Menu

نمطُ القتالِ اليمنيّ: إحباطُ التحطيم

عرفات الحاج

نٌشر في العدد الـ31 من مجلة الهدف الرقمية

مسؤولُ قسمِ الشؤون العربيّة والدوليّة في "الهدف"

جمعت حملةُ السعوديّة وحلفائها على اليمن بين أنماطٍ مختلفةٍ لحملات الغزو والحروب والحملات الانتقاميّة التأديبيّة من الحقبة الإمبراطوريّة، فرغم أنّ العنوانَ السياسيّ للحملة هو إعادةُ سلطة حلفائها داخل اليمن، وهو ما يفترضُ الاحتفاظَ بشيءٍ ما قائمٍ في هذه البلاد؛ ليحكمه حلفاؤها أو يديروه نيابةً عنها، إلا أنّ القراءةَ للوقائع العملياتيّة والخطوات السياسيّة المواكبة لها، تؤكّد وجود سعي لتحطيم كلّ ما هو قائمٌ في اليمن، البُنى التحتيّة، الاقتصاد، المرافق الصحيّة والتعليميّة، وعلى عكس معظم الغزوات التي راهنت على إنشاء مناطقَ آمنةٍ تحت سيطرتها، يستوطنها الخاضعون والمتعاونون، وتكون موضعًا للحكومة المحليّة العميلة للمحتلّ، وتشكّل بدورها نموذجًا جاذبًا لمن يرغبُ بالاستسلام؛ المنطقةُ الخضراءُ، كمقرٍّ للغزو الأمريكيّ في العراق، ونظيرتها في كابول، أو سايغون في النموذج الأمريكيّ.

من يلقي بعشرات الملايين من أطنان المتفجّرات على بلدٍ، ضمنَ ملايين من الطلعات الجويّة، ويدفعُ بأكثرَ من 80% من سكان البلاد للمجاعة؛ لا ينوي إبقاء شيءٍ ليحكمه، خصوصًا إذا نظرنا الى ما أحدثه الغزاةُ على مستوى الفعل السياسي والإداري، فقد قام الغزاةُ بتقسيم اليمن على نحوٍ لم يعرفه في تاريخه، وشغلت مئات التشكيلات العسكريّة؛ كثيرٌ منها مرتبطٌ بداعش والقاعدة، و استقدمت آلاف مؤلفة من المرتزقة، ولم تعد مدينةً يمنيّةً، بما في ذلك تلك الواقعة تحت السيطرة التامة للغزاة، والبعيدة عن عمليّات أنصار الله والجيش اليمني ، تعرف أدنى درجات الاستقرار، أو تلائم عيش اليمنيّين.

من الكارثي أن التفسير السائد للمصائب التي يُلحقها الغزاةُ باليمن واليمنيّين تربط ذلك بتخلّف حكّام السعوديّة أو الإمارات، وتفرّدهم بالحكم بعيدًا عن وجود مؤسّسات دولةٍ بمعناها الحقيقي، مشكلةُ هذا التفسير أنّه يغفلُ فعليًّا عن أنّ حملة الغزو منذ بدايتها حظيت بمواكبةٍ حثيثةٍ ومشاركةٍ من قوًى دوليّةٍ عدّة، أبرزُها الولاياتُ المتّحدة وبريطانيا، بل وانخراط الأمريكيّين في القتال على الأرض، وتنفيذ إنزالاتٍ ضخمةٍ في مناطقَ، مثل المكلا ، وأنّ الحديث عن غيابِ المؤسّسات والتخطيط في بلدان الخليج قد يصلح للتأريخ لمراحل بداياتها الأولى لا لوصف واقعها اليوم، خصوصًا فيما يتعلّق بمؤسّساتها العسكريّة الضخمة، التي تستأثر بموازناتٍ هائلةٍ، وتحشد وتستقطب خبراءَ عسكريّين وسياسيّين ومستشارين من كثيرٍ من دولٍ ذات "خبرةٍ استعماريّة"، ناهيك عن استبعاد هذا التفسير لأكثر الوقائع التي تشير إلى أنّ هدف الحملة فعليًّا، هو التحطيمُ وعدمُ إبقاء شيءٍ يسمحُ بنهوض دولةٍ حقيقيّةٍ ذات سيادةٍ وطنيّةٍ في اليمن، وهو ينصبُّ بالاتجاه ذاته الذي سارت فيه السياساتُ السعوديّةُ والخليجيّةُ تجاهَ اليمن طيلةَ العقود الماضية، وإن كان ذلك يتمّ بأدواتٍ مختلفة، وبشكلٍ أقلَّ حدّة من الوحشيّة المفضوحة لحملة الغزو المستمرّة منذ سبع سنوات.

