وصف نتنياهو اهمية اتفاقيات التطبيع مع الخليج بالقول أنها “ستوحد السلام الديبلوماسي مع السلام الاقتصادي وستضخ المليارات في اقتصادنا من خلال الاستثمارات” .. وشعر قادة الدولة العبرية بنشوة الانتصار
لماذا ركز الكيان الصهيوني على دول مجلس التعاون الخليجي للقيام بعملية التطبيع ويوقع اتفاقات “ابراهيمية” تمر هذه الايام سنة على التوقيع عليها؟ وماذا حقق الكيان من ذلك؟
من البديهي القول أن دول مجلس التعاون الخليجي هي اغنى الدول العربية وتتركز الثروة الطبيعية فيها. ولاشك أن هذه الدول، من حيث الحالة الديمغرافية، تعتبر خواصر رخوة، وبتركيبات سكانية تعاني من اختلال لصالح العمالة الوافدة القادمة من جنوب شرق اسيا في اغلبها. وتعاني مجتمعات أربع دول خليجية من كونها اقلية في بلدانها وهي الإمارات و قطر والبحرين والكويت، بينما يتمتع المواطنون في السعودية وعمان باغلبية نسبية بسيطة.
يبلغ عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي نحو 57 مليون نسمة، ويشكل اقتصاد هذه المنظومة عامل جذب للمستثمرين وللعمالة الوافدة معا، نظرا لملايين فرص العمل الرخيصة في اغلبها، بسبب السياسات العمالية المتبعة.
يحتل اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي المرتبة الـ 13 عالميا، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدوله الست 1.64 تريليون دولار في عام 2019، وفقا لبيانات المركز الإحصائي الخليجي، وتبلغ حصة السعودية منه 48% من الناتج المحلي بأكثر من 790 مليار دولار، تليها الإمارات بنحو 421 مليار دولار بنسبة 26%، ثم قطر 183 مليار دولار بنسبة 11%. ويبلغ حجم التجارة البينية بين دول المجلس نحو 91.3 مليار دولار، تتصدرها الإمارات بـ53%، ثم السعودية 26%. وتنتج دول الخليج نحو 17.2 مليون برميل يوميا تمثل 22.8% من الإنتاج النفطي العالمي، وتبلغ حصة السعودية من الإجمالي الخليجي نحو 57%، حيث بلغ متوسط إنتاجها 9.81 مليون برميل يوميا في 2019، بينما تصل طاقتها الانتاجية الى أكثر من 12 مليون برميل يوميا.
— هذه معطيات مغرية يسيل لها لعاب الكيان الصهيوني من أجل اقتناص مئات مليارات الدولارات بصفقات اسطورية تتركز في التكنولوجيا والسياحة والتجسس والسلاح. يشعر القادة الصهاينة بنشوة الانتصار على الحصار، خصوصا رئيس وزراءه السابق بنيامين نتنياهو الذي وصف اهمية اتفاقيات التطبيع مع الخليج بالقول أنها “ستوحد السلام الديبلوماسي مع السلام الاقتصادي وستضخ المليارات في اقتصادنا من خلال الاستثمارات”. نشير هنا الى أنه ووفقاً لتقرير البنك الدولي عن بيانات عام 2019، جاء اقتصاد الكيان في المركز 31 عالمياً بناتج محلي إجمالي بلغ نحو 395 مليار دولار، تسبقها الامارات بناتج محلي يبلغ 421 مليار دولار ويتقدم الكيان على مصر بثمان درجات حيث جاء الاقتصاد المصري في المرتبة 39 بناتج اجمالي يبلغ 303 مليارات دولار.
هذا مؤشر قد يؤدي إلى فهم حالة التطبيع التي تلهث ورائها تل ابيب والعواصم الخليجية بدفع امريكي كبير ايام الرئيس السابق دونالد ترامب وفي هذه الايام حيث تواجه إدارة بايدن مصاعب على أكثر من صعيد خصوصا في علاقاتها مع الصين وروسيا وفي الملف النووي الايراني.
— بعد مرور عام على اتفاقيات التطبيع مع الإمارات قالت الأخيرة انها تستهدف علاقات اقتصادية بقيمة تفوق تريليون دولار خلال العقد المقبل. لاشك أن هذا رقم فلكي لو يتم تسخيره في مجال العلاقات الاقتصادية العربية البينية لأنتج حالة من الاستقرار وحّد من الفقر والبطالة والمرض.
— نمت التجارة بين الكيان وبعض الدول العربية خلال الاشهر السبعة من العام الجاري كالتالي:
—- تبوأت الامارات على رأس القائمة بعد أن وقعت على أكثر من 60 مذكرة تفاهم، وزادت نسبة التجارة البينية بمعدل 243 بالمئة مقارنة بنفس الفترة من العام 2020، حيث قفزت التبادلات التجارية من نحو 51 مليون دولار في الاشهر السبعة من العام 2020 الى نحو 614 مليون دولار في نفس الفترة 2021.
—- وحل الاردن ثانيا بأكثر من 224 مليون دولار مقارنة ب136 مليون دولار في نفس الفترة من العام الماضي.
—- ثم مصر في المرتبة الثالثة بأكثر من 122 مليون دولار مقارنة ب92 مليون دولار
—- وجاء المغرب رابعا بنحو 21 مليون دولار مقابل 15 مليون دولار العام الماضي
—- وحلت البحرين في المرتبة الأخيرة بنحو 300 ألف دولار في 2021، ولم يكن هناك تبادلا تجاريا في 2020، معلنا على الاقل.
