ليس فى مقدور أحد أن ينكر مدى الترابط بين المصادر الإيرانية لتهديد الأمن الإسرائيلى وما تعتبره إسرائيل مصالح وجودية وخاصة المصادر الثلاثة الأهم: القدرات النووية الإيرانية المتصاعدة واحتمال نجاح إيران فى تصنيع قنبلة نووية حسب ما تروجه تل أبيب من تحذيرات للعالم كله بهذا الشأن متجاهلة تماماً ما تملكه إسرائيل من ترسانة نووية هائلة، والقدرات الصاروخية الإيرانية المتفوقة القادرة على الوصول من إيران إلى إسرائيل بكفاءة عالية وبقدرات تدميرية هائلة فى مقدورها أن تضع نهاية للعائق الجغرافى بين إيران وإسرائيل، وأخيراً النفوذ الإيرانى المتسع فى إقليم الشرق الأوسط وخاصة ما يمكن اعتباره "جواراً إسرائيلياً" وبالتحديد فى العراق وسوريا ولبنان و فلسطين (قطاع غزة) وفى اليمن.
هذه المصادر الإيرانية للتهديد تراها إسرائيل خطراً وجودياً عليها، أى أنها لا تهدد فقط الأمن الإسرائيلى بل الوجود الإسرائيلى ذاته، ولهذا السبب تعمل إسرائيل بتفانٍ وبكل الوسائل من أجل إنهاء هذا الخطر، إن لم يكن بالقضاء على النظام الإسلامى الحاكم فى طهران فليكن بالعمل على إفساد فاعلية مصادر التهديد تلك بشتى الوسائل لذلك تعطى إسرائيل أهمية قصوى لسوريا ضمن معادلتها الاستراتيجية للتخلص من الخطر الإيرانى.
فبقاء سوريا حليفة لإيران معناه أن تبقى إيران تعمل على حافة الحدود الإسرائيلية سواء من الأراضى السورية أو من الأراضى اللبنانية، ومنها فى العمق الداخلى لدولة الاحتلال عبر الدور الفلسطينى المقاوم فى قطاع غزة. ولذلك لم يكن الترابط بين أزمة القدرات النووية الإيرانية وتعثر مفاوضات فيينا الخاصة بحل معضلة الأزمة الأمريكية- الإيرانية حول ما يعرف بالاتفاق النووى الإيرانى الموقع عام 2015، وبين ما يجرى التحرك من أجله حالياً خاصة من جانب روسيا لتسوية الأزمة السورية شديداً كما هو اليوم.
فمنذ أن بدأت معالم ظهور مثل هذا التحرك لتجديد جهود تسوية الأزمة السورية فى ظل متغيرات عربية وإقليمية ودولية جديدة، منها تفاهمات عربية- سورية لعودة العلاقات مع سوريا وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومنها حوارات وتفاهمات سعودية- إيرانية عبر الوسيط العراقى لتحسين العلاقات بين الرياض وطهران، ومنها صدمة الانسحاب الأمريكى من أفغانستان وخشية إسرائيل لحدوث انسحاب أمريكى مماثل من العراق وسوريا وتمادى إدارة الرئيس جو بايدن فى الأخذ بسياسات "انكماش" فى الالتزامات الأمريكية الخارجية، خشية أن تصاب إسرائيل بأذى من هذه السياسة التى لم تعد مستبعدة. كل هذه المتغيرات وغيرها فاقمت من مخاوف إسرائيل من احتمال حدوث تسوية للأزمة السورية تقودها روسيا وتؤيدها الولايات المتحدة تكون على حساب المصالح الإسرائيلية، وبالذات الخشية من أن تؤدى مثل هذه التسوية إلى الإبقاء على نفوذ سياسى ووجود عسكرى إيرانى قوى فى سوريا.
لذلك بدأت إسرائيل العمل عبر مسارين أساسيين أولهما: إعاقة أى تسوية للأزمة السورية تكون على حساب المصالح الإسرائيلية، أى منع أى تسوية للأزمة السورية تبقى على أى نفوذ إيرانى فى سوريا، وثانيهما الربط بين تسوية الأزمة السورية وبين حل أزمة الاتفاق النووى الإيرانى. هذان المساران الإسرائيليان تنشط إسرائيل بشأنهما، بدأب، مع كل من روسيا والولايات المتحدة.
بالنسبة للمسار الأول عملت الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة نفتالى بينيت على تثبيت التفاهمات الإسرائيلية السابقة التى نجح رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق بنيامين نتنياهو فى تثبيتها مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين القائمة على مقايضة اعتراف إسرائيل بالمشروع السياسى الروسى فى سوريا وما يمثله من وجود عسكرى ونفوذ سياسى روسى، والإبقاء على نظام الرئيس بشار الأسد "صديق موسكو" بالاعتراف الروسى بالمصالح الأمنية الإسرائيلية فى سوريا، وإعطاء إسرائيل حق ضرب أى أهداف إيرانية على الأراضى السورية تراها إسرائيل خطراً على أمنها شرط عدم التعرض للجيش السورى أو لأى وجود عسكرى روسى.