لا شكّ أنّ الغطرسة والاستعلاء لدى حكّام دول الغزو والنظرة من قبلهم لليمن وأهله، أدّت دورها في صياغة أهداف العدوان وشكله، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنّ الحملة كانت ضربًا من الجنون الغاضب لهؤلاء الحكام، فلقد جاء العدوانُ منسجمًا مع سياقٍ سياسيٍّ يرى في القوى الصاعدة باليمن عدوًّا لا يمكن هزيمته بمعركةٍ عسكريّةٍ تقليديّة، ويرى في اليمن، إذا ما قدّر له التمتّع بالاستقلاليّة والسيادة على موارده، والخروج من فلك الوصاية السعوديّة؛ خصمًا وتهديدًا لمصالح هذه الدول، ولأدوارها المشتركة مع حلفائها الدوليّين والإقليميّين، وهو ما جيءَ بجملةٍ من الإجراءات المتّخذة على أرض اليمن لتترجمه، مثل الإصرار على فصل الجنوب، والسيطرة على موانئ اليمن وجزيرة سو قطر ة التي تبدو جزءًا من رؤيةٍ لدورِ جغرافيّةِ اليمن وساحله وموانئه، في إطار أحلام التوسّع في إمبراطوريّة النقل البحريّ لحكّام الإمارات، أو تصوّراتهم حول الشراكة في منظومة أمنٍ إقليميٍّ مع الكيان الصهيوني، والرؤية التي تمارسُ الدبلوماسيّةُ السعوديّةُ الدعايةَ لها؛ بشأن ضرورة عزل إيران ومحاربتها في الإقليم، ومعاقبة حلفائها والأطراف التي لا تُظهرُ انصياعًا للرؤية السعوديّة بشأن التعامل معها. وهنا للتذكير، فقد طالت الغضبةُ السعوديّةُ الإماراتيّةُ دولًا خليجيّةً أخرى لاتهامها بمخالفة الرؤية السعوديّة بشأن الإقليم والقوى السياسيّة فيه.

تجميعُ الفتات... كيف قاتل اليمنيّون؟

في مواجهة محاولة أيّ غازٍ للسيطرة على الأرض، يكفي لقوى المقاومة من أصحاب الأرض، شنّ حملاتٍ متتابعةٍ أو متوازيةٍ من عمليّات حرب العصابات، أن "تتبرغث" قواتهم ويحرموا العدو من أي أهدافٍ أو قواعدَ وعقدٍ مركزيّةٍ لضربها، وبالطبع يشملُ ذلك التخلّي عن السيطرة على المدن، وتركها لقوّات العدو التي ستتكفّلُ باستثارة عداء سكّانها وزيادة المنحازين للتمرّد والمقاومة، ولكن هذا الخيار لم يكن متاحًا في الحالة اليمنيّة، فالانسحابُ من أيّ موضعٍ كان يعني التسليم بتحويله لأرضٍ محروقةٍ على أيدي الغزاة، وترك السكّان يعانون من ممارساته الانتقاميّة بناءً على انتماءاتهم القبليّة أو المناطقيّة التي قد تشي بقربهم من المكوّن الرئيسيّ للمقاومة "الحوثيّين"، هذا ناهيك عن أن حملة الغزو من أيّامها الأولى سعت لإسقاط المعاقل الرئيسيّة للمقاومة، باستهدافها بالغارات الجويّة المركّزة، التي طالت سكانها وبناها التحتيّة في نوعٍ من السعي لإبادة مكوّنٍ يمنيٍّ عدّه الغازي مصدرًا للتمرّد ضدّه.

حربُ العصابات بمفهومها التقليديّ والقديم كانت تعني لــ "أنصار الله" منح الشرعيّة لخصومهم الذين انضمّوا للغزاة، والسماح بإخضاع ملايين من اليمنيّين لسطوتهم، وربّما سوّق عشرات الآلاف منهم للقتال في صفوف الغزاة قسرًا.

