Menu

هل كانت المنظّمةُ مشروعَ تحريرٍ أم تسويّة؟!

سعيد ذياب

بوابة الهدف الإخبارية - نشر في العدد 30 من مجلة الهدف

مهما تباينت تقييماتُ القوى السياسيّة والفعاليّات الوطنيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، فإنّنا نجد أنّ هناك إجماعًا وطنيًّا على اعتبارها إنجازًا وطنيًّا؛ نجح في إبراز الروحِ الوطنيّةِ الفلسطينيّة، وفي تجسيد الكينونة الفلسطينيّة. ولفهمِ الدورِ الذي أدّته المنظّمةُ، من الضروري الحديثُ عن نشأةِ المنظّمة، وارتباطُ تلك النشأة بالظروفِ السياسيّةِ التي كانت سائدةً في تلك الفترة من ناحية، وأهداف المشروع الصهيونيّ من ناحيةٍ أخرى. فالمشروعُ الصهيوني لم يكن يستهدف السطوَ على فلسطينَ فحسب، بل ترافق ذلك بالسعي لإلغاءِ الهُويّةِ الوطنيّة للشعب الفلسطيني لتبرير جريمته، وكان شعارُ الحركة الصهيونيّة "أرضٌ بلا شعبٍ لشعبٍ بلا أرض" ناظمًا للسلوك الصهيوني.

لقد جرى تكريسُ هذا الشعار – أوّلًا – من خلال ما يعرف بوعد بلفور؛ الصادر في 2 تشرين الثاني عامَ 1917، الذي أنكرَ وجودَ الشعب الفلسطيني، وتعاملَ مع الفلسطينّيين، كإحدى الطوائفِ الموجودةِ على أرض فلسطين، وليس كشعبٍ له حقُّ تقريرِ المصير.

والمحطّةُ الثانيةُ في إلغاء الهُويّة الوطنيّة الفلسطينيّة، وتمثّل ذلك في قرارِ التقسيمِ الصادر في 29 تشرين الثاني عامَ 1947، الذي نصّ على تقسيمِ فلسطينَ إلى دولتين؛ يهوديّة وعربيّة، ولم يذكر اسم الشعب الفلسطيني، وتعامل معهم كمجاميع قبائل عربيّة.

ما بعد النكبة عاش الشعبُ الفلسطيني ما يشبه الغيبوبةَ السياسيّةَ؛ بسبب انشغاله بقضاياه الحياتيّة، لكنّه سرعانَ ما راح يتلمسُ طريقَهُ نحو الوطن وتحريره، ورأى ضالّته في الانخراط في الأحزاب القوميّة ورؤيتها، بأنّ الوحدة هي الطريقُ لتحرير فلسطين، لكنّ الأمواجَ العاتيةَ التي كانت تتقاذف الشعب الفلسطيني؛ بقصد إبقاء قضيّتهم مجرّد قضيّةِ لاجئين، وقضيّةٍ إنسانيّةٍ تبحث عن حلٍّ لها بعيدًا عن حقّ العودة، بالإضافة إلى الأطماع لدى بعض الأنظمة العربيّة بالسعي لاختطاف التمثيل للشعب الفلسطيني.

ضمنَ هذا المناخ يمكن فهمُ دعوة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الثالث والعشرين من كانون الأول عامَ 1963، إلى مؤتمر قمّةٍ عربيّةٍ لبحث التهديدات الإسرائيليّة؛ بتحويل مياه نهر الأردن، والمطالبة بخلق إطارٍ ممثّلٍ للشعب الفلسطيني؛ ليتحملَ أعباءَ ذلك التمثيل.

انعقد مؤتمرُ القمّة في شهر كانون ثاني عامَ 1964، واتُّخذ قرارٌ بتمكين الشعب الفلسطيني من تنظيم نفسه، والقيام بدوره في تحرير وطنه، وكُلّفَ أحمدُ الشقيري ممثّلًا عن فلسطينَ في جامعة الدول العربيّة؛ بالقيام باتّصالاته مع الشعب الفلسطيني في كلّ أماكن وجوده؛ وصولًا للطريق الأمثل لتحقيق تلك المهمّة.

النشأةُ والتكوين

وفي سياق التحضير لانبعاث منظّمة التحرير، فإنّ الاتّصالات التي قام بها أحمد الشقيري مع الشعب الفلسطيني تكلّلت بعقد أوّل مجلسٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ في الثامن والعشرين من أيار عام 1964، وكان ذلك في مدينة القدس ، وبحضور 418 عضوًا، حيث قرّر المؤتمرون إعلانَ قيام منظّمة التحرير، وأصدر المؤتمرُ بيانًا أكدّ فيه أنّ قيام المنظّمة هو لخوضِ معركة التحرير، وتمّ إقرارُ "الميثاق القومي"، وكان واضحًا النفسُ القوميُّ في الميثاق، ثمّ النفسُ الرسميُّ العربيُّ الذي تمثّل بغياب نصٍّ واضحٍ؛ يتحدّث عن تقرير المصير والاستقلال للشعب الفلسطيني، حتى لا تتسبّب تلك الإشارة بالحساسية لدى بعض الدول العربيّة.  لقد وافقت جميع القوى على انبثاق المنظمّة باستثناء الهيئة العربيّة العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني، باعتبار المنظّمة – حسب قول الهيئة – "تجاوزًا لدورها النضالي". أما الولايات المتّحدة الأمريكيّة، فقد رفضت قيامَ المنظّمة، ووجّهت مذّكرةً إلى بعض الدول العربيّة للتحذير منها.

بعد نكسة حزيران 1967، شهدت المنظّمةُ تحوّلًا مهمًّا في بِنيتها وميثاقها، بحيث سيطرت فصائلُ المقاومة و"فتح" بشكلٍ خاصٍّ عليها، وانعقد المجلسُ الوطنيُّ عامَ 1968، وتم إقرارُ "الميثاق الوطني الفلسطيني" الذي عكس بشكلٍ واضحٍ رؤيةَ "فتح" من خلال الابتعاد عن القومي لصالح ال قطر ي.

ولفهمِ الدور الذي أدّته المنظّمة؛ من المفيد الرجوعُ إلى التعديلات التي أدخلت على "الميثاق القومي" وبرنامج منظّمة التحرير، فمن خلالها يمكننا التعرفُ إلى الدور والمسار السياسي الذى لعبته المنظّمة، حيث لم تكد تمضي سبعُ سنواتٍ على انطلاق الثورة، حتى شهدنا التحوّل الأبرز في برنامجها عام 1974، بتبنّي ما عرف بالنقاط العشرة، التي تحدّثت عن سلطةٍ وطنيّةٍ على أيّ جزءٍ يجري تحريرُه من أرض فلسطين. وعامَ 1988، في ظل أجواء الانتفاضة ونشوتها؛ نجحت القيادةُ المتنفّذةُ في تمرير هدف الدولة الفلسطينيّة والاعتراف بقرارات الشرعيّة الدوليّة وقرار 242 ونبذ العنف، ثمّ تقديم الدفعة الثانية من التنازلات الفلسطينيّة قبل الحصول على أيّ شيء. كان التنازلُ الأكبرُ من خلال اعتراف المنظّمة بالكيان الصهيوني عند التوقيع على اتّفاق أوسلو عامَ 1993. وتكلّل ذلك كلُّهُ بتعديلٍ شاملٍ للميثاق الوطني بإلغاء النصوص كافةً، التي تتحدّث عن الكفاح المسلّح، وعن تحرير فلسطين. يعني كلّ ذلك للمتابع أنّ كلّ التعديلات المتكرّرة على برنامج المنظّمة، وفي أكثر من محطّةٍ، أنّ القيادة المتنفذة للمنظّمة كانت منذ البَدء محكومةً بالنظرة التسوويّة، وأنّها كانت تعيش تحت وطأةِ الوهم بأنّ إسرائيلَ يمكن أن تقبلَ بنوعٍ من التسوية غير الاستسلام الكامل لإرادتها، ودلّلت مسيرةُ الثورة وما رافقها من تنازلاتٍ أن هذه القيادة بقدر استعدادها للتناغم مع التسوية، فإنّها كشفت عن افتقادها للمناعة الثوريّة التي من المفترض توفرُّها في قيادات الثورة.

من المفيد الإشارةُ إلى أنّه بالرغم من التضحيات التي قدّمها الشعبُ الفلسطينيُّ ولا يزال، والبطولات المنقطعة النظير، فإنّ القيادة المتنفذة لم تتعامل مع تلك التضحيات ومع الكفاح المسلّح كاستراتيجيّةٍ متكاملةٍ يجب وضعُ كلّ الإمكانات لها؛ وصولًا إلى إحداث تغييرٍ في ميزان القوى، وإعطاء القضيّة بُعدها القومي؛ لزجّ الطاقات العربيّة في عمليّة الصراع، بل تعاملت تلك القيادةُ المتنفّذةُ مع الكفاح المسلّح على أنّه هدفٌ تكتيكيٌّ لفرض القضيّة على الرأي العام العالمي، ودفعه للبحث عن حلٍّ لها، ما سهّل على تلك القيادة مهمّتها في البحث عن تسويةٍ، وتفردها في قيادة المنظّمة لغياب أبسط أسس العمل المؤسّسي والديمقراطي.

منظّمةُ التحرير إلى أين؟

بعد كلّ التراجع والهزال الذي أصاب المنظّمة، بل والتحوّل الخطير في دورها من أداةٍ لتحريرٍ إلى أداةٍ للتغطية على تسوياتٍ سياسيّةٍ حملت في مضمونها تنازلًا مكشوفًا عن الحقوق الوطنيّة للشعب الفلسطيني، وبالرغم من تغوّل السلطة التي من المفروض أن تكون أحدَ أدوات المنظّمة وتابعةً لها، إلا أنّ السلطة تعاملت مع المنظّمة بشكلٍ استخداميٍّ لتغطية تنازلاتها، ولذلك سعت إلى تهميشها وتحجيمها حتى لا يكونَ لها دورٌ في تعديل المسار السياسي، برغم كلّ ذلك، فهي لا تزال تشكّلُ الكيانيّةَ المعترفَ بها ممثّلًا عن الشعب الفلسطيني، ولا تزال تشكّل قاسمًا مشتركًا لكلّ فصائل العمل الوطني، ولكن على قاعدة إعادة الاعتبار لها، ولدورها في عمليّة التحرير.

كان للتفرّد الذي مارسته "حركة فتح" دورٌ كبيرٌ في وصول المنظّمة إلى الحال الذي وصلت إليه؛ الأمرُ الذي يفرض إعادةَ النظر بكلّ المرتكزات التنظيميّة، ووضع الأسس والضوابط التي تمنع التفرّد، وتعزّز مبدأ التشاركيّة في قيادة النضال الوطني. يعنى ذلك أنّ المنظّمة بحاجةٍ إلى أسسٍ تنظيميّةٍ وسياسيّةٍ جديدة؛ كي تتمكّن من تأدية دور الإطار الوطني الجامع.

من المفيد التذكيرُ أنّ من أبرز التحفّظات التي أبدتها الأحزابُ والقوى السياسيّة عند انعقاد المؤتمر الأوّل، والإعلان عن انبثاق منظّمة التحرير؛ هو عدمُ انتخابِ أعضاءٍ للمؤتمر، وتعيين المؤتمرين، وهي مسألةٌ أثبتتها صحّةُ الوقائع اللاحقة؛ لأنّ العضو المنتخب يكون أكثرَ جرأةً وفعاليّةً من العضو المعين؛ لأنّه متحرّرٌ من كلّ أشكال الزبائنيّة والتبعيّة للجهة التي عيّنته.

إنّ غيابَ الانتخاب أضعفَ قدرةَ المجلس الرقابيّة على اللجنة التنفيذيّة وقدرتها على رسم التوجّهات السياسيّة الصائبة المنسجمة مع الأهداف الوطنيّة للشعب الفلسطيني؛ فالمنظّمةُ؛ ينصُّ نظامُها الداخليُّ على عقد اجتماعٍ سنويٍّ للمجلس الوطني، الذي ينتخب اللجنةَ التنفيذيّة ويحاسبها، لكن، ومع الأسف، فإنّ المنظّمة منذ تأسيسها لم تعقد سوى 23 دورة. إنّ تغييب المجلس، وهذا الانفلاش التنظيمي؛ أضعفَ دوره أفرادًا ومؤسّسةً، ووفّر فرصةً كبيرةً للتفرّد فيها من قبل "فتح"، خاصةً مع انتشار حالات الاستزلام وشراء الذمم. يعنى ذلك أنّ أيّ تفكيرٍ لإعادةِ بناء المنظّمة يجب أنْ ينطلق من انتخاب أعضاء المجلس والابتعاد عن أسلوب المحاصصة.

والمسألةُ الأخرى، العودةُ إلى "الميثاق الوطني الفلسطيني" وإلغاء التعديلات التي تمّ إدخالُها عليه كافّةً؛ ارتباطًا بمتطلّبات أوسلو، واحترام الميثاق وعدم الرعونة في التعامل معه، والوصول إلى برنامجٍ وطنيٍّ يؤكّد على وحدة الشعب الفلسطيني والجغرافيا، والتأكيد على خيار المقاومة بأشكالها كافةً؛ لتحقيق الهدف الوطني بالتحرير الكامل والناجز.

لقد بات واضحًا لمن له بصرٌ وبصيرةٌ أنّ الحال الفلسطيني يُرضي العدو، ولكنّه لا يُرضي صديقًا؛ لأنّ حالة الانقسام بين جموعٍ تقاوم، وجموعٍ لا تقاوم، بل تنسّق أمنيًّا مع العدو، واستمرار العبث بالحقوق الوطنيّة الفلسطينيّة من شأنه إضعافُ الحال الفلسطيني، وتعميق انقسامه، وتعقيد فرص الإصلاح. إن المطلوب هو العودة للجذور والمنطلقات والبديهات التي تعارفت عليها الشعوبُ في مواجهة محتلّيها؛ هو المخرجُ ولا سبيلَ غيره.