أطلقوا عليها تسميةَ " فلسطين التواتية" (نذير معروف 38: 1980).

وإذا ما تجاوزنا فاصلَ ما يعرف بمحنة يهود توات مع الشيخ عبد الكريم المغيلي؛ فإنّ مقامَهم بالجزائر قد جعل منهم أصحابَ جاهٍ وثروةٍ إلى درجة التغوّل والكفر بالنعمة؛ فكان كبارُ تجّارهم في مقدّمة المتعاونين مع الفرنسيّين عند احتلالهم للجزائر. فتح ذلك شرخًا حقيقيًّا في علاقة اليهود بالجزائريّين استغلّته السلطاتُ الاستعماريّةُ الفرنسيّةُ بإصدارها في 24 أكتوبر 1870 أمريّةَ كريميو، التي تمنح حقّ المواطنة الفرنسيّة ليهود الجزائر. وهكذا انتقل يهودُ الجزائر دفعةً واحدةً إلى الفضاء المقابل؛ فضاءَ العدو.

إنّ هذا الفعل المدروس لم يكن حبًّا في اليهود، ولكنّه كان منعًا لأيّ نوعٍ من أنواع الوحدة بينهم وبين الأهالي الجزائريّين، وتكريسَ عامل الكراهيّة والعداوة بشكلٍ يبعد شرّهما معًا عن الفرنسيّين، ولعلَّ الدعمَ غير المشروط الذي تلقّته الحركةُ الصهيونيّةُ من فرنسا وبريطانيا وآخرين، لمسعى اختلاق وطنٍ قوميٍّ لليهود في فلسطين العربيّة؛ خيرُ دليلٍ على ذلك. وحثّت سرًّا وعلانيةً يهودَ الجزائر على الانخراط في هذا المسعى، وبالفعل، بادر من كان منهم تحت تأثير الحركة الصهيونيّة بالهجرة معكوسةً، وهكذا تحوّلت منطقةُ توات خاصةً، والجزائرُ عامةً مع الوقت في المخيّلة الجماعيّة لهؤلاءِ العائدين إلى فلسطين، إلى أن أصبح ما  يسمّى في قاموس اليهود بـ"الجنّة المفقودة".

هذهِ بعضُ تفاصيل حكاية اليهود مع الجزائر والجزائريّين، وهي على العموم تختلف عن تفاصيل حكاية المملكة المغربيّة معهم، فقد تميّزت الأخيرةُ بترك سلطان المغرب سنة 1844 الأمير عبد القادر وجيشه وحدهما في مواجهة القوّات الفرنسيّة؛ بعد أن كان قد عاهده على قتال الفرنسيّين المحتلّين للبلدين الشقيقين معًا، بل إنّ السلطان بدلًا من المحافظة على العهد أمضى معاهدةَ طنجة مع الفرنسيّين، التزم فيها بملاحقة الأمير والقبض عليه إذا ما وُجد على تراب المملكة.

إنّ من يتأمّل جيّدًا الحكايتين معًا يلاحظ أنّ القوّتين اللتين حرّكتا الصهاينةَ نحو السعي لإقامة وطنٍ قوميٍّ لليهود في فلسطين، هما – على وجه التحديد – الإمبرياليّتان؛ البريطانيّة والفرنسيّة. والأخيرةُ منهما هي التي أوعزت لسلطان المغرب خيانةَ المقاومين الجزائريّين وقائدهم الأمير عبد القادر، وإذا كانت الدولتان الفاعلتان في الحكايتين مختلفتين، فإنّ موضوعهما يكاد يكون واحدًا؛ وهو التمكينُ لاستعمار كلٍّ من: فلسطين، والجزائر. وقد أدرك الجزائريّون ذلك، فجمعوا بين التصدّي لمشروع إقامة وطنٍ قوميٍّ لليهودِ في فلسطين، والاستمرارِ في مقاومة الاحتلال الفرنسي لبلدهم الجزائر؛ بكلِّ ما يملكون من قوةٍ وبأس. وكان الرسّامُ الصحفيُّ عمر راسم (1884- 1959) في طليعة النضال ضدّ السياسة الصهيونيّة في فلسطين وحلفائها؛ البريطانيّين والفرنسيّين منهم، وشلّة الخانعين والتابعين للقوى الاستعماريّة من العرب والمسلمين.

ويحفلُ سجلُ النخبةِ الجزائريّة – ممثّلةً في عمر راسم – بالكثير من المواقف التي أرّقت – في حينها – الإمبرياليتين؛ البريطانيّة والفرنسيّة، كما أرّقت الحركةَ الصهيونيّةَ وتؤرّق – اليوم – دولةَ إسرائيل؛ خاصةً وهي ترى حركةَ المقاطعة العربيّة والعالميّة للبضائع الإسرائيليّة تستجيب بعد نحو 112 سنةً إلى دعواه المتمثّلة في "مقاطعة التعامل مع اليهود، خصوصًا في البيع والشراء؛ لأنّ عمر اليهود في قبضة التجارة" (عمر راسم:1909).