الصمودُ والاحتفاظُ بالأرض

احتفظت القواتُ اليمنيّةُ المقاتلةُ ضدّ العدوان بالسيطرة على العاصمة صنعاء، وخاضت قتالًا مريرًا لمنع قوّات الغزو من الاقتراب منها؛ ومخطئٌ من يظنّ أنّ غارات التحالف لم تكبّد القوّات اليمنيّة خسائرَ هائلة؛ فببساطةٍ، كانت قوى التحالف تدفع بمئات أو آلاف من اليمنيّين الذين جنّدتهم لساحات المعارك، ثمّ تقومُ قوّاتُها الجويّةُ بقصف المتقاتلين من حلفائها وأعدائها، أي أنّ تقنيّةَ الالتحام القريب بالعدو المتفوّق جويًّا كسبيلٍ لتحييد قدرته الناريّة الجويّة لم تكن متاحةً بالنسبة للمقاتل اليمنيّ.
ابتدع المقاتلون اليمنيّون وقياداتهم تكتيكاتٍ صغيرةً تكفل لهم الاحتفاظ بالسيطرة على الأرض، وفي الوقت ذاته تجنّب الأثر التدميريّ الهائل للغارات الجويّة، ناوروا واستفادوا من معرفتهم ببلادهم وجغرافيّتها في اختيار المواضع الأعلى تأثيرًا على سير القتال والاحتفاظ بها، قطعوا طرقَ إمداد الغزاة، أمسكوا بمواضعَ استراتيجيّةٍ في الجبال، ودفعوا ثمنَ ذلك باهظًا على مستوى الأرواح، لكنّهم استطاعوا منعَ تقدّم قوّات الغزو وحلفائها في معظم المناطق التي اختاروا الاحتفاظ بها.

المبادرةُ الهجوميّة.. صناعةُ الألم

منذ الأيام الأولى للحرب بادر اليمنيّون إلى شنّ عمليّاتٍ داخلَ الأراضي السعوديّة، لتفادي معضلةٍ أساسيّةٍ فرضتها طبيعةُ الحملة، فلقد أرادت السعوديّةُ وحلفاؤها شنَّ حربٍ بلا أيّ كلفةٍ بشريّةٍ على مستوى قوّاتها، تخوضها بمن جنّدتهم من اليمنيّين ودولٍ عربيّةٍ أخرى فلا تكلّفها خسارتهم شيئًا، لكن إثبات اليمنيّين قدرتهم على اختراق الحدود السعوديّة، وشنّ هجماتٍ واسعةٍ داخلها كبّدت السعوديّة خسائرَ فادحةً من أرواح جنودها، وانتهت بأسر مئاتٍ منهم، وحطّمت تصوّرها عن الحرب مع اتّخاذ العمليّات اليمنيّة شكل الهجمات الصاروخيّة والغارات الجويّة بالطائرات المسيّرة، خصوصًا حين طالت هذه الهجماتُ منشآتٍ استراتيجيّةً سعوديّةً على غرار الهجوم على محطّات شركة أرامكو والمصالح النفطيّة السعوديّة، هذه العمليّاتُ حسبما يقرأها حلفاءُ السعوديّة الغربيّون أدت لنقل تأثير الحرب للمجتمع السعودي، فحسب تقرير لمركز "مالكوم كير - كارنيغي" قادت الحربُ اليمنيّةُ لتغيّراتٍ في المجتمع السعوديّ.

صناعةُ البدائل:

ورث "أنصار الله" ومن التحق بهم من الجيش اليمني السابق، جزءًا من ترسانته من الأسلحة القديمة العائدة للحقبة السوفيتيّة، وهي أسلحةٌ حسب معظم التقديرات يمكن اعتبارها خارج الخدمة، إذا ما استثنينا البنادق الخفيفة والرشاشات المتوسطة والثقيلة، لكن سرعان ما أصبحت معسكراتُ قوّات الغزو ومراكزُ قيادتها عرضةً لضرباتٍ موجّهةٍ دقيقةٍ باستخدام صواريخَ من تلك الترسانة القديمة، قد يصعب فهم ماهية التعديلات التي أدخلها التصنيعُ العسكريُّ اليمنيُّ على هذه الأسلحة تحت وطأة الغارات الجويّة الثقيلة. صحيحٌ أنّهم استفادوا من شيوع تقنيّات التوجيه الدقيق للصواريخ لدى الكثير من الدول، لكنّهم فعلوا هذا تحت النار وفي بلدٍ محاصرٍ تمامًا، معظم الناس فيه لا يكادون يجدون طعام يومهم.

