Menu

تبعاتُ الزلزالِ الأفغاني

رضي الموسوي

تسارعت الأحداثُ في أفغانستان، وتساقطت ولاياتُ الدولة في أيدي مقاتلي حركةِ طالبان الذين تصلُ أعدادُهم عشراتِ الآلاف، مقابلَ أكثرَ من 300 ألف جنديٍّ؛ هم قوامُ الجيش الأفغاني الذي تبخّر وتفسّخ وترك عتادَهُ الضخم، مع دخول الحركة العاصمة كابول. سقطت كابول، وشخصت الأنظارُ صوبَ مطارها الذي غصّ بالراغبين في الفرار من حكم طالبان القادمة بقوّةٍ إلى حكم هذه الدولة الداخليّة، التي ليس لها منفذٌ على البحر، ولم تهدأ طوالَ تاريخِها الحديث إلا قليلًا.

ما حدث في مطار كابول من تزاحمٍ للهروب؛ يُذكّر بما حدث في فيتنام عامَ 1975، عندما سقطت سايغون، ورفع الثوّارُ العلمَ الفيتنامي على مبانيها، في الوقت الذي كان أفرادُ الجيش الأمريكي يهربون بسرعةٍ في المروحيّات من على أسطح مبنى السفارة والمباني المجاورة، ويرمون جواسيسَهم من على السلالم التي كانوا يتمسّكون بها، كما يتمسّك الغريقُ بقشّةٍ تنقذُهُ من مصيرٍ محتوم.

شبيهٌ لهذا المشهد حصل في جنوب لبنان صبيحةَ الخامس والعشرين من مايو 2000، حين لم يتمكّن جنودُ الاحتلال الصهيوني من لبس سراويلهم الداخليّة؛ وهم يتلقّون الأوامرَ بالهرب من ضربات المقاومة اللبنانيّة. الصهاينةُ أيضًا تركوا أيتامهم على بوّابة فاطمة، وفرّوا إلى فلسطينَ المحتلّة، وبقي العملاءُ يندبون حظوظَهم.

صحيحٌ أنّه ليس كلُّ من ذهب إلى مطار كابول هو من الجواسيس والمتعاونين مع الجيش الأمريكيّ الغازي؛ فالكثيرُ من المدنيّين الذين عاشوا عقدين من الزمن تحت الاحتلال الأمريكيّ وُلِدوا قبيلَ الاحتلال أو تزامنًا معه أو بعده بقليل، وقد سمح بالحريّات الشخصيّة والليبراليّة المنضبطة بما يتماشى مع المصالح الأمريكيّة، وتشكّلت فئاتٌ اجتماعيّةٌ جديدةٌ منفتحةٌ على المجتمع، وباحثةٌ عن مكانٍ تحت الشمس؛ بعيدًا عن الحروب الأهليّة والإقليميّة والدوليّة على هذا البلد. لكنّ الصحيحَ أيضًا أنّ خمسينَ ألفَ متعاونٍ أفغانيٍّ – على الأقلّ – هم ممّن يريدون الهربَ من جحيم حركة طالبان وقصاصها، رغمَ أنّ الأخيرةَ تحاول تطمينَ الداخل والخارج بأنّها قادمةٌ للحكم بعقليّةٍ جديدةٍ؛ تسمحُ بعملِ المرأة، وتشركُ الآخرين في المشاورات، لكنّ الديمقراطيّة ليست من أولويّاتها – حسب قول المسؤولين فيها – بعد دخول الحركة العاصمة كابول منتصف شهر أغسطس الجاري، وطيّهم العلمَ الأفغانيّ، ورفعهم علمَ الإمارةِ بدلًا منه؛ إيذانًا بدخول أفغانستان حقبةً جديدةً من تاريخها المضطرب.

ما يُرعبُ الشّعبَ الأفغانيّ ودولَ الجوار؛ هو ما كانت عليه حركةُ طالبان وسمعتُها التي سبقتها إلى كابول، رغمَ أنّ طريقةَ تعاطي الحركة في السيطرة على الولايات وعواصمها كانت ذكيّةً، ولم ترقْ فيها دماءً، كما كان يحدث من قبل؛ فقد دخلت "طالبان" المدنَ دخولَ الفاتحين المسالمين بعد هروب عناصر الجيش الأفغاني أو بعد الاتّفاق معه على التسليم، أو تقديم الرشوة لجنرلاته، أو بالتفاهم مع القبائل لتجنيب المناطق ويلات دمار الحرب وكوارثها. مارست المؤتمراتُ الصحفيّةُ التي عقدها مسؤولو الحركة فعلَ التبريد، حيث كانوا يؤكّدون من القصر الجمهوريّ على أنّ طالبان 2021 ليست هي في تسعينات القرن الماضي.. فهل يمكن تصديقُ هذهِ البروباغاندا والبراغماتيّة العاليّة الأداء من قادة الحركة الخارجة من رحم تنظيم القاعدة، التي رعتها المخابراتُ الباكستانيّة؟

