Menu

مآلُ الأحاديّةِ الأمريكيّة.. بعد سيطرةِ طالبان على أفغانستان..!

محمد صوان

بوابة الهدف الإخبارية

في أوائلِ تشرين أوّل عامَ 2001؛ بدأت الولاياتُ المتّحدةُ عمليّةً عسكريّةً واسعةَ النطاقِ في أفغانستان؛ ردًّا على هجمات 11 أيلول 2001، التي استهدفت برجي منظّمةِ التجارةِ العالميّة في نيويورك.. وبعد عشرِ سنواتٍ على تلك الحادثة، شرعت الإدارةُ الأمريكيّةُ بإجراءِ مفاوضاتٍ مع حركة طالبان على نحوٍ جدي، على يدِ الرئيسِ الأسبقِ باراك أوباما، وتواصلت تلك المفاوضاتُ في عهد الرئيس الجمهوري ترامب.. وبعد عشرين عامًا على غزو أفغانستان واحتلاله؛ أعلن الرئيسُ الديمقراطيُّ جو بايدن، أنّ "الوقت قد حان لسحب جميع القوّات الأمريكيّة والأطلسيّة من أفغانستان، فهذا البلدُ مقبرةُ الإمبراطوريّات".. وبذلك يكون وسطُ آسيا قد دخل مرحلةً من الغموض بشأن ما يخبّئه المستقبل.. بعد قرار الانسحاب والتراجع الأمريكيّ المدّوي اقتصاديًّا، وقبل ذلك سياسيًّا وحتى عسكريًّا.

تطوّر مسارُ التفاوض

شهدت العاصمةُ ال قطر يّةُ الدوحةُ والألمانيّةُ برلين، ابتداءً من 20/3/2019؛ سلسلةَ لقاءاتٍ بين كلٍّ من: الإدارة الأمريكيّة وحركة طالبان، وحكومة أشرف غني، وممثّلين عن الأمم المتّحدة، أسفرت عن تفاهماتٍ لاقت قَبُولًا دوليًّا، وتوافقت بموجبها جميعُ الأطراف على الآتي:

  1.  إنهاءُ الاحتلال الأمريكيّ والوجود الأجنبيّ على الأراضي الأفغانيّة.
  2. الاعترافُ بحركة طالبان منظّمةً سياسيّةً يمكنها المشاركة بإدارة شؤون البلاد؛ حالَ إقرار الدستور، والتناوب على السلطة.
  3. رفعُ أسماء قيادات الحركة من القوائم السوداء، وتسهيلُ حركة أعضائها لتكثيف مساعي التوصّل للسّلام؛ لأنّ تحقيقَ ذلك يتطلّبُ بيئةً مفتوحةً ومريحةً دون وجودِ ضغوطٍ خارجيّة.
  4. فكُّ الارتباط بين حركتي طالبان والقاعدة.
  5. وضعُ دستورٍ جديدٍ للبلاد، وإجراءُ انتخاباتٍ تشريعيّةٍ ورئاسيّة.
  6. تعزيزُ حقوقِ الإنسان، وفي المقدمة؛ المرأةُ والأقليّات.
  7. جعلُ الانسحابِ الأمريكيّ والأطلسيّ من أفغانستان أكثرَ أمنًا.

تراجعٌ أمريكيٌّ وصعودٌ صيني

أغلبيّةُ القراءاتِ والتحليلات الاستراتيجيّة خلال العقد الأخير من القرن الماضي؛ رجّحت تراجعَ الاقتصاد الأمريكيّ إلى المرتبة الثانية؛ ابتداءً من العقد الثاني من القرن الحالي، وأنّ الصين ستتحوّل إلى قوّةٍ عظمى، وسيكون لها تأثيرُها في المنظومة الأمنيّة الأمميّة وسطَ آسيا وغربها. هذهِ القراءاتُ صحيحةٌ، إلا أنّ بعضها تحفّظ على الفترة الزمنيّة المفترضة لحدوث تلك التحوّلات؛ كونها بعيدةً نسبيًّا في المقاييس العسكريّة والسياسيّة.. لذلك لم تكن المخاوفُ من حدوث تلك التحوّلات واردةً في حسابات مراكز القوى الغربيّة، باعتبار أن "الفترةَ الفاصلة تحتاج إلى نصف قرنٍ لبلوغها الحدّ الأدنى".

