Menu

قراءةٌ في رؤية د. سمير أمين حولَ مستقبلِ الاشتراكيّة

رامي مراد

بوابة الهدف الإخبارية - نشر في العدد 30 من مجلة الهدف

طرقُ التنميّةِ ذات التوجّه الاشتراكي:

يؤكّد د. سمير أمين على أنّ الاشتراكيّة لا يمكن أنّ تكون إلا نتاجًا لصراع الطبقات والشعوب المستغلّة والمقهورة، ويرسم ملامحَ المستقبل الاشتراكي الذي يقوم على مبادئَ أساسيّةٍ مترابطةٍ لا يمكن الفصلُ بينهم، وهي:

أوّلًا: بناءُ عالَمٍ مؤسّسٍ على التضامن بين البشر، وليس المنافسة؛ ويقصد بهذا: بناءُ عمليّةِ التلاحم الاجتماعي على أساس الديمقراطيّة؛ بدلًا عن السوق.

ثانيًا: بناءُ عالَمٍ مؤسّسٍ على الاعتراف بالضفّة غير التجاريّة للطبيعة ولموارد الكوكب، والأراضي الزراعيّة، بما يسمح بمواجهة التحدّيات الإيكولوجيّة والمناخيّة الرئيسيّة، وكذلك الاعتراف بالطبيعة غير التجاريّة للمنتجات الثقافيّة والمعارف العلميّة والتعليم والصحّة.

ثالثًا: دعمُ السياسات التي توثّق الترابط بين الديمقراطيّة وبين التقدّم الاجتماعي، مع تأكيد استقلاليّة الأمم والشعوب.

رابعًا: تأكيدُ التضامن بين الشعوب في بناء رابطةٍ دوليّة، على أساس مناهضة الإمبرياليّة.

يعدّ حديثُ الدكتور سمير أمين عن بدائل التنميّة ذات التوجّه الاشتراكيّ من أهم ما كتب في رؤيته حولَ مستقبلِ الاشتراكيّة، ويعدّ وَفْقَ هذهِ الرؤية؛ أنّ التنميّة التي تربط العدوان المتصاعد من مركز الرأسماليّة بالعالم على تخوم الرأسماليّة بشكلٍ متعدّد الأبعاد، في محاولةٍ مستمرّةٍ لفرض الإدارة الاقتصاديّة للسوق غير المقنّن لصالح الرأس مال، والتراجع عن المكتسبات الاجتماعيّة، وقهر المقاومة الشعبيّة عن طريق العنف، وتنفيذ حروبٍ استباقيّةٍ ضدّ البلدان غير الخاضعة بالمطلق لمنومته وهيمنته. كلّ ذلك يعدّه سمير أمين تعبيرًا موضوعيًّا عن أنّ الرأسماليّةَ حالةٌ عابرةٌ في البشرية، وسيكون بديلُها هو الاشتراكيّة؛ عبرَ مراكمة عوامل تعزيزها بديلًا يعتمد على الرؤية الاشتراكيّة للتنميّة وَفْقًا للأسس السابقة.

من غير المجدي، كما يرى د. سمير أمين تضخيم ما حظيت به الرأسماليّة من تراجعٍ بات واضحًا، كما في احتلال الولايات المتّحدة الأمريكيّة للعراق وأفغانستان، أو في تراجع ضمان أكبر نسبةٍ من الربح للرأسمال بأيّ ثمن؛ وهذا بالطبع بسبب تصدي الشعوب لهذه الهيمنة وهذا العدوان المتكرّر. لكن يرى د. سمير أمين أنّ هذه الهبّة والمكتسبات التي حقّقتها الشعوبُ عبر منظماتها؛ القليلُ منها اشتراكيٌّ لا يشكّل مشروعًا بديلًا للهيمنة الرأسماليّة في ظلّ استمرار غيابٍ أو تغييبٍ قصريٍّ لليسار، كرافعةٍ تنظيميّةٍ لهذه الجماهير التي تعمل الرأسماليّةُ على إيجاد أطرٍ معولمةٍ وليبراليّةٍ لاستيعابها؛ كي لا تصبح جمهورًا لليسار الذي سيحوّلها إلى حالةٍ ثقافيّةٍ مناهضةٍ للهيمنة الرأسماليّة، ما يعني ذلك بقاءها في إطار عولمةٍ رأسماليّة.