ديمغرافيّةُ الفسيفساءِ العرقيّة

تقعُ أفغانستان جنوبَ آسيا؛ يحدُّها من الشرق والجنوب الشرقي باكستان، ومن الغرب والجنوب الغربي إيران، ومن الشمال الشرقي الصين، ومن الشمال طاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان، وتبلغ مساحتها 650000 كيلومتر مربع، ويبلغُ عددُ سكّانِها نحو 40 مليون نسمة، ولا تتمتّعُ بأيّ منفذٍ بحريّ، وأقربُ منفذٍ لها ميناءُ كراتشي الذي يبعدُ أكثرَ من 700 كيلومتر، وأغلبُ أراضي البلاد ترتفعُ عن سطح البحر، نحو 1200 متر.

إنّ تاريخَ أفغانستان الحديثَ يشبهُ تاريخَ الكثير من دول العالم الثالث، يتّسم بعدم الاستقرار، وبغياب العدالة الاجتماعيّة، وبتفشّي الصّراعات العرقيّة؛ فعامَ 1964، أُعلن الدستورُ الجديدُ الذي يُحوّل البلادَ إلى ملكيّةٍ دستوريّة، ويفصلُ بين السلطات التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة. وفي يوليو عامَ 1973، أُعلن النظامُ الجمهوريُّ بعد انقلابٍ سلميٍّ قاده الجنرالُ محمد داوود خان (ابنُ عم الملك محمد ظاهر شاه) في حين كان الملكُ في زيارةٍ إلى إيطاليا، وأصبح داوود خان رئيسًا للجمهوريّة ورئيسًا للوزراء، وَفْقَ ما يذكرُ يوسف الجهماني في كتابه القيّم، "تورا بورا.. أولى حروب القرن". استمرّ داوود خان بضعَ سنواتٍ، ثمّ قُتل في انقلابٍ في إبريل عامَ 1978، أدّى أيضًا إلى مقتلِ أغلبِ أفرادِ أسرته، وأصبحت أفغانستانُ بموجب الانقلاب الجديد جمهوريّةً ديمقراطيّةً في زمن الحرب الباردة، وأبرمت اتّفاقيّاتٍ عدّةٍ مع الاتّحاد السوفييتي، وانتُخب نور محمد طرقي رئيسًا للمجلس الثوري، ورئيسًا للوزراء، وأمينًا عامًّا لحزب الشعب الأفغاني الديمقراطي، كما انتُخب بابراك كارمل زعيمَ جناحِ بارشام، وحفيظ الله أمين زعيمَ جناح خلق، نائبين لرئيس الوزراء، وأعلن الزعماءُ الجددُ التزامَهم بالاتّفاقيّات الدوليّة التي وقعتها أفغانستان، وحبّهم للسلام والعدل الاجتماعي والاقتصادي. بعد أشهرٍ قفز حفيظ الله أمين إلى رئاسة الوزراء، وبقي طرقي في رئاسة الدولة، وأمينًا عامًّا لحزب الشعب الديمقراطي الحاكم، لكنّ الاضطرابات تزايدت؛ فانهار الجيشُ، وطلب حفيظ الله أمين المزيدَ من الدعم السوفييتي الذي تجاوبَ وأرسلَ خبراءَ وأسلحة، وقُتل طرقي في المواجهات مع حفيظ الله أمين، وذلك في سبتمبر عامَ 1979. ومع استمرار حالة عدم الاستقرار؛ تدخّل الجيشُ السوفييتي في ديسمبر عامَ 1979، وقتل حفيظ الله أمين بسبب ذلك، وعاد بابراك كارمال  مع القوّات السوفييتيّة؛ ليتبوأَ مناصبَ رئيس مجلس الثورة، وأمينًا عامًا لحزب الشعب الأفغاني الديمقراطي، ورئيسًا للوزراء، لكن المظاهرات اندلعت في وجهه، وزاد منسوبُ التدخّل السوفييتي في البلاد، واستثمرت الولاياتُ المتّحدةُ وحلفاؤها الوضعَ لإنهاك الجيش السوفييتي حتى انسحابه عام 1989، بعد أن قُتل أكثر من 15 ألفًا من جنود الجيش الأحمر، وجرح أكثر من 50 ألفًا آخرين، وأكثر من مليون قتيل من المدنيين، و3 ملايين ما بين جريحٍ ومعاق، وشُرّد 5 ملايين أفغاني من ديارهم. لقد جرى الانسحابُ بعد أنْ تمّ التوقيعُ على اتّفاقيّةٍ بإشراف الأمم المتّحدة؛ تقضي بانسحاب القوات السوفييتيّة، وإقامة حكومةٍ محايدةٍ، وإعادة اللاجئين، إلا أنّ "المجاهدين" رفضوا الاتّفاقيّةَ وواصلوا القتال، في حين أتمّ السوفييتُ الانسحابَ من طرفٍ واحدٍ في منتصف فبراير عامَ 1989، وظلّ الصراعُ قائمًا بين المجاهدين وبين قوّات الحكومة بزعامة نجيب الله، الذي تخلّى عن منصبه بعد محاولة انقلابٍ فاشلةٍ في مارس عامَ 1990، لجأ فيها إلى مقرّ الأمم المتّحدة، ليخلو الجو للمجاهدين في السيطرة على البلاد. لم يدم الأمرُ كثيرًا حتى تجدّد الصراعُ بين المجاهدين أنفسِهم، وأصبحت البلادُ مقسّمةَ الولاءات بين جنرالات الحرب الأهليّة، وفسيفساء التعدديّة العرقيّة المتواجهة، لتغرق مرّةً أخرى في بحر الدم. إنّ أغلب الصراعات والخلافات التي دارت في أفغانستان؛ هي صراعاتٌ قوميّةٌ وليست صراعاتٍ طائفيّة.