— في ردة فعله على هذه المعطيات المستجدة، قال المسؤول الأمريكي السابق الذي كان مفاوضا في اتفاقيات ابراهام “أفي بير كوينز”، في تعليقه على حجم التبادل التجاري بين الكيان والدول العربية الخمس: “انها مجرد بداية”.
— وحيث تتزاحماتفاقيات التطبيع وتجرى المنافسة على قدم وساق من أجل الفوز بالسبق، فقد أعلنت شركة طيران الإمارات، التي تمتلكها حكومة دبي، أنها ستبدأ بتسيير رحلة يومية مباشرة بين دبي والكيان ابتداءا من 6 ديسمبر كانون اول المقبل..أي بعد شهر من اليوم، في الوقت الذي سّيرت شركة الاتحاد المملوكة لحكومة أبو ظبي وطيران فلاي دبي التجارية، رحلات منتظمة للدولة العبرية.
— اتفاقيات “ابرهام” التطبيعية هي زلزال جيوسياسي، كما يسميها الكاتب سعد محيو. وهي اتفاقيات نسخت مبدأ “الأرض مقابل السلام” الذي رفعته المبادرة العربية المنبثقة من قمة بيروت عام 2002 وتم وضعه في الأدراج رغم التباين العربي حوله، وأُستحضِر المبدأ الصهيوني “السلام مقابل السلام” في الاتفاقيات الأخيرة وتم تسويقه والترويج له على أنه الحل الذي لايأتيه الباطل..فهل تحقق هذا الشعار؟
— كل المعطيات تؤكد أن اتفاقيات التطبيع مع دول مجلس التعاون الخليجي ودول عربية أخرى مثل المغرب و السودان ، جاءت لتلبي الشروط الصهيونية في عملية الاختراق، دون أي تنازل من جانب كيان الاحتلال، بل أن ما قاله نتنياهو في توصيفه لجلب الاستثمارات الخليجية، تطبق راهنا على أرض الواقع، ذلك أن الكيان يواجه مصاعب اقتصادية جمة على رأسها البطالة، حيث أشار تقرير مكتب الإحصاء االصهيوني إلى ارتفاع معدل البطالة إلى 22.7 % في منتصف تشرين الأول (أكتوبر2020)، مع تسجيل أكثر من مليون عاطل من العمل.
— القلق على معدلات البطالة في 2020 قادت ياروم أرياف، مستشار مجلس الأمن الوطني لمكافحة الوباء في الكيان، القول لصحيفة “يديعوت أحرونوت” إن “إسرائيل تقف على شفا كارثة اقتصادية… الحكومة يجب أن تتصرف بأقصى سرعة ممكنة للحد من أعداد البطالة المتزايدة”.
وبالنسبة للكيان فالتطبيع هو الطريق الى مواجهة الازمات الاجتماعية عبر سحب المزيد من الاموال من دول الخليج الغنية بالنفط والغاز..وهذا بالضبط ما فعلته الادارات الامريكية المتعاقبة وآخرها ادارة ترامب وجو بايدن.
— صحيح أن موجة التطبيع عاتية ومشهدها الخارجي يشير إلى أنها تسير وفق ما خططت له الدوائر الصهيونية، إلا أن الموقف الشعبي العربي في الأقطار العربية المستهدفة ومنها دول الخليج العربي، يؤكد على أن هذه الشعوب تقف إلى جانب الحق الفلسطيني، إلى جانب شباب فلسطين ونسائها واطفالها وشيوخها في حقهم في الحياة الحرة الكريمة بعيدا عن بطش الاحتلال وفاشية السجان.
— خلاصة القول أن هناك تاثيرا سلبيا على القضية المركزية للأمة، القضية الفلسطينية، جراء اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني، وانحرافا جوهريا عن بوصلة الصراع في المنطقة، بخلاف التصريحات التي اطلقها بعض المسؤولين وادعوا فيها ان ضم المزيد من الاراضي سوف يتوقف، لياتيهم الرد مباشرة من نتنياهو نفسه: لن يتوقف الاستيطان ول ولن يتوقف الضم. إن ما يوقف الاستيطان وضم الأراضي وإعادة الوهج للقضية الفلسطينية هو الوحدة الوطنية الفلسطينية أولا، وتأصيل الموقف القومي الداعم للحق الفلسطيني التاريخي في مقاومة الاحتلال وتحرير الأراضي المحتلة واقامة الدولة الوطنية الفلسطينية على كامل التراب الوطني وعاصمتها القدس .
في الختام لابد من تسجيل موقف ننحني من خلاله احتراما وتقديرا للتضحيات البطولية التي يقوم بها الأسرى في سجون الاحتلال وهم يواجهون بامعائهم الخاوية مخرز الاحتلال الصهيوني. هذا الاحتلال الذي تفضحه جرائمه كل يوم رغم محاولاته اليائسة لإخفائها ورغم المحاولات المستميتة من قبل حلفاءه الجدد في التستر على ما يرتكبه من جرائم.. فتحية للحركة الأسيرة ومنها إلى كل أهلنا في فلسطين المحتلة من البحر الى النهر، والمجد للشهداء الذين يرتقون على طريق التحرير والنصر لفلسطين وآخرهم الشهيد الطفل محمد دعدس التي قتلته رصاصات الاحتلال بدم بارد. إن ما يجري في فلسطين هذه الايام يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذا الشعب لن يركع للإحتلال مهما اشتدت الصعاب وزادت، بل سيحقق اهدافه وسيقيم دولته الفلسطينية الديمقراطية على كامل التراب الوطني وعاصمتها مدينة القدس الموحدة.