الأطروحاتُ الثلاثُ التي تكوّنُ هيكلَ أفكار د. سمير أمين

ليس غريبًا أن يُفرّق د. سمير أمين بين الرأسماليّة الحاليّة (القاتمة فعليًّا)، وتلك المتخيّلة وَفْقَ أيديولوجيّة اقتصاد السوق؛ فالأولى – من وجهة نظره – إمبرياليّةٌ بطبيعتها مبنيّةٌ على أساس سيطرة المراكز الإمبرياليّة؛ (أوروبا، أمريكا، اليابان) على العالم، وهي تنفي بسبب طبيعتها هذه أيّ إمكانيّةٍ للسماح لدول تخوم الرأسماليّة أن تلحق بها؛ لتصبح دولًا رأسماليّةً ومجتمعاتٍ غنيّة. ما يعني – وَفقًا لطرحه – أن دول التخوم؛ وهي آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينيّة، ليس أمامها سوى الاختيار – وَفقًا لدول المركز الإمبريالي بين الاشتراكيّة أو البربريّة والفوضى – وهذا يعني أن منطلق الاشتراكيّة – بضرورة الدخولِ في مرحلة الرأسماليّة، كشرطٍ نحو التحوّل للاشتراكيّة – غيرُ واقعيٍّ في حالة دول التخوم.

ومن وجهة نظر د. سمير أمين؛ لا يمكن لدول التخوم أن تذهب لتبني استراتيجيّة "التنمية ذات التوجّه الاشتراكي"، كما يعبّر عنها كلٌّ من: الصين، وفيتنام، وكوبا، لما له من صعوبةٍ تتعلّق بوعي الرأسماليّة لآليّاتِ تحقيق التنميّة ذات التوجّه الاشتراكي وأدواتها، وصنعت مشروع التنميّة الليبراليّة بديلًا مدعومًا عالميًّا، ويُبقي دول التخوم بين الخيارين؛ الاشتراكيّة أو البربريّة. ويضيفُ عليها خيارًا ثالثًا، وهو بقاؤها خاضعةً للمركز وهيمنته، وفرض رؤيته لتنميّةٍ ليبراليّةٍ لدول التخوم.

التراكمُ عن طريق النهب؛ هو أمرٌ مستمرٌّ في تاريخ الرأسماليّة كما هي في الواقع

يؤكّد د. سمير أمين على أهميّة الوعي بأنّ التدمير الذي لحق بالبُنى الاقتصاديّة والصناعيّة لدول التخوم لم يحدث نتيجةَ تطبيق قوانين السوق؛ بمعنى أنّ الصناعة الأوروبيّة الأكثر كفاءةً حسب ما يزعم الرأسمال، قد حلّت محلّ الإنتاج الأقلّ منافسة، فهذا الخطاب يتجاهل العنف العسكري والسياسي المستخدم لإحراز هذه النتيجة؛ فلم تكن مدافعُ الصناعة الإنجليزيّة هي الفاعلة، بل المدافعُ الحقيقيّةُ هي التي قضت على تفوّق الصناعات التقنيّة لدول التخوم، وجاء منعُ التصنيع بأوامر المستعمرين؛ ليفرض التخلّف على آسيا وإفريقيا في القرنين التاسع عشر والعشرين. وكانت الفظائعُ الاستعماريّةُ والاستغلالُ البشعُ للعاملين؛ هي الوسيلةُ لتحقيق عملية التراكم عن طريق النهب – كما أسماها د. سمير أمين – لدول المركز الإمبريالي، ونحن نعيش اليومَ نتيجةَ هذا كلّه.

