Menu

سلسلةُ مقالاتٍ سينمائيّة

حولَ السّينما الفلسطينيّة.. عن إشكاليّة الإنتاجِ والتمويل

وليد عبد الرحيم

نشر في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

نظريًّا، تبدو الإشكاليّةُ الأوليّةُ في السّينما الفلسطينيّة من منحنيّين اثنين يُشكّلانها؛ الأوّل: في هفوة مخاطبة الذّات – لا العالم- والثاني: في مخاطبة العالم - لا الذّات-!

تلك ليست أُحجيّةً، هي ببساطةٍ تنقسمُ في أُسِّ خطيئتِها المكرَّسةِ إلى مصدرينِ اثنين؛ الأوّل والأساس، وبكلّ وضوحٍ: هو عاملٌ ماليّ؛ ذلك أنّ المصدرَ الأساسَ للإنجازِ السينمائيّ هو المالُ "الميزانيّة الإنتاجيّة"، التي تُشكّل بالضرورةِ والحتميّةِ العمليّةِ عاملًا حاسمًا في تحديدِ مصيرِ الفكرة، وإنجازِ النصِّ الفيلميّ وتحقيق تحويلِهِ إلى صورةٍ سينمائيّةٍ وشريطِ عرض - وبالطبع وبكلّ تأكيد - ليكونَ النتاجُ جيّدًا؛ فثمّةَ شَرطٌ أساسٌ هو أن يكونَ الصانعون أصحابَ كفاءةٍ ومهنيّةٍ ومن أهلِ الاختصاص، لا من أهلِ المؤسّسةِ والحظوة.

سيناريوهاتٌ كُثر، بعضُها مهمٌّ إبداعيًّا ووطنيًّا ضاعت بسببِ هذا العاملِ الماليّ المصدريّ شبهِ المفقودِ خلالَ مسيرةٍ طويلة، ما دفعَ بالعديدِ من المبدعينَ والمختصّينَ الحقيقيّينَ لسلوكِ الطريق المتعرّج، نحو جهاتِ التمويلِ الأجنبيّة التي تشذّب النصّ - أحيانًا كثيرةً - من بعض جنباته حسبَ منهجيّتها، والكثير من هذهِ المنهجيّاتِ تتبعُ لرؤًى وتوجّهاتٍ تُداهنُ الإرهابَ الصهيونيَّ وكيانَهُ ودعايتَه، أو تتجنّبُ إزعاجَهُ على الأقلّ، وقليلُها يسندُ الحقَّ الفلسطينيّ، وهذهِ ليست تهمةً للمموّلين بقدرِ ما هي مدعاةُ سخطٍ وخجل، بل واتّهامٌ يطالُ المؤسّساتِ الرسميّةَ والفصائليّة، وحتّى الفلسطينيّة الخاصّة، التي يجبُ أن تكونَ المموّلَ الأساسَ للسينما الوطنيّة، باعتبارها رافعةً للقضيّةِ وسمعتِها وشعبِها وحتّى اقتصادها.

تشذيبُ فحوى السيناريوهاتِ الضائعةِ أو المنتَجةِ وأحداثِها ومقولاتِها ودلالاتِها بدعمٍ غربيٍّ غَيَّبَ حقائقَ وأحداثَ وأفكارَ جمّة، كان من الممكنِ أنْ تجذبَ المُشاهِدَ عالميًّا وتفيدَ في إيصالِ الصّورةِ والروايةِ الحقيقيّةِ للآخر، ممّا جعلَ عديدًا من الأفلامِ المموّلة - أجنبيًّا - ذاتَ روايةٍ ناقصة، أو لنخفّف اللهجة، ونقول: إنّها تطرحُ بعضَ الحقائقِ بشكلٍ خجولٍ مقتضب؛ تحسّبًا لإزعاجِ الآخر.