هذا امتدّ لصياغة الخيارات العملياتيّة التي سمحت باستخدام هذه الصواريخ لإبادة بُنى قياديّةٍ بأكملها في معسكرات قوى الغزو وقواعده في محيط مأرب في معسكري صافر وصحن الجن وغيرها، لا شكّ أنّ القدرة الاستخباريّة لأصحاب الأرض أدّت دورها، ولكن هناك الكثير على مستوى التخطيط وتحديد الأهداف التي تمّ قصفها وارتباط ذلك بمجمل المعركة، وما يتعلّق منها بإحباط تصوّر الغزاة عن الحرب وتبديد رهاناتهم على الاستمرار فيها.

تجميعُ القوّة.. والرهانُ على الهُويّة

الصمودُ والإمساكُ بالأرض والاحتفاظ بالسيطرة على معظم المحاور الأساسيّة التي استهدفتها قوى العدوان، مكّن أنصار الله من اكتساب ثقة المزيد من اليمنيّين، وقد راكموا على ذلك في ضوء لجوئهم للتسويات المحليّة ذات الطابع القبلي بهدف تجنّب جبهات قتالهم وتوسّعها وتقليص معسكر عدوّهم، هذه التسويات تحوّلت تدريجيًّا لواحدةٍ من أدوات القتال في مواجهة الغزاة وقوّات "الشرعيّة"، فمن اضطرتهم الظروفُ أو دفعتهم الأطماع للالتحاق بقوّات هادي وآثروا إظهارَ الطاعة للتحالف؛ كان من السهل انتقالهم للحياد طالما وجدوا أنّ الطرف الآخر يمنحهم هذا البديل.

وأجاد أنصارُ الله تقديمَ خطابٍ وطنيٍّ يركّز على الهُويّة اليمنيّة الوطنيّة، بل وربّما مكّن الغزو والعدوان اليمنيّين من تخليق فهمٍ جديدٍ لهذه الهُويّة التي قوّضت سنواتُ الفساد السياسي علاقةَ الأفراد بها، العدوان والاستهداف يعيدُ ربطَ اليمنيّين الرافضين للإذلال والقتل بهذه الهُويّة، فيما تبدو الأمورُ في معسكر حلفاء "التحالف" في هذا الجانب شائكة، فخلال سبتمبر المنصرم أحرقَ جنودٌ من تحالف الشرعيّة مخازنَ السلاح في معسكر صحن الجن، بعد أن نهبوا السلاح منها، وادّعوا أنّها تعرّضت لهجومٍ صاروخيٍّ من أنصار الله"، وهو أمرٌ ليس غريبًا في علاقتهم مع من يستخدمهم "حطبًا" لحربه في مواجهة أبناء جلدتهم، ولا يتورّع عن قصفهم بالطيران متى شاء، خصوصًا أنّ بعضهم اقتيد للقتال بهذه الطريقة تحديدًا، ففي بدايات العدوان قصفَ طيران التحالف وأباد لواءً كاملًا من الجيش اليمنيّ؛ اللواء 23 ميكانيكي المرابط قربَ حضرموت، لمجرّد اشتباههم بوجود من يرفض الانضمام لقوّات التحالف من بين أفراد اللواء، ولم يكن هناك خياراتٌ كثيرةٌ أمامَ كثيرٍ من الجنود الذين تلقّى ضباطهم تهديداتٍ أو رُشًى سعوديّةً أو إماراتيّة للانضمام للتحالف.

التقدّم تحت النار

تشكّل عمليّةُ "ربيع النصر" التي أعلنت عنها قوّاتُ صنعاءَ منذ أيامٍ مثالًا على الكيفيّة التي خسرت فيها قوّاتُ التحالف حربها، فعلى العكس ممّا هو متوقّعٌ ممّن يتعرّض للقصف، واصلت القوّاتُ اليمنيّةُ تقدّمها والسيطرة على مناطقَ جديدةٍ كانت قد خسرتها في بداية العدوان، وتقريبًا باتت تسيطرُ الآن على كامل المحافظات في شمال اليمن باستثناء مأرب، التي باتت على أبواب مدينتها الرئيسيّة.