اليوم نحن في منتصف الفترة الافتراضيّة، حيث دخل العالمُ هذهِ الحقبةَ وشرع بتجاوزها، وأصبح اقتصادُ الولاياتِ المتّحدة في الموقع الثاني – تقريبًا – بعد أن تراجعت حصّتُها في الدورة الإنتاجيّة للكرة الأرضيّة "من النصف إلى الثلث". إنّ وصول العالم إلى هذا المستوى؛ سبقه حدوثُ كثيرٍ من التطوّرات الجيواستراتيجيّة؛ أدّت إلى سقوط دولٍ ونهوض أخرى..  واستطرادًا؛ حين وقعت هجماتُ 11/9/2001، كانت الولاياتُ المتّحدة لا تزال في موقعٍ يعطيها القدرةَ على الردّ ومواجهةِ كلّ ضربةٍ عسكريّةٍ بضربتين، مثلما حدث في أفغانستان 2001، واجتياح العراق 2003. كانت الاستراتيجيّةُ الأمريكيّةُ – آنذاك – واضحةَ المعالمِ في ترسيم حدود مصالحها، وفرض نفوذها السياسي المقرون بقوّتها العسكريّة التي لا تضاهى.

بعد تلك الحقبة، أخذت عوارضُ الضعف تظهرُ وتؤثرُ في مجرى الدور الأمريكيّ في العال؛ فالصينُ التي كانت حدودُها تنتهي على شواطئ المحيط الهادي أخذت تتوسّعُ سياسيًّا في الأقاليم المجاورة، وشرعت تبني قوّةً بحريّةً تحمي مصالحها الاقتصاديّة في الجرف القاري.. أمّا روسيا الاتحاديّةُ التي غابت عن المشهد الدولي أكثرَ من عقدين؛ فبدأت تستفيقُ وتنشطُ في محيطها الجواري - القرم وأوكرانيا - في وقتٍ أخذت واشنطنُ بالانسحاب من مواقعها ومراكزها المستحدثة في أفغانستان والعراق!

لقد كان القرارُ بالانسحاب صدمةً استراتيجيّةً؛ لأنّ الفراغَ ليس مسألةً نظريّة؛ كونه يشكّلُ نقطةَ جذبٍ تشدُّ الأطرافَ طوعًا إلى الاصطدام، فالفراغُ أشبهُ بالمغناطيس السياسيّ الذي يجذب القوى إلى مركز الدائرة، بحيث تبدأُ القوى الفاعلة بالتضارب؛ حتى لو كان الأمرُ على حساب الداخل الوطني، وضد المواطنين في الساحات العامة.. الانسحابُ العسكريّ الأمريكيّ من بعض المواقع المستحدثة كان له تداعياتٌ سياسيّةٌ فاقت التوقّعات، ولم يعد بالإمكانِ ضبطُهُ دون الانجراف نحو اقتتالٍ أهليٍّ يتطلّب كثيرًا من الجهد لوقفه عند الحدّ المعقول للتسوية بين حاجة الدول إلى الأمن والاستقرار، وحقّ الشعوب بالحريّة والاختيار الحرّ وتقرير المصير.

 يقولُ الفيلسوفُ الألمانيُّ هيغل: "الاستبداد يؤدّي إلى الفوضى التي بدورها تعزّز الرغبةَ في طلب الاستبداد " وهذا ما حدث في شرق المتوسط وغرب آسيا ووسطها، حيث تاهت الخياراتُ بين مناهضة الاحتلال والاستبداد، والخوف من تداعيات الفوضى. لم تعد الولاياتُ المتّحدةُ الدولةَ الناشطةَ في جميع الحقول والمجالات، كما كان دورُها مطلعَ القرن الماضي.

 يقول ابنُ خلدون في مقدّمته: "الدولُ كالبشر؛ تعيشُ فترةً محدّدةً لا تزيد على 120 عامًا، وتمرّ بأطوار الطفولة والمراهقة والكهولة والشيخوخة، وأخيرًا العجز"..!

أسئلةٌ بلا أجوبة 

المسألةُ – فعلًا – تطرحُ السؤالَ المؤجّل: هل وصلت الولاياتُ المتّحدةُ إلى مرحلة العجز؟ أم أنّها فترةُ الشيخوخة؟ أم هي لا تزال في حقبة الشباب؟ أم أنّ ما قاله ابنُ خلدون ينطبق بشروطه على الدول المعاصرة وبنيتها؟!

الأجوبةُ كلُّها مفتوحةٌ على احتمالاتٍ لا يمكن ضبطُها وضمان انفعالاتها بعد الإشارات السلبيّة التي جدّدت واشنطن إرسالها إلى حلفائها الأوروبيّين بدايةً.. فقرارُ الانسحابِ والطريقةُ التي تمّ بها، أصاب المركزَ العصبي لجهاز التنفس الاقتصادي والأمني لدول الحلف الأطلسي؛ الأمرُ الذي يتطلّب حمايةَ الرئة من الاختناق وانطباق الصدر. حتى الآن لا يمكن التوصّلُ إلى جوابٍ واضحٍ بشأن المسألة.. فالحدثُ يتطلّبُ قراءةً هادئةً للتعرّف إلى ما تخفيه العاصفةُ الاستوائيّةُ من ارتداداتٍ ليست ظاهرةً في الأفق المنظور، لذلك تصبح التوقّعاتُ أفضلَ وسيلةٍ للتدليل على المسار الذي يمكن أن تدخلَهُ التداعياتُ قبل أن تستقرّ الأمور.. فالتوقّعاتُ متباينةٌ وغيرُ موحّدةٍ في خطّ سيرها، وهي تتفاوتُ بين الانزواءِ العسكري والانسحاب، أو المواجهة إذا اقتضت المصالح، أو ترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي، إلى أن تمرّ العاصفةُ بالحدّ الأدنى من الخسائر.

