(6-7)
(1876-1983)
(تأليف: باميلا آن سميث، ترجمة: إلهام بشارة خوري، دمشق – دار الحصاد للنشر – 1991)
الوطنية والصراع الطبقي 1948-1983:
يعتبر عام 1964 الذي تشكلت فيه م.ت.ف واستيلاء حركة فتح والتنظيمات الأخرى عليها في الفترة التي أعقبت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 فصلاً جديداً في تاريخ الشعب الفلسطيني. بعد ذلك بتسعة عشر عاماً، وفي ذروة الغزو الصهيوني للبنان، شُغل الصحفيون الغربيون بنعي م.ت.ف، فقد بدا أن إخراج زعماء م.ت.ف وبضعة آلاف من المقاتلين من لبنان، هي مظاهر تؤشر على أن الحركة قد بليت بهزيمة عسكرية حادة لا يتوقع لها الشفاء منها.
ما نُسِيَ وسط مشاهد الموت والدمار المرعبة التي ملأت شاشات التلفزيونات والصحف خلال فترة 1982-1983 هو أن سنوات النفي والنضال الطويلة قد أثمرت نصراً مؤثراً على الساحة الدولية. "فلسطين" و "الفلسطينيون" كلمات باتت مألوفة في آذان العالم مرة أخرى. ومهما كانت الحلول المقترحة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وإسرائيل والدول العربية فقد بات واضحاً أن المطلب الأساسي لـ م.ت.ف، (دولة فلسطينية مستقلة) لاقى الدعم من قبل الرأي العام ومعظم حكومات العالم، وفقط الولايات المتحدة وإسرائيل هما من وقف عقبة أمام تحقيق حلم الفلسطينيين.
لكن هذا لا يعني أن تلك النجاحات الدبلوماسية كافية لتحقيق الهدف الرئيسي للفلسطينيين وهو حقهم في العودة إلى بلادهم.
على الصعيد الداخلي كان لإخلاء بيروت عام 1982 أثره في الانشقاق في صفوف فتح. إن الصراع الداخلي هذا، كغيره من الانشقاقات التي تلت الحرب الأهلية في الأردن عام 1970-1971، وفي لبنان عام 1975-1976، هزّ صورة م.ت.ف.
لقد نتج عن فشل عرفات في حملته الدبلوماسية الهادفة إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وعدم قدرته على تحويل التعاطف الدولي إلى فعل ملموس لصالح الفلسطينيين إلى تحرر المنشقين من الوهم ومواظبتهم على شن هجماتهم ضد الإسرائيليين في وادي البقاع وإلى جنوب الخطوط الإسرائيلية في لبنان المحتل. شاركهم في تلك الهجمات كوادر عسكرية من حركة أمل الشيعية، والحزب الشيوعي وميليشيات أخرى في اليسار اللبناني.
في تلك الأثناء كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد جردتا عرفات، الذي طعنه الصراع الداخلي، من غصن الزيتون لم يُترك سوى البندقية. لكن عدم رغبة عرفات بسلوك الخيار العسكري ضد إسرائيل بعد سنوات من العمل الدبلوماسي هدد مستقبله السياسي وكذلك مستقبل م.ت.ف. التي يترأسها، ومرة أخرى تمزقت م.ت.ف. بين اتجاهين. ويتشابه الوضع هنا مع وضع المفتي في الثلاثينات ووضع مؤيدي عبد الله في الخمسينات الذين دعوا إلى المفاوضات والحل السلمي، مقابل وضع ثوار الجليل والمتظاهرين في الأردن الذين كانوا على استعداد لحمل السلاح لصد الصهاينة.
السؤال المهم هنا هو إلى أي مدى عكست هذه الخلافات المهمة وغيرها من الخلافات الاختلافات الطبقية والوعي الطبقي داخل حركة المقاومة الفلسطينية.
وبينما تحاول هذه الدراسة إلقاء الضوء على بعض الاختلافات الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني، وعلى نشوء المصالح الطبقية، فإنه ليس واضحاً مطلقاً أن الوعي الطبقي عكس نفسه في أيديولوجية م.ت.ف، أو في فكر غالبية الفلسطينيين الذين يعيشون في المنفى. العوامل الأخرى مثل البلد الأصلي والروابط الأسرية والدين والعمر والمستوى التعليمي قد تكون ذات أهمية في تحديد الوعي السياسي والاتجاهات التي اتخذتها الحركات المختلفة على مر الزمن، غير أنه من المهم أن نخصص جزءاً من هذه الدراسة لرؤية العلاقة بين الحركات السياسية المختلفة والمصالح الطبقية، ولو بغرض وضع مقدمات لفرضيات قد تكون دليلاً لدارسي هذا الموضوع في المستقبل، لأن مثل هذا الموضوع يحتاج لكتاب آخر إذا ما أريد معالجته بشكل وافٍ.
الأيدلوجية والطبقة، 1948-1974: اتجهت الحركة السياسية الفلسطينية في الفترة التي سبقت 1967 للعمل في أربع أقنية أساسية هي:
العمل من أجل الوصول إلى ديمقراطية ليبرالية في الأردن.
الوحدة العربية والقومية العربية.
الحزب الشيوعي والمنظمات الماركسية الأخرى.
الإصلاح الإسلامي.
اعتمدت كل حركة من هذه الحركات في وقت من الأوقات على دعم مجموعة معينة من العناصر الطبقية، الأمر الذي يعني أن مفاصل الفكر السياسي والعمل السياسي داخل هذه الاتجاهات الرئيسية مالت نحو التعبير عن مصالح طبقات محددة أكثر من غيرها. الفلسطينيون الذين أسهموا في تشكيل الأيديولوجيات والاستراتيجيات في الحركات السابقة الذكر كانوا، بوعي أو بغير وعي، يعكسون مصالح طبقية وقومية.