نتيجةَ هذا النشاط المعادي للاستعمار والصهيونيّة؛ يوضعُ عمر راسم في قائمة العناصر التي ينبغي تحييدها، توجّه السلطاتُ الفرنسيّةُ لراسم تهمةَ التخابر والتعامل مع العدو، بناءً على ضبط مصالح البريد الإنجليزي ب مصر رسالةً قادمةً من الجزائر؛ يحثّ صاحبُها فيها على الوحدة العربيّة الإسلاميّة، ويدعو إلى عدم التعاون مع العدو. قورن خطّ الرسالة بخط راسم، ولثبوت تشابه الخطين  – حسب زعم الخبرة – صدر حكم بالأشغال الشاقّة عليه في 13 أوت 1915 ثمّ حكم آخر بالمؤبّد في 06 نوفمبر في السنة نفسها، ولم يطلق سراحه إلا سنة 1921 بعد ثبوت براءته.

وما يمكن استنتاجُه مما ذكرناه – حتى الآن – هو أنّ حكاية المصلح الاجتماعي والسياسي المعادي للاستعمار والصهيونيّة؛ الصحفي والفنان التشكيلي عمر راسم تتقاطع مع حكاية الجزائر والعرب، وهاتان الحكايتان تتّحدان في تركيبةٍ سرديّةٍ موضوعُها مقاومةُ الاستعمار؛ وهي تركيبةٌ سرديّةٌ تعارض السرديّةَ الإمبرياليّة بتعدّد قواها العميلة من إنجليز وفرنسيين وصهاينة وعملاء محليين؛ سواءً أكانوا أفرادًا أو طبقاتٍ أو دولًا على امتداد مشرق الوطن العربي ومغربه.

لن نتوسّع في سرد تفاصيل الحكاية التاريخيّة الجزائريّة المغربيّة، فهي تحتوي على جزئيات تولّد وجعًا مأساويًّا يميّز المأساة بمفهومها الأرسطي الناجمة عن عمل صديقٍ أو من يفترض أن يكون بالبداهة في صفّك من إخوةٍ وآباءٍ وأجدادٍ وغيرهم، من ذوي القربى، ولا أريد أن أزيد عن الصورة التي رسمها كاتب ياسين في مسرحيتيه التراجيديتين "الجثّة المطوّقة" و"الأجداد يزدادون ضراوة" لغدر سلطان المغرب بالأمير عبد القادر، وغدر سلفه الملك نهاية الخمسينات من القرن الماضي بالأحرار الخمسة الذين اختطفت قوّات الجو الفرنسيّة الطائرة المغربيّة التي كانت تقلّهم إلى القاهرة.  فالأفضل للمغرب العربي ولشعوبه؛ وخاصةً الشعبين الشقيقين المغربي والجزائري، أن نذكّر بالنضال والكفاح السياسي المشترك لعمالنا في المهجر، الذين أنشأوا حزب نجم شمال إفريقيا سنة 1926. وتأكيدًا على وحدة كفاح شعوب المغرب الغربي؛ اختار زيغود يوسف مهندس هجمات 20 أوت 1955 بالشمال القسنطيني أن تكون بمثابة "تضامنٍ فعّالٍ وبالدم مع الشعب المغربي في ذكرى نفي محمد الخامس" (علي كافي84: 1999).

وينبغي للوعي بالمصير المشترك أن يكون هو السائدُ لدى الحكومتين ولدى الشعبين المغربي والجزائري، ولا يعقل أن يكون اختلافُ النظامين عائقًا أمام الوحدة، فالصينُ – مثلا – دولةٌ بنظامين. ولا يجوز القفز على حقّ الشعب الصحراوي في تقرير المصير؛ بدعوى أن منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب جزءًا لا يتجزّأ من أراضي المملكة المغربيّة. كذلك كانت المملكة المغربيّة ترى بعض مناطق ولايتي بشار وتيندوف التي لم تكافح من أجل افتكاكها من الاستعمار الفرنسي؛ جزءًا من أراضيها وفضّلت أن تستردّهما بالقوّة العسكريّة من الجزائر محرّرتها من السيطرة الفرنسيّة، مثل: باقي مناطقها الأخرى. إنّ الأخلاق والسياسة والشرعيّة الدوليّة لا تعطي أيًّا كان الحقَّ في استرجاع أرضٍ من الشعب الذي حرّرها، كما لا يجوز لأية دولةٍ أن تستعمر شعبًا بعد انسحاب القوّة التي احتلّت أرضه؛ بدعوى أن الأراضي التي كانت تحتلّها القوّةُ المنسحبةُ هي أراضٍ سابقةٌ لها، وفي كلمةٍ، لا يجوز مصادرةُ حقّ شعبٍ مُستعمَرٍ في تقرير مصيره بنفسه.

