كاتب صحفي فلسطيني/ بريطانيا
ستظلُّ معجزةُ الأسرى الستّة الذين تمكّنوا من حفر نفقٍ في سجن جلبوع والخروج منه ماثلةً في الرواية الفلسطينيّة، كواحدةٍ من أبرز الأحداث التي قدّمت نموذجًا لقدرة الإرادة على الانتصار على كلّ اختراعات التكنولوجيا وكلّ القوّة الأمنيّة، وستظلّ شاهدًا على إصابة الجيش الإسرائيلي برصاصةٍ في خاصرته، التي ستبقى ندبةً لن تزول سريعًا حين وضعت إسرائيل كلَّ إمكاناتها لمراقبتهم وحشرهم في زنزانةٍ صغيرةٍ؛ تمكّنوا من معانقة الحريّة رغمًا عنها، ولو حتى مدّة وجيزة.
هذا الحدث سيطر على إسرائيل منذ لحظة وقوعه ولم ينته الجدال الصاخب هناك حتى بعد أن تمكّن جيشها من إعادة اعتقالهم، فقد حدث اختراقٌ لأهمّ منظومةٍ ضخّت عليها قدرًا هائلًا من الموازنات ليس هذا فحسب، بل في أكثر الأماكن رقابةً، ولم يتعلّق الأمرُ فقط برئيسة مصلحة السجون، ولكن بالمخابرات والاستخبارات.
ولأنّ إسرائيل ولأسبوعين تركت كلّ شيءٍ ولم يكن على جدول أعمالها سوى ملاحقة ستةٍ تمكّنوا من إحراجها، بل أبعد من ذلك عندما تصاب دولةٌ بهستيريا هروب ستة أسرى بدءًا من رئيسها ووزرائها مرورًا بكلّ قادة الدولة وقادة أجهزتها، لا بدّ من البحث عن تفسيرٍ وسط حالة الصراع الدامية بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ فقد مثّلت العمليّةُ هاجسًا لدولةٍ اعترف أحدُ أكثر رؤساء وزرائها تطرّفًا في السابق، وهو بنيامين نتنياهو، أنّها لا يمكن أن تعيش على السيف وحده، ولأنّ إسرائيل تعيش وتعتاش على السيف والأمن، فإنّ ذلك لا يشكّل ضمانةً لأمنها ولوجودها؛ لأنّ للسيف حدودًا، والأهم، لأنّ من يواجه هذا السيف لديه قدرٌ من الذكاء والتحرّي وفائض الدم والإرادة، وتلك أزمةُ الدولة التي لا تثق بنفسها رغمَ ما تملكه من قدراتٍ هائلةٍ اهتزت مرّةً واحدة.
كتب ذات مرّةٍ الصديقُ الكاتبُ أنطوان شلحت عن العقل اليهودي الخائف مُسلسِلًا أحداثَ التاريخ، مازجًا بين الأسطورة والواقع؛ وهو العقل الذي تمكّن من تحويل كلّ يهود الدولة إلى مخبرين للأمن في هاجسٍ مستمرٍّ حدّ العنصريّة التي تجاوزت الفهمَ النازي؛ إذ قالت أجهزةُ الأمن في سقطةٍ لها إنّ مكالمةً جاءت من أحد اليهود يقول فيها إنّه "رأى عربيًّا في الشارع" هذا العربيُّ هو نفسُهُ الأسيرُ ولكن أيّ قدرٍ من السلوك الذي يحمل يهوديًّا إلى إبلاغ الشرطة بأنّه رأى عربيًّا، هذا طبعًا قبل أن تعرف الشرطةُ أن هناك أسرى خرجوا من السجن، ولكن الخبر يحمل في مضمونه أن المواطن الإسرائيلي المشحون والمسكون بالخوف، ولأنّ الدول هي مجموعُ العقل الجمعي لأفراده؛ فقد مثّلت تلك المكالمةُ والإعلانُ عنها شكلَ الثقافة في تلك الدولة، وتلك بحاجةٍ إلى علماء نفس السياسة أو علم نفس الشعوب وهو ما حاول المؤرخون والمثقّفون الإجابة عليه، وهم يحاولون فهم سيكولوجيّة دولةٍ تجلس فوق مفاعل نووي وتهتز لحدثٍ كهذا ذلك يعني أن هناك ما يحتاج لقراءةٍ أبعد.