الليبراليون:
بعد الاحتلال الأردني للضفة الغربية عام 1948 ولجوء مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الأردن، سعى ممثلو الفلسطينيين في البرلمان الأردني في عمان إلى تعديل النظام البطريركي الذي أرست أسسه العائلة الهاشمية. تضمنت مطالبهم "سيادة القانون، واستقلالية الجهاز القضائي، وتنظيم العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية". هذا إضافة إلى المطالب التي وُضعت على جدول الأعمال والتي تضمنت إجراء إصلاحات اقتصادية أهمها تقليص حجم الواردات وتحسين الإنتاج القومي، وإحداث نظام تعليمي حديث.
في أواسط الخمسينات استطاع هؤلاء الزعماء أن يحققوا نجاحاً لابأس به. إضافة إلى ذلك استطاعوا إدخال مبدأ التوظيف على أساس الكفاءة في بعض الإدارات المدنية، حيث أصبحت الكفاءة المهنية هي أساس التوظيف والترقية بدل العلاقات الأسرية. أُحدثت أيضاً قوانين اجتماعية تحمي الحقوق الأساسية للعمال، وسمح للأحزاب السياسية الأيديولوجية بالعمل ولكن بشروط وقيود. وتحققت رسمياً حرية الصحافة والتجمع رغم المعارضة الشديدة للملك ومؤيديه من زعماء القبائل والأرستقراطية الأردنية لهذه الحريات. فيما بعد وفي ظل حكومة النابلسي الاشتراكية الوطنية طالب النواب الفلسطينيون بإلغاء المعاهدة البريطانية-الأردنية، وكذلك طالبوا بارساء أسس سياسية خارجية محايدة تنهي عزلة الأردن عن جيرانه.
رغم أن العديد من هذه الإجراءات لم تصمد في أثر سقوط حكومة النابلسي، إلا أن تشكيل وبلورة وتطبيق برنامج الإصلاح الديمقراطي في أوائل الخمسينات أظهر مدى النضج الذي وصلت إليه طبقة المهنيين الليبراليين الجديدة خلال السنوات الأخيرة من الانتداب البريطاني. لقد كان لهذه الطبقة بين صفوف البرلمانيين محامون شباب مثل أنور الخطيب ورشاد الخطيب وعبد الحليم النمر وفؤاد عبد الهادي، إضافة إلى رجال أعمال وملاك أراضي مهتمين بإدخال أساليب انتاج رأسمالي وصناعي حديثة إلى المملكة. حظي برنامج الإصلاح بدعم أبناء الطبقة الوسطى من المتعلمين والمتمرسين بأعمال التجارة والمال والحسابات والتخطيط المدني والإدارة المدنية والعلوم الهندسية في الضفة الغربية وعمان، آملين بالحصول على وظائف في قطاع الخدمات المدنية أو في القطاع الخاص. برنامج الإصلاح كان يهدف أساساً إلى تحويل ما هو نظام قبلي إلى نظام الاقتصاد الحر.
في الستينات تبنت فئات الانتليجينسيا مطالب أكثر راديكالية ظهرت بشكل واضح في صفوف الطلاب والمعلمين وزعماء المخيمات مطالبة بإلغاء النظام الملكي وتسليح اللاجئين وببرنامج مكثف لإعادة البناء الاجتماعي.
على أية حال، لأن هذه الإصلاحات فتحت فرصاً جديدة للتعليم والتوظيف في القطاع العام، فقد جاء رد الفعل الفلسطيني على قضية معارضة الإصلاح والعمل من أجل إحداث تغيير جذري ضعيفاً. نتيجة هذه الإجراءات ضعف الإحساس بالوحدة الوطنية بين فلسطيني الشتات، وكذلك ضعفت قدرتهم على تحمل القمع السياسي الذي تبع سقوط حكومة النابلسي.
في أيلول 1970، عندما انفجرت الحرب الأهلية في الأردن، ظهرت حدة الاستقطاب الطبقي بوضوح لدرجة أن بعض ملاك الأراضي والأثرياء والتجار وقطاعات من الطبقة الوسطى المزدهرة أيدت ضمنياً أو صراحة هجوم الملك على المقاومة الفلسطينية، ومكن الملك من عزل الجناح الثوري في م.ت.ف. فلم يستطع الماركسيون في حركة المقاومة، مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، حشد الدعم والتأييد اللتين كانتا تتمتعان به.
الانقسامات داخل المجتمع الفلسطيني انعكست أيضاً في الجيش الأردني وفي وحدات جيش التحرير الفلسطيني في الأردن. بقي بعض الضباط الفلسطينيون موالين بشدة للملك رغم هجمته الشرسة على الفدائيين وطرده النهائي لهم من المملكة بعد سلسلة من المعارك العنيفة في الغابات قرب اربد في تموز 1971.
رغم أن العديد من الإصلاحات التي أدخلها الليبراليون في الخمسينات أوجدت قدراً كبيراً من الأمان الجسدي والتقدم الاجتماعي، إلا أن هذا النجاح جاء على حساب تقسيم جماهير اللاجئين وتفويت فرصة شن حملة عسكرية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض الوطن.
وعندما خُيّر العديد من الفلسطينيين بين النضال الثوري وبين الحفاظ على ملكياتهم الخاصة والامتيازات التي ترافقت معها، اختار العديد منهم الخيار الثاني. صحيح أن بعضهم انضم لاحقاً إلى م.ت.ف. أو قدم الدعم لها، إلا أن الضغوط الاجتماعية وفقدان الأيديولوجية الموحدة أضعف المقاومة الفلسطينية في ذروة قوتها في العالم العربي كله.

