Menu

منظّمةُ التّحرير الفلسطينيّة: نوستالجيا أو استحقاقاتٌ في مواجهةِ ديناميات التدمير الذاتي

نضال عبد العال

نشر هذا المقال في العدد 30 من مجلة الهدف الإلكترونية

لا بدّ أنّ نقرّ بأنّ موضوعَ المنظّمةِ أشبعُ نقاشًا وتفكّرًا وتمحيصًا وتدقيقًا – ومن مختلِف الاتّجاهات على السّاحة الفلسطينيّة والعربيّة – ممّن يقفون في صفّ المنظّمة قلبًا وقالبًا، وممّن يسجّلون عليها في الأداء التفصيليّ بعضَ الملاحظات، وممّن ينطلقون من اعتبارها في موقعٍ آخرَ ومعسكرٍ آخر.

في الحقيقة؛ إنّ نقاشَ موضوع منظّمة التحرير الفلسطينيّة لم يتوقّف يومًا، فهي دائمًا كانت مثارًا للالتباس، وأمام علامات الاستفهام قبل أوسلو وبعده. هل هي مقدّسٌ لا ينبغي مسّه أو النيل منه أو تجاوزه أو إيجاد بديلٍ عنه؟ هل هي الوطنُ في غيابه، أم وسيلةٌ للوصول إليه؛ عبر ائتلافٍ جبهويٍّ سياسيٍّ نضاليٍّ دائمِ التشكّل سلبًا وإيجابًا؟ وما أجّج النقاشَ حولَها أكثرَ؛ أنّ أوسلو لم يكن مجرّد اتّفاق، بل شكّلَ مفصلًا كبيرًا في تاريخ القضيّة الوطنيّة الفلسطينيّة، وقد مثّل واقعًا سياسيًّا ديناميكيًّا متطوّرًا على أنقاضها، وعلى حساب دورها، فيتجاوزها بالمعاني والأبعاد التي ذكرناها، لذلك، فإنّ التوقيعَ باسم المنظّمة على هذا الاتّفاق (أوسلو) خلق الكثيرَ من الالتباسات حولَها، وعلى موقعها ودورها؛ فكانت المنظّمةُ في حالِ من يوقّع على إعدامه، لذا؛ قرّرت انتفاءَ الحاجة لها، وإسدالَ الستار على دورها، وإنهاءَ صلاحيّتها. وبذلك، صار نقاشُ موضوعِ منظّمةِ التحرير الفلسطينيّة ودورِها نقاشًا ماضويًّا، أو أشبه بنوستالجيا؛ حنينٌ ورغباتٌ لا تستند إلى وقائعَ أو حقائق، وهو بهذا المعنى نقاشٌ غيرُ تاريخي، أي أنّنا صرنا نتعاملُ مع مقدّسٍ أسطوريٍّ، نفترض أنّه خارجَ السياق التاريخي، الذي يفترضُ أنّ كلَّ الظواهر الاجتماعيّة السياسيّة دائمةُ التشكّل والتغيّر في الشكل والمضمون، ولا يمكن ولا يصحّ اعتبارُها ساكنةً؛ برغم تبدّل ما حولها وما فيها؛ فالمنظّمةُ في محصّلة الأمر ليست ظاهرةً خارجَ المعطى السياسي والاجتماعي الفلسطيني والعربي والدولي، لذلك، فإنّ القوى الفلسطينيّةَ وسياساتِها وأهدافَها وممارستَها السياسيّةَ ومصالحَها بما تمثّل من شرائحَ اجتماعيّة، كما المؤثرات الدوليّة والإقليميّة والعربيّة المحيطة؛ تتداخل بشكلٍ مركّبٍ ومعقّد، حيث تحدّد طبيعة هذه الظاهرة ودورها.