تمكّنت إسرائيلُ من إعادة اعتقال الأسرى، ولكن التحقيقات بدأت لديها كيف حدث هذا الخرق ومن المسؤول؟ وفي سلوكها ما يشي بما هو أكبرُ من الاعتقال، بل استمرار السيطرة على شعبٍ بأكمله وتصنيف درجات اعتقاله، فهي تسيطر وتتحكّم أو بمعنى أخر؛ تعتقل كلّ الفلسطينيّين، ولكن على درجاتٍ سواءً في السجون، وهي الدرجة الأولى أو بقطاع غزة الذي تحاصره وتحوّله بسكانه إلى سجنٍ وسجناء، أو الضفّة الغربيّة التي تحوّلها إلى معازلَ تأسر شعبًا بأكمله.
أحيانا - وكما كان يكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل – يكون ثمنُ السلاح الذي يتجاوز حدوده فادحًا؛ فالسلاحُ دومًا في خدمة السياسة وفي إسرائيل لم يعد هناك سياسةٌ بعد سيطرة الأيديولوجيا وقواها على الحكم في إسرائيل، منذ مطلع القرن أصبح السلاح وحده والأمن وحده يسيران وتعمّقت المسألةُ أكثرَ من صراع السياسة في السنوات الأخيرة، وتَكرار الانتخابات وغياب البعد السياسي وهو ما يؤكّده نفتالي بينيت أن لا حديث سياسي مع الفلسطينيين ولا دولة فلسطينيّة ستنشأ.
إذن، فاعتقال الفلسطينيين والسيطرة عليهم هو الحلُّ الوحيدُ والقائمُ في إسرائيلَ، وهو ما يغني استمرار وتعمّق الاشتباك والصراع من مسافةٍ أٌقربَ لنقطةِ الصفر؛ بمعنى: أنّ إسرائيل وجيشها ينتشرون أكثر بين الفلسطينيين ويجعلون من الفصل (وهو المنقذ الوحيد لها) أمرًا مستحيلًا وهو ما دفع صحفيٌّ، مثل: جدعون ليفي ليكتب في صحيفة هارتس "أن بينيت يندفع بلطفٍ وتصميمٍ نحو الدولة الواحدة مع ملايين الرعايا الفلسطينيين، ولكن بينيت لا ينشئُ مجرّد دولةٍ واحدةٍ بل هو ينشئ دولةً أبرتهايد وهذا الاسم الثاني في دولة إسرائيل منذ اللحظة التي أعلن فيها أنّه لا يوجد لديه اهتمامٌ بالتسوية، وأنّ الاحتلال هو خالدٌ في نظره ".
تلك هي الدولةُ العنصريّة التي وجدت شعبنا في بطنها، وليس هناك خيارات للحلّ مع هذا الشعب الذي يصرّ على نيل حريّته، وهو ما جسّدته رمزيّةُ هذا النفق، وهو ما قرأته إسرائيل كتعبيرٍ عن حالةٍ تدير معها صراعًا، بل تهدئةً مدركةً أن لا حلول لا فصل ولا يمكن ترحيله ولا ضمه ولا المساواة معه كشعبٍ يتمّ تربيتُهُ على أنّ "هناك عربيًّا يسير في الشارع في الليل" ومن هنا كانت الصدمةُ بأنّ هذا العربي يخرج من باطن الأرض نحو حريّتِهِ ويحفرُ الصخرَ بأظافرِهِ ولا يستسلم.
إذن، فرمزيّةُ الحدث هو ما جعل الدولةَ ترتجُّ بهذا القدر، وتتحدّثُ عن مئة مليون شيكل، كلّفت عمليّة البحث ليس من أجل إيجادهم فقط، فهي تدرك أن كل اهتمامهم سيكون كيف يختفون ويتجمدون، ولكن من أجل محاولة معادلة الرمزية بأنّ السيف ينتصر، وأنّ الدولة يمكن أن تعيش على السيف وهو ما أجاب عليه بنيامين نتنياهو.