يشكّل المسلمون السنّة (الحنفية) نسبةً تزيد على 90 بالمئة من سكان البلاد، في المقابل يشكّل الشيعةُ ما بين 8 - 10 بالمئة، وبعضهم إسماعيليّة، وتزخر أفغانستان بنحو 20 قوميّةً موزّعةً على أربع مجموعاتٍ رئيسيّة هي: 1-البشتون؛ وتشكّل ما بين 55 إلى 60 بالمئة من السكان، 2-الطاجيك؛ ويشكّلون نحو 20 بالمئة من السكان، 3- مجموعةُ قبائلَ تنحدرُ من أصلٍ تركي؛ وتشكّل نحو 10 بالمئة، وأهمُّها: قبيلة الأوزبك، والتركمان، والقيرغيز، والإيماق، 4-الهزارا؛ ويشكّلون ما بين 8-10 بالمئة، وغالبيّتهم من الشيعة، وبعضهم إسماعيلون، كما أن هناك أقليّاتٍ ما بين 5 إلى 7 بالمئة، وهناك البلوش والبراهنيون والنوريستانيون، وهناك أقليّاتٌ صغيرةٌ جدًّا من اليهود والسيخ والأرمن.

صعودُ طالبان

أسّس الملا محمد عمر حركةَ طالبان سنةَ 1994، وقدّمت المخابراتُ الباكستانيّةُ الدعمَ الكبيرَ للحركة من أجل السيطرة على البلاد المقسّمة، التي تعاني من صراعاتٍ دمويّةٍ بين أمراء الحرب، وكان لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن دورًا كبيرًا في تقوية الحركة لإقامة مشروعٍ متطرّفٍ عنوانُهُ "إحياءُ الخلافة". قدّم بن لادن الدعمَ الكبيرَ واللازمَ من المال والمقاتلين لحركة طالبان، وخصوصًا في الحرب على الشمال؛ بهدف بسط السيطرة الكاملة. سارت طالبان، مع الوقت، على هدى أفكار أسامة بن لادن الذي لم يتخلَ عنه محمد عمر، وعَدَّهُ ضيفًا لا يمكن طردُهُ من البلاد، فكانت النتيجةُ إنهاءَ مشروع الخلافة الذي تريد طالبان الآن إحياءَهُ بنسخةٍ جديدة.

عندما تسلّمت طالبان الحكمَ سنةَ 1996، لم تكن هناك شبكةُ مياهٍ، ولا كهرباء، ولا طرقٌ سالكة، كانت البلادُ تعاني من الضروريّات الأساسيّة، كالغذاء، والمياه، والأمن...، وتشيرُ الإحصاءاتُ إلى أنّ وَفَيَاتِ الأطفالِ الرضّعِ هي الأعلى في أفغانستان منتصف التسعينات، وأنّ ربعَ الأطفال يموتون في عمر الخامسة، والاقتصاد مدمّر.