من ناحيتِها، فإنّ الأفلامَ التي أُنجزت بتمويلٍ فلسطينيٍّ – عمومًا - خضعت لتوجيه التيار، أو الفصيل، أو المنظّمة، أو المموّل، دون اعتبارٍ كبيرٍ للجانب الفنّي، فالمؤسّساتُ الفلسطينيّةُ - عمومًا - تتبعُ نهوجًا سياسيّةً، وتخضعُ لتبدّلات القوى ومصالحها وتحالفاتها، كما أنّ هذهِ المؤسّساتِ لا تنظر إلى السينما كفنٍّ، بل كإعلام، وخاصةً في فترة الستينات والسبعينات، حيث ساد الإنتاجُ الفصائليُّ بوصفه دعايةً، وهو ما أدى إلى تراجع الجانب الفنّي في غالبيّة المنتَجِ السينمائيّ، على الرغم من مساهمات العديد من المخرجين المبدعين في إنجاز هذه الأفلام، التي عانت ممّا فرضته التوجّهاتُ الفصائليّةُ والمؤسّساتيّةُ من رؤيتها وخطّها السياسيّ على مقولة الفيلم وفحواه، بل وصورته؛ بما يتناسب مع ايديولوجيّتها؛ ما أساءَ في المحصّلة للسويّة الإبداعيّة للسينما الفلسطينيّة.

أصبح لدينا - إذًا - توجّهان أيضًا، إلّا ما ندر؛ الأوّل: يحكي الهمَّ والقضيّة والحقائقَ بتمويلٍ بخيلٍ محكمِ القبضة – غالبًا -؛ بحكم قدرة المؤسّسة وعقليّتها، ومن ثَمَّ فإنّ الناجزَ سيكونُ بقالبٍ فنّيٍّ غيرِ ناضج. والثاني: يرتقي - فنيًّا وإبداعيًّا - مع طرح الرواية مجتزأةً، والوقائع والقضايا مخفّفة الوطيس، وهو ما يبرز أكثرَ بشكلٍ خاص في نتاج الفلسطينيّين في المناطق المحتلّة عام 1948، وخاصّةً الأفلام المموّلة مباشرةً من قبل مؤسّسات كيان الاحتلال ومستوطنيه، على الرغم من تمرير العديد من السينمائيّين. ومن خلالها مقولاتٌ وطنيّةٌ، وإنْ كانت خجولةً لكنّها تتمتّع بذكاءٍ عالٍ، ولا يخلو من مشروعٍ عميق، وإن كان ضبابيًّا.

في كلّ الحالات ليس للسينمائيّين ذنبٌ في كلّ ما سبق، سوى بعض الرضوخ النادر لما يسيء للقضيّة، أو يطرح خلاصاتٍ تطبيعيّةً، مثلًا، أو يجمّل شكلَ الاحتلال ويمرّر بعضَ برامجه اضطراريًّا، وهذا ليس تبريرًا لذلك بقدر ما هو تحليلٌ "واقعيّ".

بثّ السينمائيّون شكاواهم من الحالتين؛ في الحالة الأولى: قَيْدٌ للمضمون المرادِ بَثُّه، وفي الثانية: إحباطٌ، أو ربّما الاضطرارُ إلى الهبوط بالسويّة الفنيّة، أو استحالة الإنتاج تمامًا.

هنا، وللتذكّر فقط، لا بدّ من المقارنة مع المجهودات السينمائيّة العالميّة، ولن نبالغَ إن قلنا: إنّ فيلمًا سينمائيًّا واحدًا أُنتج في هوليود يوازي عشرات الأفلام العربيّة، كما يفوقُ كلَّ الإنتاج الفلسطينيّ من الأفلام منذ بداية السينما حتى اليوم، وتلك تُعدُّ كارثةَ وعيٍ بتأثير الصورة!