أجاد اليمنيّون الدفاعَ عن مدنهم ومناطقهم تحت القصف، دون مواقعَ ثابتة، وبقدرٍ عالٍ من المرونة في المناورة، لكنّ التقدّم لانتزاع السيطرة على أراضٍ شاسعةٍ تحت النار والقصف هو أمرٌ أعقدُ بكثير، أو لنقل ما تخيله معظم من شهدوا الحروب في هذا العالم، مستحيل.

خلال العمليّة المذكورة سيطرت القوّاتُ اليمنيّة على أكثرَ من 3 آلاف كيلومتر مربع، بما فيها مديريّاتٌ رئيسيّةٌ في محافظة مأرب التي تستميت السعوديّةُ للاحتفاظ بها؛ بوصفها آخرَ معقلٍ رئيسيٍّ لحكومة عبد ربه المنصور هادي، وفيها مقرُّ وزارة دفاعه وهيئة أركانه، وكذلك لاحتوائها على حقول نفطٍ رئيسيّةٍ ومدخلٍ أساسيٍّ للمثلّث النفطيّ اليمنيّ.

يعلن التحالفُ عن شنّه مئات الغارات الجويّة يوميًّا على قوّات صنعاءَ المتقدّمة في محيط مأرب، ومع ذلك تقرّ المصادرُ العسكريّةُ اليمنيّةُ التابعةُ للتحالف بأنّها تخسرُ الأرض، وأنّ تقدّم قوّات صنعاء مستمرٌّ وبخطى ثابتة، ورغم عدم إعلان الناطقين باسم أنصار الله، واللجان الشعبيّة والجيش اليمنيّ عمّا تكبّدوه من خسائرَ في معركة مأرب، فالمؤكّد أنّ هذه الغارات لم تكن هيّنةً عليهم، ومع ذلك فإنّ قرارهم واضحٌ بالسيطرة على مأرب؛ سواءً بالقتال على الأرض أو ما يتمُّ إنجازُهُ من تسوياتٍ مع القبائل، تقدّم يجري بالآليات ذاتها، المرونة في المناورة، إدراك الأرض، تعاون السكان، التنظيم القتاليّ الممتاز، والأهمّ هو إيجاد ما يكفي من التواطؤ بين ذكاء المقاتل وجغرافيّته لتقليص تأثير طيران العدوان وغاراته الهائلة.

خاتمة.. هل انتهت الحرب؟

منذُ شهورٍ تسعى الإدارةُ الأمريكيّةُ لإقناع قيادة "أنصار الله" بوقف تقدّمهم المضطرد تجاه مأرب، والذهاب فورًا نحو التفاوض، فيما تتمسّك صنعاءُ بموقفٍ واضحٍ عنوانه، عدم الاستعداد لوقف القتال أو التعاطي مع المبادرة السعوديّة المعلنة دون الإنهاء الكامل للحصار.

رغمَ انهيار حلفائها على الأرض تماطلُ السعوديّةُ متمسّكةً باستمرار حصارها، واعتبار تفكيكه مؤجّلًا كجزءٍ من ترتيبات التفاوض والحلّ السياسيّ، أي أنّها متمسّكةٌ باستمرار استخدامها لواحدةٍ من أدواتها الرئيسيّة في العدوان.

لا يزال معظمُ أراضي اليمن محتلّة؛ صحيحٌ أنّ المحافظاتِ الرئيسيّةَ التي تحتوي الكثافةَ السكانيّةَ أحكمَ أنصارُ الله السيطرةَ عليها، لكن قوى التحالف أنشأت كيانًا متمسّكًا بالانفصال عن الجنوب، وصحيحٌ أنّ قوّات هادي مصيرُها قد حُسم بالخروج نهائيًّا من المعركة بعد سقوط مأرب الوشيك، لكنْ مصيرُ الجنوب هو المعركةُ المقبلةُ لليمنيّين، كذلك قد تخبّئ مائدةُ المفاوضات وما يحيط بها من توازناتٍ دوليّةٍ وإقليميّةٍ لليمنيّين أسبابًا كثيرةً للعودة للقتال.