وزير الخارجية الإسرائيلى الجديد يائير لبيد نجح فى زيارته الأخيرة لموسكو (9/9/2021) ولقائه مع وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف فى إعادة تأكيد هذه التفاهمات من ناحية، وتوصل من ناحية أخرى إلى تشكيل ما سمى بـ "آلية عسكرية" لحل الخلافات بين موسكو وتل أبيب إزاء الوجود الإيرانى فى سوريا. لم يقتصر الأمر على ذلك بل أخذت إسرائيل تعمل من أجل الدفع بالولايات المتحدة لتكون شريكاً فى تفاهمات مع موسكو تربط بين شروط تسوية الأزمة السورية من منظور المصالح والمطالب الإسرائيلية وبين جهود واشنطن لتسوية أزمة الاتفاق النووى الإيرانى.
التصريحات التى وردت على لسان السفير الإسرائيلى فى موسكو إلكسندر بن تسفى (16/10/2021) التى أعلن فيها عن اتفاق تم التوصل إليه لعقد لقاء جديد لرؤساء مجالس الأمن القومى فى كل من وروسيا وإسرائيل والولايات المتحدة لمناقشة الملف السورى وإيران، تشي بأن إسرائيل، تعمل بدأب ، من أجل تأسيس "منصة ثلاثية: إسرائيلية – روسية – أمريكية" للبحث فى تفاصيل التسوية السورية تكون مناوئة، أو على الأقل منافسة، لمنصة "أستانة" الثلاثية التى تعمل منذ سنوات لحل الأزمة السورية وتجمع كل من روسيا وإيران وتركيا. المنصة الجديدة التى تريدها إسرائيل، تهدف إلى فرض إسرائيل طرفاً أساسياً، مدعوماً أمريكياً، فى تفاصيل تسوية الأزمة السورية، على حساب "مسار أستانة" الذى يحصر تفاصيل هذه التسوية فى روسيا وكل من القوتين الإقليميتين إيران وتركيا دون أى اعتبار لإسرائيل.
السفير الروسى فى موسكو قال لوكالة "نوفستى" الروسية أن "الاتفاق تم من حيث المبدأ" موضحاً أنه "حتى الآن لا يوجد سوى فكرة، لم يتم تحديد الموعد أو المكان بعد". ولفت إلى أن أمر اجتماع رؤساء مجالس الأمن القومى فى روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة سيكون مطروحاً على أجندة زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالى بينيت لموسكو الأسبوع المقبل. وكان وزير الخارجية الإسرائيلى يائير لبيد أعلن فى وقت سابق إمكانية استئناف المشاورات الثلاثية على مستوى رؤساء مجالس الأمن مرجحاً أن يعقد الاجتماع خلال أكتوبر الجارى.
أما المسار الثانى فيتعلق بجهود إسرائيل من أجل التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يؤمن الحيلولة دون تمكين إيران من امتلاك قدرات نووية سواء من خلال الأداة الدبلوماسية بمنع الولايات المتحدة من العودة إلى الاتفاق النووى بتأزيم أى تفاهمات أمريكية مع إيران بهذا الخصوص، أو من خلال البحث فى سياسة بديلة فى حال فشل الأداة الدبلوماسية ، أى بإقناع الإدارة الأمريكية بالحل العسكرى لإنهاء القدرات النووية الإيرانية نظراً لإدراك إسرائيل بعجزها عن تحقيق هذه المهمة منفردة.
فقد أكدت مصادر سياسية فى تل أبيب أن المحادثات التى أجراها وزير الخارجية الإسرائيلى يائير لبيد مؤخراً فى واشنطن أن هناك تقارباً كبيراً بين موقفى الحكومتين إزاء طهران التى باتت تدرك أن "الخيار العسكرى أصبح مطروحاً على الطاولة فى واشنطن". هذه المصادر الإسرائيلية نقلت عن لبيد قوله أن "الإدارة الأمريكية كانت ترفض الحديث عن خيار عسكرى فى حال فشلت المحادثات مع إيران، ولكنها اليوم تتحدث عن (الخطة البديلة) وعن خيارات أخرى بينها الخيار العسكرى".
مساران إسرائيليان متلازمان لملاحقة إيران، الأمر الذى يمكن أن يفاقم من تعقيدات الأزمة السورية ، وخاصة ما يخص علاقات موسكو بكل من طهران ودمشق ، ويعرقل فرص تفاقم التعقيدات أمام التسوية الروسية للأزمة السورية .