سيقول قائلٌ: إنّ ذلك يعود للإمكانات الماليّة، وهذا صحيحٌ من جانب ما، لكن الإمكانات المهدورة وحدَها من قبل الكلّ السياسيّ والمؤسّساتي الفلسطينيّ يصنعُ وحدَهُ - إنْ أحصيناه - سينما مميّزةً ترتقي بصانعيها وبالقضيّة وتعكس الصورة الحقيقيّة أمام العالم، فالمسألةُ هي مسألةُ جديّةٍ ووعيٍ وعقليّةٍ استراتيجيّة، ولنأخذ ،مثلًا، هيمنة الصهيونيّة النسبيّة على السينما الأمريكيّة، التي لم يدفع الصهاينةُ الكثيرَ من الأموال في سبيلها، بل استخدموا أسلحةً موازية، منها: الدعايةُ والعلاقاتُ الشخصيّة، والتواصلُ مع المكوّن الفرديّ اليهوديّ الموجود داخلَ ورشات صناعة السينما؛ من كتّابٍ ومخرجين وفنيين، في حين لم نسمع يومًا بأنّ خطّةَ عملٍ فلسطينيّةً واحدةً للتواصل مع رموزٍ سينمائيّة، إلّا بعض النشاطات الارتجاليّة المشكورة والفرديّة كتجرِبة غسان كنفاني وكمال ناصر، وقيام الحكيم جورج حبش بتكريمٍ متواصلٍ لفنانين عرب، هم في الأساس يتبنّون القضيّة ويدركون جنباتها، في حين أنّ الأعمال المنجَزة كانت - كما قلنا سابقًا - إعلاميّةً فصائليّةً بغالبيّتها، أو قائمةً بجهودٍ فرديّةٍ دُعِمت بشكلٍ شحيحٍ ومشروط.

لطالما سأل السينمائيّون والمثقّفون والساسةُ أنفسهم، لماذا وكيف...؟ ويمكن من خلال الإجابة على سؤال " كيف" وضعُ النقاط الأساسيّة لذلك.

أوّلًا: إنشاءُ مؤسّساتٍ حقيقيّةٍ، لا شكلانيّةٍ، في منظّمة التحرير تختصّ بإنتاج الأعمال السينمائيّة ورفدها للمخرجين الفلسطينيّين، بل وليكن ذلك في كلّ فصيلٍ على حدة.

ثانيًا: أن تكونَ هذهِ المؤسّساتُ منحازةً للوطنيّ لا الفصائليّ، للفكرة الوطنيّة لا الإيديولوجيا.

ثالثًا: أن يكونَ على رأس هذهِ المؤسّسات مختصّون سينمائيّون، لا مسؤولون سياسيّون مراتبيّون.

رابعًا: رصدُ ميزانيّةٍ سنويّةٍ كافيةٍ ومناسبةٍ ثابتةٍ بحسب ما يقرّره الخبراءُ في هذا الشأن.

خامسًا: استنادُ كلّ ذلك إلى رؤيةٍ مستقبليّةٍ مدروسةٍ بعنايةٍ تنطلقُ من واقعٍ الفلسطينيين وقضيّته الفريدة، التي تمنحُ تلقائيًّا مادّةً غنيّةً للسينما.

سادسًا: أن تتخلّى هذهِ المؤسّساتُ عن الاختيار بحسب الانتماء والولاء السياسيّ، والمحسوبيّات الأخرى.

خلاصة: من المعروف بدهيًّا أنّ أحدَ انتكاسات القضيّة الفلسطينيّة ووضعها الحالي الذي لا يسرّ صديقًا؛ هو الإعلام، والسينما بكلّ تأكيدٍ تلتقي في مربعٍ ما مع المجهود الإعلاميّ بشكلٍ مباشرٍ حينًا، وغيرِ مباشرٍ أحيانًا، وهذا الأمرُ أدركته الصهيونيّةُ مبكرًا فبنت إمبراطوريّةً عالميّةً إعلاميّةً فتحت خطوطَها الذكيّةَ والإخطبوطيّةَ مع المنظومة السينمائيّة العالميّة ضمنَ مخطّطها الإرهابيّ الاحتلاليّ، وأنجزت ما هو مهمٌّ في التغطية على نازيّتها وجرائمها.

