يا دمع عنب الخليل وموج بحر صور وجرح المخيم ورفيق الدرب والحلم والسند !
المناضل المثال والدقيق والمهني، عاش جميلاً أنيقاً عاشقاً مليئا بالفرح وبفلسطينيته وبعفويته، ويرحل بكل لطف، والأهم يترك لنا النموذج الإنساني فيه، حين تلتمع البهجة في عينيه عندما تكون حالة كوزو أوكوموتو مستقرّة، لقد ظل طيفهُ الذي لم يفارقه، يده التي يأكل بها، عندما لم يكن يحسن استخدام يده، يعلّمه غسل الوجه، تنظيف الأسنان، حلاقة الدقن وحتى الاستحمام… وللعلم هو كلّف نفسه برعايته وحمايته بسعادة ورضى، مُندفعًا في اللحظات الصعبة إلى المهام النبيلة ودون أن يَرف له جفن، كأنه يستعد للرحيل باكرًا.
الضابط الفدائي خريج الكلية العسكرية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفي مجال العمل الخاص وقيادة الأرض المحتلة، ثم الجندي المجهول في جبهة المقاومة اللبنانية يقول عنها "لقد أطعمنا التجربة من أكتافنا، ثم ينظر إلى كفيه، كانت تتصلب من البرد في مغاور الجنوب والبقاع الغربي. يهز رأسه: تجربة لا تقرأ بالجملة، هناك القليل من أعطى لهذا القرار الصحيح حقه، لقد كان أبعد من كونه قراراً صائباً ومناسباً".
كان تأسيساً جديداً لوعي مقاوم نحن لسنا قوة طارئة فيها على مدى تجربة قضيتنا الوطنية. قامت الدنيا ولم تقعد لدى أجهزة الاستخبارات المعادية، يوم تداول أهل القرية خبر مشاهدتهم الفتى "الغريب" صاحب الشعر الأشقر والوجه الأحمر الأزرق العيون، منهم من قال أنه "خبير أجنبي"، لقد دوهمت كل محلات الحدادة التي اشتبه أنه كان يدخلها، حيث اعتقل أصحابها فيما بعد للتحقيق معهم حول هذا الرجل المجهول، من يكون وماذا يفعل وما حقيقة هويته؟ كان المجهول واسمه السري "سميح".
أبى إلا أن يكون سنداً، وكتفاً لكتف، يوم نزوحنا من مخيم نهر البارد في العام 2007 بثيابنا والبعض نزح بملابس النوم. وعندما، «فاضوا» عن مخيم البداوي إلى المحيط الشمالي من عكار إلى طرابلس وأكملوا نحو مخيمات بيروت والجنوب، وصولاً إلى التجمعات الفلسطينية في البقاع. التحق سميح متطوعاً بفريق العمل، يتابع بشكل مهني مهمة مدير مكتب لجنة متابعة إعادة اعمار مخيم نهر البارد، بإقدام ومثابرة وجهد، من القسم الفني في سفارة دولة فلسطين عمل بالخرائط والتصاميم مع الشركاء في الأونروا ولجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، متنقلاً بين السرايا وصندوق المهجرين والانماء والاعمار، يعمل بنفس طويل لاستيعاب صدمة المرحلة الأولية، وظل مواظباً دون انقطاع حتى الرمق الأخير بالتأكيد على الانتهاء من الاعمار وللملمة الحياة والنفس، مشغولاً بتحقيق «حلم» العودة إلى فلسطين!
نَادِرًا مَا يَتَكَلَّمُ عَنْ مَاضِيهِ وإن تكلم تكفي جملة "بت ولا عشرة لت" يؤمن بفلسفة العمل، أكثر من فلسفة الكلام. إن التاريخ يجب أن لا يختصر بسيرة فردية عندما تسأله عن حادثة يقول بتواضع كنا وقتها نكتب سيرة جماعية، مكونة من حزمة رجال يحملون مفاهيم ومؤلفة من بطولة وشجاعة وكرامة وطنية، كان فرداً من ثلة مسلحة بوعي ورؤية وحلم.
وداعاً يا صديقي.. ترحل ولا ترحل فقد وضعتنا في الاختبار الحقيقي عندما ندع أولئك الذين نحبهم كثيرا يذهبون. كأنما تردد وصية حبيبك غسان كنفاني : "ليس المهم أن يموت أحدنا.. المهم ان تستمروا.."
السلام لروحه والعزاء للعائلة والرفاق والأحبة.