بالمعنى المشار إليه أعلاه، ليست المسألةُ رغباتٍ أو تمنيّات، بل إنّ هناك مقدماتٍ ومدخلاتٍ تدافعت منذ سنواتٍ في سياقِ مشروعٍ سياسيٍّ مبنيٍّ على التسوية السياسيّة، استطاعت حركةُ فتح، بما تمثّل ومن موقعها في قيادة هذه المنظّمة؛ أنْ تقودَ مشروعًا وطنيًّا جامعًا لمختلِف التيّارات والحركات والقوى التي تشكّلت منها منظّمةُ التحرير، ولم يستطع اليسارُ بكلّ اتّجاهاته الماركسيّة والقوميّة والوطنيّة أن يكون في موقع القيادة، أو أنْ يقدّم برنامجًا سياسيًّا وطنيًّا تقدميًّا بديلًا. ربّما حاول أن يكون في موقع الشريك القوي عند بعض المفاصل والمحطّات، لكنّه كان ضعيفًا في بعضها الآخر، في حين كانت حركةُ فتح؛ بتجانسها الطبقي مع الأنظمة العربيّة؛ تتمتّع بحاضنةٍ عربيّةٍ واسعة، ودعمٍ غيرِ محدود، ممّا أهّلها أن تؤدّي الأدوارَ الرئيسةَ طوالَ المرحلة الماضيّة، وظلّت أيضًا أمينةً لبرنامجها الخاصّ التسوويّ، وهي عبّرت مرارًا عن رغبتها في الدخول في تسويةٍ، وظلّت تتحيّن الفرصةَ إلى أن وجدتها مناسبةً في ظلّ المتغيّرات الدوليّة مع انهيار الاتّحاد السوفييتي، وما أحدثه من خللٍ وإرباكٍ عالمي، واستفراد الولايات المتّحدة فيما سمّي العالم بقيادة القطب الواحد، ثمّ حرب الخليج الثانية، واحتلال العراق في حرب الخليج الثالثة، لذلك كان اتّفاقُ أوسلو أحدَ أخطرِ المحطّات في السياق التاريخي لإعادة تشكيل المنظّمة ووظيفتها ودورها، حيث أسّس لواقعٍ سياسيٍّ يتجاوز المنظّمة؛ ميثاقها ودورها ووظيفتها.

في الوقت الذي كانت المنظّمةُ تمثّل كيانًا معنويًّا للاجئين إلى حين التحرير والعودة، فإنّ أوسلو مهّد عمليًّا لإلغاء قضيّة اللاجئين، ودفع تجاه تدمير مجتمعاتهم في دول الطوق، وفتح الآفاق لتدمير أهمّ حوامل مجتمع اللاجئين، وأتى على مؤسّسات المنظّمة التربويّة، والسياسيّة، والعسكريّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والعلميّة، والاقتصاديّة، التي عملت على استنهاض أوضاع اللاجئين في المخيّمات في بلدان اللجوء، ذبلت هذه المؤسّساتُ وماتت موتًا بطيئًا، أو تحوّلت إلى هيئاتٍ ولجانٍ ودكاكينَ فئويّةٍ وفصائليّة، لا تتمتّع بكيانيّةٍ ميثاقيّةٍ خارجَ التأثير السياسي المباشر، ومهّد اتّفاقُ أوسلو أيضًا الطريقَ لصفقة القرن، التي قرّرت تدميرَ وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الأنروا"، وإذا كانت المنظمةُ – حسب برنامجها المرحلي – تهدفُ لتحقيق استقلالٍ وطني، ودولةٍ مستقلّةٍ في المناطق المحتلّة عامَ ٦٧، فإنّ أوسلو دمّر الترابطَ الجغرافيّ لإقليم هذه الدولة، وسمح بتغوّل الاستيطان، فتحوّلت الدولةُ إلى كنتوناتٍ ومعازل، وقطاعات، والاستقلال إلى حلمٍ بعيد المنال.

كانت المنظّمةُ تستمدّ قوّةَ تمثيلها المرجعي للشعب الفلسطيني من حملها الأهدافَ الوطنيّةَ الجامعةَ للشعب الفلسطيني، وعلى قاعدة الثلاثي المقدّس "وحدة الأرض والشعب والقضيّة"، فأوجد أوسلو سلطةً فلسطينيّةً تستمدّ شرعيّتها من أوسلو، أي أنّه أوجد سلطةً تستمدّ شرعيّتها على إجهاض دور المنظّمة على الأرض، وبالملموس في الداخل والخارج.

  • الحديثُ ذاته – أيضًا – على بقيّة العناوين، مثل القدس والحدود والشعب الفلسطيني في المناطق المحتلّة عامَ ٤٨، وبهذا المعنى، فإنّ الدورَ الأخطرَ الذي قامت به منظّمةُ التحرير منذ تأسيسها هو هذا، أي أنّها أسّست فعليًّا لتدمير مقوّمات وجودها، وأسهمت في خلق الوقائع التي تتجاوزُ دورَها، لذلك نقول: إنّ نقاشها صار أشبه بنوستالجيا؛ حنينًا ماضويًا تجاوزته الأدوارُ السياسيّة والاجتماعيّة التي تتشكّل فيها، وتستمدّ مشروعيّتها منها.