من حقّ المملكة المغربيّة أن تستميت في مطالبتها بأراضي الصحراء الغربيّة، فقد سبق لها أن طمعت في أراضٍ جزائريّةٍ ثمّ طمعت في أراضٍ موريتانيّةٍ، ولم تجد من الدولتين غير الرفض الساطع، وها هي تكرّر الأطماعَ نفسها مع جبهة البوليزاريو؛ الممثّل الوحيد المعترف به دوليًّا لشعب الساقية الحمراء ووادي الذهب.

يبدو أنّ الفكرَ الاستراتيجي الأمريكي الفرنسي الصهيوني، ومن يواليهم في منطقتنا العربيّة؛  قد اهتدوا إلى طريقةٍ يدخلون فيها الجزائرَ ومنطقةَ المغرب العربي إلى بيت الطاعة الأميركي الفرنسي الصهيوني، فأشاروا على المغرب تمكين الدولة المارقة إسرائيل من موطئ قدمٍ حقيقيٍّ في المغرب مقابلَ اعترافٍ أمريكيٍّ "فايسبوكي" بتبعيّة الصحراء للمغرب.

ما لا يعرفه المغربُ أنّ إسرائيل تعرف الجزائريين حقّ المعرفة، ويعرف الجزائريّون اليهودَ الصهاينة؛ خاصّةً البريطانيّين والفرنسيّين منهم، إنّهم يعرفون أنّ البريطانيين والفرنسيين والصهاينة مجتمعين؛ كانوا يراقبون الأمير عبد القادر في منفاه، ويراقبون عمر راسم في الجزائر وفي رحلته إلى المشرق، ويراقبون المناضل الشيوعي الجزائري محمود الأطرش في المشرق العربي، ثم في الجزائر منذ عام 1939. ومن جهتهم اطّلع قادةُ ثورة التحرير قبل الثورة على أدبيّات الحركة الصهيونيّة التي اكتشفها العربي بن مهيدي صدفةً سنة 1943-1944 في مخزن تاجر التمور دافيد تويتو، الذي كان يشتغل عنده، وهذا الاطلاع هو الذي عمّق لديه إحساسه بـ: "جرحه الفلسطيني" – على حد تعبير رفيق كفاحه الهاشمي طرودي (الهاشمي طرودي30: 1991).

لقد خبرت فرنسا وإسرائيل بعض ضربات محمد بوديا – القائد العسكري بالولاية السابعة، كما كانت تسمى فرنسا أثناء ثورة التحرير الجزائريّة، والمناضل بعد ذلك في صفوف الثورة الفلسطينيّة – الذي اغتالته الذراعُ الإجراميّةُ للكيان الصهيوني الموساد في السبعينات بالعاصمة الفرنسيّة باريس، والمحمّدون اليوم كثيرون والحمد لله.

إن ما يحزّ في النفس حقًّا هو نَكْءُ الجرح المفتوح منذ 1844 مجدّدًا، فهذا موجعٌ جدًّا، ويؤذي. ومع ذلك، فإنّنا لا نثمّن إلغاء عقد نقل الغاز عبر الأنبوب المار بالمملكة المغربيّة، ولا نعتقد أنّ مناضلي حزب نجم شمال إفريقيا أو القائد الحكيم زيغود يوسف يرضون بذلك. إنّ المملكة المغربيّة جزءٌ أصيلٌ من المغرب العربي الكبير، وإسبانيا هي جزءٌ من أوروبا التي استعمرت بلداننا واحدًا فواحدًا، ولا زالت تحتلّ من مغربنا – مع الأسف – مدينتي مليلة وسبتة. ولا نحبّذ – أيضًا – اللجوءَ إلى قطع العلاقات بسبب "الماك" أو غير ذلك، وإذا كانت الماك هي السببُ الحقيقي لقطع العلاقات الجزائريّة المغربيّة، فلماذا لا نقطع علاقاتنا بفرنسا؛ عدونا التاريخي التي تستضيف قادة "الماك"؟

يدرك الشعبُ الجزائريُّ أنّ عواملَ توتير العلاقات الجزائريّة كثيرةٌ ومتداخلة، ويفهم جيّدًا أنّ مخرج المشهد المسرحي ليوم 12 أوت الأخير هو فرنسا، ومن ورائها أميركا والغرب عامة، والمتأمركون العرب، وهذا الإدراكُ هو حصنُهُ الحصينُ في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل.