Menu

بين أنطون سعادة ومعركة الأمعاء الخاوية.. "إن الحياة وقفة عز فقط"

ثائر أبو عياش

يعتبر الأضراب عن الطعام هو وسيلة وليس هدف في ظل قلة الخيارات التي بحوزة الأسرى الفلسطينيين، وتعتبر هذه الخطوة سواء كانت فردية أم جماعية هي أسلوب تكتيكي يتناسب وقراءة الواقع من قبل الأسرى لمواجهة إدارة مصلحة السجون التي تتحكم في كافة مناحي الحياة للأسرى، وتأتي هذه الخطوة كنضال سلمي يقوم به الأسرى في محاولة لانتزاع حقوقهم وعلى رأس تلك الحقوق الحرية.

يعرف الباحث د. رأفت حمدونة الإضراب المفتوح عن الطعام أو ما يعرف بمعركة الأمعاء الخاوية " هو امتناع المعتقل عن تناول كافة أصناف وأشكال المواد الغذائية الموجودة في متناول الأسرى باستثناء الماء وقليل من الملح"، وتعتبر هذه الخطوة من الخطوات القاسية والصعبة والخطيرة التي يتخذها الأسرى لما يترتب عليها من مخاطر جسمية ونفسية وصلت في بعض الحالات إلى حد الاستشهاد.

يشير التاريخ إلى العديد من الأمثلة على استخدام الإضراب عن الطعام كوسيلة للمقاومة ومن أبرز تلك الأمثلة الإضرابات التي قام بها الجيش الجمهوري الإيرلندي إضراب 1920 الذي استشهد فيه تيرينس ماك سويني بعد 74يومًا من الإضراب، وايضا إضرابُ عام 1981 الذي استُشهد فيه بوبي ساندز بعد 66 يومًا من الإضراب مع 9 آخرين من رفاقه، ومن الأمثلة ايضا إضرابات حركة التحرر الهنديّة، ومن أبرزها تلك التي قام بها مهونداس غاندي، الذي قال إنّ الإضراب عن الطعام تحت بعض الظروف اليائسة هو "السلاح الوحيد."

وعلى صعيد الحركة الأسيرة الفلسطينية يوجد العديد من الاضرابات التي بدأها الأسرى لتحسين ظروف عيشهم داخل السجون بدأت تلك الاضرابات بالأضراب المعروف بإضراب سجن الرملة بتاريخ 18/2/1969. واستمر 11 يوماً. كانت مطالب الإضراب تحسين وزيادة كمية الطعام وإدخال القرطاسية ورفض مناداة السجان بكلمة (حاضر سيدي) ورفض منع التجمع لأكثر من أسيرين في الساحة وكذلك زيادة وقت الفورة. وانتهى بقمع الأسرى وعزلهم وتعريضهم للإهانة.

منذ هذا الأضراب خاضت الحركة الأسيرة معركة حامية الوطيس مع إدارة مصلحة السجون وخلال هذه المعركة كانت الحركة الأسيرة تعيش حالة مد وجزر في الاضرابات لتحسين شروط الحياة داخل السجون وكانت هذه الاضرابات تطالب بتحسين نوعية وكمية الطعام، وإدخال القرطاسية إلى السجون، وزيادة مدة الفورة داخل ساحة السجن، وزيادة ايضا وقت الزيارة مع الاهالي، بالإضافة إلى تحسين نوعية فرشات النوم "الجومي"، ووجود اجهزة كهربائية مثل المراوح الهوائية والتلفاز ومحطات اخبارية، وغيرها الكثير من المطالب.

لم تتوقف الإضرابات عند الأسرى الذكور فقد خاضت الأسيرات الفلسطينيات مجموعة من الاضرابات كان أشهرها أضراب سجن نفي ترتسا بتاريخ 28/4/1970، واستمرّ تسعة أيّام، وقد تعرضن جراءه للإهانة والعقوبات منها العزل في زنازين انفرادية. وعدت إدارة السجون بفحص والاستجابة للمطالب لكن ما تم تحقيقه هو القليل جدا مثل تحسين التهوية وزيادة وقت الفورة وإدخال بعض الحاجات الخاصة بالنساء مثل الفوطة الصحية الخاصة بالدورة الشهرية عبر الصليب الأحمر، بالإضافة إلى إضراب سجن نيفي تريستا بتاريخ 26/6/2001 أضربت الأسيرات عن الطعام 8 أيّام متواصلة، احتجاجًا على أوضاعهنّ السيّئة. فتعرّضن لقسوة سلطات السجون خلال الإضراب.

تعتبر الاضرابات التي قامت بها الحركة الأسيرة سواء كل فصيل لوحدة أو مشتركة مع كافة الفصائل هي بمثابة اضرابات جماعية، أما بخصوص الإضرابات الفردية يعتبر الأسير الفلسطيني المحرر خضر عدنان الملقب " بمفجر معركة الأمعاء الخاوية" الذي بدأ بتنشيط خطوات الاضرابات الفردية عندما خاض معركة الأمعاء الخاوية ضد اعتقاله الاداري واستمر 66 يومًا وقد خاض الأسير خضر عدنان 6 إضرابات عن الطعام ضد اعتقاله الإداري،  ويعتبر عدنان الاضراب عن الطعام سلاحا رادعا للاحتلال ويقول  في هذا الصدد "أنا على ثقة أن السلاح إن لم يستخدم يصدأ ويفقد فعاليته، فيجب إعادة استخدامه كمفتاح للحرية".

وتبع الأسير عدنان في الاضراب الأسيرة هناء شلبي بإضراب استمرّ 43 يومًا، ومن ثم ثائر حلاله وبلال ذياب وغيرهم الكثير من الأسرى الإداريين مثل ماهر الأخرس، ومحمد القيق، وأيمن طبيش، وسامر العيساوي والأخير خاض إضراب عام 2013 استمر 265 يوماً انتهى بقرار انتزاع حقه بالحرية.

بين أيام وشهور متفاوتة  يخوض 6 أسرى فلسطينيين من جديد معركة الأمعاء الخاوية وهم : مقداد القواسمة، وعلاء الأعرج، وهشام أبو هواش، وكايد الفسفوس، وشادي أبو عكر، وعياد الهرمي، جميعهم بحاجة إلى الحرية والقصد الحرية التي قال فيها غسان كنفاني : "التي نفسها المقابل"، هؤلاء الأسري يدركون تماماً أن الاحتلال يقوم بوضع خطط حياتهم على المقصلة وإعدامها، خصوصا خططهم للحياة الاجتماعية، ولكن التسلح بالأيمان المطلق بحتمية النصر وما له من دور في تشكيل الوعي بالإضافة إلى التضحية في سبيل هذا الايمان يخوض هؤلاء الأسرى بأجسادهم العارية معركة شرسة ضد اعتقالهم لانتزاع جقهم الإنساني بالحرية.

يقول أنطون سعادة الغائب الحاضر: إننا نحبّ الحياة لأننا نحبّ الحريّة، ونحبّ الموت متى كان الموت طريقا إلى الحياة، وعلى هذا المبدأ يخوض الأسرى السته معركتهم مفردين مجتمعين، يخوض كل أسير لوحدة المعركة ولكن الهدف هو ذاته، من أجل الحياة لأبد أن يذوق الأسير مرارة الموت والمعاناة، يفقد هؤلاء الاسرى كل أنواع السلاح سوى سلاح واحد هو أن تحرم ذاتك الطعام والماء  من أجل الحرية يصبح هنا الطعام والماء هي بمثابة ثنائي محرم وربما تصبح ثلاثي كالدين والجنس والسياسة عندما يرفض الأسير تناول المدعمات، ويدرك الأسرى السته ما قاله غسان كنفاني: " إن الحياة لا قيمة لها قطّ إن لم تكن دائمًا واقفة قُبالة الموت"، وعلى نفس الوتر يعزف الأسرى لحنهم على أنغام مقولة أنطون سعادة " إن الحياة وقفة عز فقط".

تسأل نجوان أبنه الأسير كايد الفسفوس لماذا سيادة الرئيس؟، لماذا لا تساعد "بابا"، إجابة هذا السؤال تعود إلى التاريخ عندما كان المفاوض الفلسطيني في أسلوا يفاوض الاحتلال لم يتطرق بالأساس لقضية الأسرى هذه الإجابة تكفي اعتقد، السؤال ذاته يجب علينا جميعا أن نطرحه على أنفسنا "لماذا لا نساعد الأسرى؟، ولكن تقول زوجة الأسير ماهر الهشلمون بهية النتشة " منذ يومين أقول لنفسي: أسرانا بحاجة لنا، وبحاجة لدعمنا ولكن عندما تأملت الجملة شعرت أنه نحن من بحاجة إلى الأسرى الذين دافعوا عن كرامتنا ومن أجل أن نعيش في يوم من الأيام بحرية يستحق الأسرى أكثر بالكثير من مجرد الكتابة عبر مواقع التواصل الاجتماعي"، وربما كانت تقصد يستحقون عمليات مبادلة ترغم الاحتلال على فتح الأبواب للأسرى بأيديهم لأنه هو الذي أغلقها وهذا لن يحدث إلا بالقوة.

إن الحرية فكرة نبيلة وإذا لم تكن كذلك فهي ليست فكرة إنسانية، ولذلك وجد الأسرى لهم فكرة نبيلة ومن أجلها مستعدون للموت لتحقيق هذه الفكرة، ومن أجل هذه الفكرة يرفض الأسير مقداد القواسمة أن يكون عبد من عبيد الاحتلال كما قالت أمه وهي تضع يديها فوق رأسه، ويدرك الأسرى الستة المضربون عن الطعام أن الاحتلال ليس من حقه ارتكاب كل هذه الجرائم ويبررها حتى لو كنا ضعفاء، وعليه بات الأسرى أمام خيار أن الاجساد سوف تسقط في سبيل أن تبقى الفكرة إنسانية.