يقول الخبيرُ الباكستاني في شؤون أفغانستان أحمد رشيد: إنّه "خلال سنتيْ 1994 و1999، تلقّى ما بين 80,000 - 100,000 باكستاني تدريباتٍ عسكريّة، وقاتلوا في أفغانستان إلى جانب طالبان"، وإنّه حتّى 11 سبتمبر سنة 2001، شاركت الاستخباراتُ الباكستانيّةُ مع الآلاف من أفراد القوّات المسلّحة الباكستانيّة في القتال في أفغانستان.

وسنةَ 2001، ووَفْقًا لمصادرَ دوليّةٍ عدّة، كان 28,000 - 30,000 مواطنٍ باكستاني و 14,000-15,000 أفغاني من طالبان و 2000-3000 من مقاتلي القاعدة؛ يقاتلون ضدَّ القوّات المناهضة لطالبان في أفغانستان، لتكون قوّةً عسكريّةً قوامُها 45,000 فرد. وكان برويز مشرف - الذي كان آنذاك رئيسَ أركان الجيش - مسؤولًا عن إرسال آلاف الباكستانيّين إلى القتال جانب طالبان، وابن لادن ضدّ قوّات أحمد شاه مسعود.

تؤكّد وثيقةٌ صدرت عامَ 1998، عن وزارة الخارجيّة الأمريكيّة أنّ ما بين "20-40 بالمائة من جنود طالبان النظاميّين هم باكستانيّون"، وطبقًا لتقرير وزارة الخارجيّة وتقارير هيومن رايتس ووتش؛ فإنّ الباكستانيّين الذين يقاتلون في أفغانستان كانوا جنودًا باكستانيّين نظاميّين. لقد تبخّر كلُّ شيءٍ بعد 11سبتمبر سنةَ 2001، بتفجير برجي التجارة العالميّة في نيويورك وما أعقبه من تداعيات.

الغزو الأمريكي

كان واضحًا أنّ المحافظين الجدد في الولايات المتّحدة الأمريكيّة قد تمكّنوا من زمام الأمور، وباغتوا القوى ومؤسّسات المجتمع المدني الأمريكيّة، كما فاجؤوا العالمَ بالخطوات الدراماتيكيّة التي أقدموا عليها، فوجّهوا سهام الاتّهامات إلى كلٍّ من: أفغانستان، والعراق، فقاموا بغزو الأولى بعد ثلاثة أشهرٍ من تفجير البرجين،  وغزوا العراقَ سنةَ 2003، ودمّروه وأخرجوه من التاريخ، حتى الآن على الأقل. كان الرئيسُ جورج بوش الابن يؤكّد في أغلب خطاباته على شعاره الشعبوي السيئ "من ليس معنا فهو ضدُّنا".

الآن، وبعد عشرين عامًا على غزو أفغانستان، ومع هرولة الجنود لصعود طائرات الشحن العملاقة للهرب من الجحيم الطالباني؛ بدأت عمليّةُ عدّ الخسائر التي تكبّدتها الولاياتُ المتّحدةُ في أطول حروبها – كما تصفها العديدُ من وسائل الإعلام الأمريكيّة –.

تشيرُ صحيفةُ الغارديان إلى أنّ الحرب كلّفت الخزينةَ الأمريكيّة نحو تريليوني دولار (2000 مليار دولار)، وحسب تقرير الصحيفة، الذي نشر في وسائلَ إعلاميّةٍ عدّة، فإنّ أمريكا أنفقت على معدّات القتال 837 مليارَ دولار، ومبلغ 145 مليارَ دولارٍ لإعادة إعمار أفغانستان، كما أنفقت 9 مليارات دولارٍ على محاربة تجارة المخدّرات، لكن هذه التجارةُ، وبدلًا من تراجعها، ازدهرت أكثر في العصر الأمريكي(!!)، وبلغ حجمُ الخسائر البشريّة – وَفْقَ نيويورك تايمز – 2448 جنديًّا أمريكيًّا، وأكثرَ من 3 آلاف متعاقد – وَفْقَ "الغارديان" – وتقدّر عدد إصابات الجيش الأمريكي نحو 20 ألفَ إصابة. تعدّ هذهِ الأرقامُ متواضعةً أمامَ عدد الأفغان الذين قتلوا، الذين بلغ عددُهم 66 ألفَ عنصرٍ من الجيش والشرطة، كما قُتل 47 ألفَ مدنيٍّ أفغاني، ونزح ملايينُ الأشخاص.