خلال القرن العشرين؛ ازدادت الفجوةُ اتّساعًا، حيث ارتفع الدخلُ الظاهري للفرد في دول المركز الرأسمالي عام 2000 إلى 20 ضعفًا مثيله في بلدان التخوم في مجموعها، ورفع التراكمُ عن طريق النهب بشكلٍ كبيرٍ مستوى الترف للطبقات الحاكمة، دون أن تستفيد منها الطبقاتُ الشعبيّةُ التي انخفض مستوى معيشتها في كثيرٍ من الأحيان.

الرأسماليّةُ المعولمةُ تؤدي بطبيعتها للاستقطاب

تقومُ الرأسماليّةُ المجرّدةُ المتصوّرةُ كأسلوبٍ للإنتاج على السوق المتكامل في أبعاده الثلاثة: (سوق منتجات العمل الاجتماعي، وسوق رأس المال، وسوق العمل)، لكن الرأسماليّة كنظامٍ عالمي، كما هي في الواقع؛ تقوم على التوسّع العالمي للسوق في بعديه الأوّلين فقط (سوق منتجات العمل الاجتماعي، وسوق رأسمال) وتستبعد قيام سوقٍ عالميٍّ للعمل؛ بسبب بقاء الحدود السياسيّة للدول، رغم عولمة الاقتصاد التي تبقى ناقصةً بسبب هذا الواقع.

لذلك، ووَفْقًا لما قدّمه د. سمير أمين؛ نستنتج أنّ الرأسماليّة بطبيعتها مستقطبةٌ دائمًا على المستوى العالمي، وتصبح النتيجةُ غيرُ المتساوية التي تؤسّس التناقض الآخذ في الاتّساع، والأكثر عنفًا في عصرنا الحالي، الذي لا يمكن التغلّب عليه في إطار المنطق الرأسمالي، ويفرض هذا الواقع؛ ضرورةَ تصوّرِ مرحلةٍ طويلةٍ جدًّا، وتتطلّب جهدًا كبيرًا جدًا للانتقال للاشتراكيّة العالميّة، كما أنّها يجب أن تبنى على استراتيجيّةٍ تنفي الرأسماليّة المعولمة، وتكون في تناقضٍ واضحٍ وفعليٍّ معها.

خيارُ التنميّة المتمحورة على الذات

كانت التنميّةُ المتمحورةُ على الذات – تاريخيًّا – هي الشكلُ المميّزُ لعمليّة التراكم الرأسمالي في المراكز الرأسماليّة، وهي التي حدّدت أشكالَ التنميّة الاقتصاديّة التي نتجت عنها؛ أي إنها كانت تتبع – أساسًا – تحركات العلاقات الاجتماعيّة الداخليّة، مع استخدام العلاقات الخارجيّة لمصلحتها. أمّا في التخوم في المقابل؛ فعمليّةُ تراكم رأسمال يتحكّم فيها بشكلٍ أساسيٍّ تطور المراكز؛ أي إنّها – بشكلٍ ما – تابعةٌ. وهكذا؛ فالتنميّةُ المتمحورةُ على الذات، تفترضُ ما يمكنُ تسميته التحكّم في الشروط الأساسيّة الخمسة للتراكم، وهي:

  1. السيطرةُ – محليًّا – على إعادة إنتاج قوّة العمل؛ الأمرُ الذي يفترض في مرحلةٍ أولى؛ أن تضمن سياسةُ الدولة تحقيقَ تنميّةٍ زراعيّةٍ قادرةٍ على إنتاج فائضٍ زراعيٍّ بكميّاتٍ كافية، وأسعارٍ تتمشى مع تحقيق ربحيّةٍ لرأس المال. وفي مرحلةٍ تالية؛ أن تضمن التوسّعَ في إنتاج السلع الداخلة في تحديد الأجر؛ لتتمشى مع التوسّع في رأس المال، وفي عدد العاملين بأجر.
  2. السيطرةُ – محليًّا – على تركيز الفائض، وهذا يفترض – ليس مجرّد وجود مؤسساتٍ ماليّةٍ وطنيّةٍ شكلًا – استقلاليّةً لهذه المؤسّسات بالنسبة لحركة رؤوس الأموال متعدّية الجنسيّة، على أن تضمن القدرة الوطنيّة على توجيه الاستثمار.
  3. السيطرةُ – محليًّا – على السوق المقتصر – واقعيًّا –  على الإنتاج المحلي، حتى إذا لم توجد حمايّةٌ قويّة؛ جمركيّةٌ أو غيرُ جمركيّة، وكذلك القدرة على المحافظة على التنافسيّة في السوق العالمي، بشكلٍ انتقائيٍّ على الأقلّ.
  4. السيطرةُ – محليًّا – على الموارد الذي يفترض – إلى جانب ملكيّتها الرسميّة – أن تتوفّر القدرةُ على استخدامها أو الاحتفاظ بها احتياطيًّا. وبهذا الفهم؛ فإنّ البلدان البتروليّة التي لا تستطيع التحكّم في "إغلاق الصنبور" – إذا فضّلت أن تحتفظ بهذا البترول في باطن الأرض؛ بدلًا من تحويله إلى ممتلكاتٍ مالية، يمكن مصادرتُها في أيّ وقت – لا تتحكّم في الواقع في مواردها.
  5. السيطرةُ – محليًّا – على التكنولوجيا؛ بمعنى: أنّه سواءً أكانت هذه التكنولوجيا مخترعةً محليًّا أو مستوردة؛ يكون من الممكن إعادة إنتاجها بسرعة، دون الحاجة لاستيراد مدخلاتها الأساسيّة (المعدات؛ المعرفة.. الخ).

وفي مقابل هذا المفهوم للتنميّة المتمحورة على الذات؛ هناك مفهومُ التنميّة التابعة (المبني على التكيّف من جانبٍ واحدٍ مع الاتجاهات السائدة التي يقرّرها تحرّكُ الرأسماليّة على المستوى العالمي). وهكذا؛ فالسيرُ في طريق التنميّة الرأسماليّة يمثّل لشعوب التخوم مأزقًا مأساويًّا؛ لأنّ الرأسماليّة المتقدّمة للبعض – المراكز المسيطرة التي تمثّل الأقليّة – تعني في الوقت نفسه؛ الرأسماليّة المتخلّفة للآخرين – الغالبية من سكان العالم – وهنا يسيطر المأزق على جميع أبعاد الحياة الاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة.

وتمثّل قضيّةُ الموارد الطبيعيّة محورًا ثانيًا وحاسمًا في صراع الحضارات بين الرأسماليّة والاشتراكيّة المرتقبة؛ فاستغلالُ الموارد غيرِ المتجدّدة للجنوب لصالح التبذير الاستهلاكي للشمال، هو كذلك شكلٌ من أشكال التراكم عن طريق النهب. فعندما يجري تبادلُ هذه الموارد مع مواردَ وخدماتٍ متجدّدة؛ يتعرّض مستقبلُ شعوب الجنوب للتضحيّة به على مذبح الأرباح الفائقة للاحتكارات الإمبرياليّة.

ويرى في الختام د. سمير أمين، أن البعد التخريبي للرأسماليّة، على الأقلّ لشعوب التخوم؛ يمنعنا من أن نتصوّر أنّه من الممكن لها أن تُستدام أو أن يقلّدها "المتأخّرون"، ومكانها في مجرى تاريخ البشريّة؛ أنّها مرحلةٌ عابرةٌ تمهّد الطريقَ لتجاوزها عبرَ اشتراكيّةٍ عالميّة؛ فإذا لم يحدث هذا التجاوز – من وجهة نظره – فلن تؤدّي الرأسماليّة إلا لمرحلةٍ من البربريّة والفوضى؛ أي لنهاية الحضارة البشريّة بالكامل.

* د. سمير أمين: قضايا متنوّعة حـولَ مستقبل الاشتراكيّة، الدائرة الثقافيّة المركزيّة، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، 1/4/2009.