هناك شاهدٌ جرى ويجري مؤخّرًا بالتزامن مع الجهود التطبيعيّة مع الأنظمة العربيّة، وتنفير المحيط من الفلسطينيّين وقضيّتهم، ومنها: صرعةُ الصهيونيّة الإبراهيميّة التي هي الورقةُ الأخيرةُ في يد النازيّة الصهيونيّة وكيانها الإرهابيّ قبل تلاشيه، تمثّل في اختراق المسلسلات العربيّة، وهو الأمر الذي بدأ بباب الحارة حتى وصل إلى " أم هارون" هو الذي يحاول بغباءٍ تطبيعَ وجود الصهيونيّ – لا اليهوديّ العربي- في الذهن الماضويّ للمواطن العربي، بحيث يكونُ شخصيّةً اعتياديّةَ الوجود، وفي الوقت ذاته تفوقيّةً وإيجابيّة، وسبق ذلك تمريراتٌ هنا وهناك؛ فنيّةٌ وأدبيّةٌ وحتّى دينيّة، تهدفُ لقَبول الكيان لا الفرد اليهوديّ العربي المحتقر - في الوقت ذاته - داخلَ الكيان ذاته، فقد ظهر فجأةً اليهوديُّ العربيُّ في تراث القاهرة ودمشق والعراق و الكويت والسعودية وغيرها، مِفتاحًا للاختراق، بل وقال مفتي سوريا" حسون" أمامَ البرلمان الأوروبيّ عام 2016، حرفيًّا في تعريفٍ لتاريخ كيانات المنطقة: "بلاد الشام التي هي فلسطين وإسرائيل وسوريا ولبنان والأردن"، كما يبارك عشرات الشيوخ صرعة "الإبراهيمية" والانضمام المواري لتهويد الإسلام والمسيحيّة – وليس الاندماج معهما حتى!، وهو ما يتطلّبُ صلواتٍ مشتركةٍ ومعابدَ في الإمارات والمغرب، وهكذا دواليك.. ويتطلّبُ صورةً تلفزيونيّةً وسينمائيّةً لاحقةً سوف نشهدُها قريبًا، أمّا صورةُ الرواية الفلسطينيّة إعلاميًّا ودينيًّا وسينمائيًّا؛ فغائبةٌ حتّى الآن، وهذهِ من جانب ما عُدّت مساهمةً سلبيّةً في ذلك!

إنّ هذا كلَّهُ جهدٌ مخطّطٌ متكاملٌ مدروسٌ منتجٌ بناءً على خطّةٍ استراتيجيّة، وبعد المسلسلات الغبيّة والركيكة التي ظهرت، يتمّ التحضيرُ - الآن - بدعمٍ إماراتيٍّ خليجيٍّ لإنتاج أفلامٍ تدسُّ في جنباتها معلوماتٍ وأفكارًا مزيّفةً عن تاريخ فلسطينَ وشعبها ذاته وبلاد الشام والمنطقة، وهي لا تكتفي برسم صورةٍ عالميّةٍ مباشرةٍ عن أحقيّة احتلال فلسطين، بل تمتدُّ لإعادة تقسيم بعض الدول العربيّة وتفكيكها، كسوريا و ليبيا واليمن والعراق، من خلال بثّ ذلك بلغةٍ سينمائيّةٍ تاريخيّةٍ خبيثةٍ وذكيّةٍ ومنظّمة.

في الخلاصة أيضًا، لم نشهد يومًا خطّةً فلسطينيّةً إعلاميّةً أو سينمائيّة، ربّما لأنّنا معتقدون أنّ عدالة القضيّة تكفي للطرح السينمائيّ الإعلاميّ، حتى ما تمَّ إنجازُهُ بجهودٍ محترمةٍ عبرَ مسيرة الثورة والمأساة والنكبة، كان يبدو يتيمًا لا أخَ له ولا شقيق، لهذا بدت السينما الفلسطينيّةُ بفرديّتها واجتماعها سينما عرض لواقعٍ وحسب، وكأنّها بلا هدفٍ سواه، وتصحيح الخطيئة لن يكون سوى بإدراك ما سبق ذكره، ليس في هذه المقالة وحدَها، بل بعشرات المطالبات والمقالات السابقة التي ظهرت على لسان المختصّين في الجانب السينمائيّ والفنيّ والإعلاميّ وبأقلامهم أيضًا. فهل فات الأوانُ؟ - لا أظنّه قد فات بعدُ!