إنّ هذهِ الحربَ المجنونةَ التي دامت عشرين عامًا، قادت إلى عدم الاستقرار الأمني والسياسي، ودفعت البلاد إلى الانهيار الاقتصادي. يقدّر البنكُ الدوليُّ أن 72 بالمئة من الأفغان يعيشون تحت خطِّ الفقر، وأنّ معدّلَ البطالة يلامس 38 بالمئة، ونحو 6 ملايين أفغاني، نصفُهم من الأطفال في حاجةٍ لمساعداتٍ إنسانيّةٍ عاجلة، حسب منظّمة اليونسيف، وأن 3 ملايين وسبعمائة ألف طفلٍ لم يلتحقوا بالمدارس.

أمّا العارُ الذي عدّهُ الجيشُ الأمريكيُّ كبيرًا، فهو ما انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي لمقاتلي طالبان وهم يتفقّدون أسلحةً ومعدّاتٍ أمريكيّةً كبيرةً وكثيرةً بعد الاستيلاء عليها من الجيش الأفغاني، بما فيها: مروحيّاتُ "بلاك هوك" الهجوميّة، وأسلحةٌ آليّةٌ متعدّدةُ الأحجام. لقد أنفقت أمريكا أكثرَ من 83 مليارَ دولارٍ على تدريب الجيش الأفغاني وتجهيزه خلال عشرين عامًا دون جدوى، في حين ضرب الفسادُ النخبةَ السياسيّةَ التي أتت بها الإدارةُ الأمريكيّةُ، وأسهم ذلك في تفسّخ الجيش الذي كان الرهان عليه رئيسيًّا. كان كبارُ الجنرالات يتقاسمون الأجورَ العائدة إلى نحو 100 ألفِ اسمٍ وهميٍّ مسجّلين في الجيش، وهذهِ المعلوماتُ والأوضاع التي آل إليها الجيشُ؛ هي معروفةٌ لدى حركة طالبان التي لم تخض معاركَ حقيقيّةً لإسقاط المدن والولايات. لقد أتاحت هذهِ المعطياتُ لحركة طالبان بأنْ تفرضَ شروطَها على الأمريكان، فرفضت تمديدَ مهلةِ انسحاب القوّات الأمريكيّة والأجنبيّة الأخرى من مطار كابول في نهاية شهر أغسطس الجاري.

المفارقةُ؛ هي أنّ قادةَ مجموعة السبعة الكبار غيّروا من لهجتهم التي اعتادوها طيلةَ عشرين عامًا؛ فانتقلوا من إطلاق التصريحات التي تهدّد الإرهابَ، وتتوعّد بقطع دابره، وضربه في عقر داره، وشنّ الحروب عليه أينما كان؛ إلى استجداء السماح لهم بممرٍّ آمنٍ في جزءٍ من مطار كابول يهرب منه الجنودُ الأمريكيّون والبريطانيّون، وجنودُ الناتو والجواسيسُ والمتعاونون. يفسّر هذا الاستجداء، تصريحُ الرئيس الأمريكي يوم 25 أغسطس/آب، عندما أكّد أنّ قوّاته ستنهي وجودها في أفغانستان نهايةَ الشهر "فكلّ يومٍ إضافيٍّ خطرٌ على قوّاتنا.. وتنظيمُ الدولة في خراسان يستعدّ للقيام بعمليّاتٍ إرهابيّةٍ، وهو خطرٌ علينا وعلى طالبان أيضًا".. وقد فعلها التنظيمُ الإرهابيُّ وفجّر بالقرب من مطار كابل، وقتل جنودًا أمريكيين، ومدنيين أفغان، ليتذكر الرئيس جو بايدن مرّةً أخرى ما استحضره من التاريخ: "أفغانستان مقبرةُ الإمبراطوريّات".

خلّف الزلزالُ الأفغانيُّ ارتداداتٍ كثيرة، في المحيط القريب، حيث تشترك ستُّ دولٍ مع هذه الدولة في الحدود، ويمتدّ التأثيرُ للمنطقة العربيّة التي لا تزالُ تتوجّسُ وتستشعرُ الإرهاصاتِ الأوليّةَ لصعود "طالبان" مجدّدًا، وبدأ شدُّ الرّحال الأمريكيّة، نحو بحر الصين الجنوبي، حيث يشتدّ وطيسُ "الحرب التجاريّة" بين العملاقين؛ الولايات المتّحدة، والصين. إنّ الأيامَ حُبلى بالكثيرِ القادمِ من آسيا لمنطقتِنا العربيّة.. إنّها مسألةُ وقتٍ ليس إلّا.