إنّ بؤسَ الوقائع السياسيّة والاجتماعيّة الراهنة، وبفعل ديناميات التدمير التي أطلقها أوسلو، لا يعني أبدًا عدم الحاجة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، بل يبيّن أنّ الشعب الفلسطيني تراجع إلى الخلف؛ بمعنى أنّ الشعب الفلسطيني في وضعيّةٍ لا يستطيع أن يحقّق وجودَ إطارٍ وطنيٍّ جامعٍ تحرّريٍّ يحملُ تطلّعاته للعيش حرًّا مستقلًّا؛ لأنّ المنظّمة التي نعرفها، وبما حملته من مشروعٍ وطنيٍّ جامعٍ، تراكمت وتضافرت وتكاملت عواملُ عديدةٌ على تشكيلها، حيث نضجت كتلةً تاريخيّةً شاملةً لكلّ الشرائح الاجتماعيّة، وجامعةً لطموحات كلّ الشعب الفلسطينيّ وأحلامه وتطلّعه نحو الحريّة والاستقلال.

المدخلُ الصحيحُ؛ هو الإقرارُ بأنّ أوسلو تقدُّمٌ استراتيجيٌّ كبيرٌ للعدو، أدّى إلى واقعٍ فلسطينيٍّ مفكّك، وتحدّياتٍ واستحقاقاتٍ في كلّ تجمّعٍ فلسطيني، وظروفٍ ووقائعَ وأوضاعٍ اجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ متباينة. ما يعني أنّ هناك مسافةً لا بدّ من قطعها، وأسئلةً لا بدّ من الإجابة عليها، وصعوباتٍ لا بدّ من التغلّب عليها؛ كي يصلَ الشعبُ الفلسطينيُّ إلى المرحلة التي كان عندها قبل توقيع اتّفاقات أوسلو.

إنّ المناشدات والحوارات الوهميّة منذ سنواتٍ طويلةٍ لإعادة بناء المنظّمة، تكشف حسنَ نيّةِ الدعاة وسطحيّتهم في الوقت نفسه، فهناك من يتصوّر أنّ اتّفاقات أوسلو مجرّد رزمةٍ من الأوراق، يمكن جعلكتها ورميها في سلّة المهملات بكلّ بساطة، فنطوي الصفحةَ ونعود إلى حيث كنّا قبل توقيعها، فتعود المنظّمة لتأدية دورها وقيادة الشعب الفلسطينيّ ونضاله. وهناك من يتصوّر أنّ السلطةَ وأجهزتها المدنيّة والأمنيّة، هي مجرّد تسمياتٍ فارغة، لا توجد مصالحُ ولا امتيازاتٌ ولا صفقاتٌ ومراهنات، يمكن شطبُها أو إلغاؤها بقرار، فيعود الجميع إلى ما كانوا عليه في زمن الانتفاضات.

هناك حقيقةٌ لا بدّ من الإقرار بها، لا وجودَ لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة بوجود أوسلو؛ اتّفاقيّاتٌ وسياساتٌ وبُنًى ومصالحُ وامتيازاتٌ وتحديّاتٌ ومخاطرُ، فلا يستوي الأمرُ بوجود الشيء ونقيضه، وأوّل خطوةٍ في الألف ميل، هو اعتبار أوسلو، بالمعنى المشار إليه، دينامياتٍ معاديةً؛ تهدف إلى تدمير القضيّة الوطنيّة الفلسطينيّة بثوابتها المعروفة (وحدة الأرض والشعب والقضية). وبغياب هذه الثوابت لا وجود لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، وكلّما بدأ أوسلو بالأفول؛ بدأت المنظّمةُ بالظهور، وكلّما تقدّمَ الشعبُ الفلسطينيُّ وانخرطت أعدادٌ متزايدةٌ من شرائحه في المواجهة، هذا يعني أنّه يتجاوزُ أكثرَ فأكثرَ ديناميات التدمير الذاتي، التي أطقها أوسلو في الجسد الفلسطيني، ثمّ المزيد من التقدّم تجاهَ إعادة صياغة المشروع الوطنيّ الجامع والشّامل، وبلورة حاملة الإطار الوطنيّ الجامع للتحرّر الوطنيّ.