كلُّ القراءاتِ هذهِ محكومةٌ بسؤالٍ يتعلّق بمدى قدرة الدول الكبرى على المناورة والتحمّل، ومدى استعداد الولايات المتّحدة للإقرار بالهزيمة؛ صونًا لما تبقّى لها من مصالحَ وشبكةِ حلفاءَ وأصدقاء؟!

فإذا كانت الإدارةُ الأمريكيّةُ ومعها بلدانُ الحلف الأطلسي يقرؤون الانسحابَ من منظارٍ سلبيّ، ويشاهدون ما يحدث وكأنّه قد يعرّض مصالحهم المباشرة للخطر؛ فمعنى ذلك أنّهم قد لا يتردّدوا في الردّ؛ كي يمنعوا موازين القوى من الانكسار لمصلحة طرفٍ ضدّ آخر، وإذا كانت الإدارةُ الأمريكيّةُ عينُها تنظرُ إلى التحوّلات بمنظارٍ إيجابي، وبأنّها معنيّةٌ مباشرةً بالتداعيات الناجمة عن تأزّم ملفات وسط آسيا وشرقها وغربها؛ فمعنى ذلك أنّها ستنتقل من الدفاع إلى الهجوم. 

أما خارج هذا المشهد الفوضوي والمتدهور، فإنّ السياقَ العام يبدو في مرحلة الانتظارِ للآتي من بعيدٍ وقريب.. ولذلك، يبدو المشهدُ ملبّدًا ومشوّشًا، وكي تتوضّح المعالم؛ فإنّه لا بدّ من التوافق على مدى جديّةِ الرئيس الأمريكيّ بايدن، وإشاراته المتكرّرة بشأن المصالح الأمريكيّة والأوربيّة في وسط آسيا وغربها.

التحوّلاتُ مفتوحةٌ على احتمالاتٍ وترجيحاتٍ بين ما هو حقيقيٌّ ومرئيٌّ، وما هو كامنٌ في مكانٍ غيرِ منظور، إلا أنّ الواضحَ من الأرقام يمكن ملاحظته بتراجعِ مسارِ الاقتصاد الأمريكيّ؛ قياسًا بالدورة العالميّة للإنتاج – الانتقال إلى تعدديّةٍ دوليّةٍ تلغي حقبةَ الأحاديّة الأمريكيّة – فالأرقامُ تقول: إنّ الولاياتِ المتّحدةَ لم تعد الدولةَ الأولى اقتصاديًّا.. فهل هذا يعني أنّها أصبحت أضعفَ مما كانت عليه في السياسة والقوّة العسكريّة؟!

سؤالٌ يحتملُ إجاباتٍ متعارضةٍ في نتائجها، ويحملُ في الوقتِ نفسه أسئلةً أخرى، فهل ستديرُ الولاياتُ المتّحدةُ ظهرَها لوسط آسيا وغربها؛ تاركةً الساحاتِ مفتوحةً على تدخّلاتٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ لتعبئةِ الفراغ، والدخول في مواجهاتٍ بذريعة أنّها أصبحت مشغولةً بالتصدّي للتنّين الصينيّ الزاحف من الشرق؟! أم أنّها غيرُ قادرةٍ على الدفاع عن مصالحها – باستثناء أمن "إسرائيل" – ولذلك قرّرت الانكفاءَ والتحصّن خلف جدرانها المغلقة؟! أم أنّ هناك مفاجأةً غيرَ متوقّعةٍ تشبهُ عودةَ الشيخ إلى صباه؟!

ما يحدثُ – كما يبدو من ظاهر المشهد – أكبرُ كثيرًا من موضوع تراجع القيمة الاستراتيجيّة لوسط آسيا وغربها، ومن مسألةِ انزلاقِ الدولِ الكبرى وطموحِها لتعبئةِ الفراغِ الأمنيّ، وبسطِ نفوذِها السياسيّ في الجوارِ الجغرافيّ. ما يجري هو أكبرُ من دائرةِ وسط آسيا وغربها، ويتّصلُ – أساسًا – بإعادةِ تشكيلِ خريطةِ مراكزِ القوى، وتوزيعِ مناطقِ سيطرتِها؛ بناءً على أرقامِ المعادلاتِ الاقتصاديّةِ الدوليّةِ التي بدأت تظهرُ – ميدانيًّا – في مناطقَ متعدّدةٍ من العالم.