كاتبٌ سياسيٌّ فلسطينيّ/ سوريا
تعرّضَ الاقتصادُ الصينيُّ عبرَ التاريخ إلى دوراتٍ متجدّدةٍ من الرخاء والتراجع والتطور، حتى وصلَ إلى مرحلةِ التأسيسِ لمسيرةِ الإصلاحات عامَ 1978، التي ما زالت تتفاعلُ حتّى يومِنا هذا؛ ليثبتَ صحّةَ ما قيل: "إنّ صعودَ الصين، وتطوّرَ مسارِ التحوّلاتِ الاقتصاديّةِ والتكنولوجيّةِ والطاقويّة في العقدين الماضيّين يمثّلُ أعمقَ حدثٍ في التاريخ المعاصر، الذي يؤثّرُ في صياغة النظام العالميّ الجديد".
لقد استغرقت الصينُ عقودًا طويلةً في طريق النموّ الاقتصاديّ، ووصلت منذُ عشرين عامًا إلى مستوى اقتصاديّات الدول العظمى، وتبوّأت المرتبةَ الثانيةَ كأكبرَ اقتصادٍ عالميٍّ من حيثُ سرعةُ النموّ والاندماج في النظام الاقتصاديّ العالميّ، الأكثرِ شراكةً متكافئةً بين المحاور الدوليّة والإقليميّة والقوّة الأكثر انخراطًا في الشرق الأوسط، وَفْقًا لمصالحها المتنامية هناك (إمدادات الطاقة – سوق رئيسيّة للصادرات الصينيّة)، علاوةً على التمدّد المتزايد لخريطة طريق الحرير. فأضحت أمامَ مهمّاتٍ ضروريّةٍ جعلت منها صِمَامَ أمانٍ عالميٍّ للحياة الاقتصاديّة، إلّا أنّ الأزمةَ الحاليّةَ المتمثّلةَ بقطاع الطاقة، والعقارات الصينيّة تعدُّ بمثابة إنذارٍ للاقتصاد العالميّ ولجميع الدول العظمى. فقد شهدت دورةُ الإنتاج الاقتصاديّ ارتباكًا؛ بسبب نقصِ الطاقة وانقطاع الكهرباء عن أهمّ المناطق الصناعيّة، وتوقُّفِ عشرات الشركات والمصانع عن العمل؛ وتعود الأسباب إلى ارتفاع أسعار الغاز والفحم؛ بسبب نقص إمدادات الفحم المحليّة، الذي فاقمَهُ تراجعُ الواردات من أستراليا ومنغوليا، في حين أنّ الغازَ ارتفع بشكلٍ كبيرٍ في أوروبا. وكذلك عدم رغبة الصين في زيادة إنتاج الفحم لضروراتٍ تتعلّقُ بالحفاظ على البيئة، والحدّ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
وبسبب الأزمة الحاصلة، فرضت عشرون مقاطعةً صينيّةً من أصل إحدى وثلاثين.. قيودًا على استهلاكها الطاقيّ؛ ما أثَّر مباشرةً على منتجي المعادن والإسمنت والأسمدة. ومن بين المعامل التي توقّفت، تلك التي تنتجُ قطعًا لشركتي "أبل" و"تسلا" الأميركيّتين. فيما يسودُ تخوّفٌ من أن تؤثّرَ الأزمةُ على إمدادات أشباه الموصلات العالميّة المفقودة أساسًا من السوق العالميّة، ممّا سيهددُ الصناعات التكنولوجيّة، وربما تؤدّي مشاكلُ الإنتاج الناجمة عن نقص الكهرباء في الصين وغيرها..، إلى ارتفاع التضخّم في جميع أنحاء العالم، وهذا ما حذّر منه بنكُ نامورا الياباني من أنّ "صدمةً" سيعرفها الاقتصادُ العالميُّ؛ نظرًا لخفض الإنتاج الصيني، ممّا سيعطّلُ الجهودَ العالميّةَ للإقلاع الاقتصاديّ، ويدفعُ إلى ارتفاع مستويات التضخّم.
ويُجمعُ خبراءُ الاقتصاد في العالم أنّ الصين في العقود الأربعة الماضية استطاعت أن تحييَ الاقتصادَ العالميَّ؛ لما وفّرته من كميّاتٍ ضخمةٍ من السلع التي صدّرتها إلى كلّ البلدان، التي تميّزت بالقيمة المنخفضة من حيثُ التكلفةُ والسعرُ؛ والكثيرُ من الشعوب استفادت من العلاقات التجاريّة مع الصين؛ نظرًا لهذه الميزة. وبعد مرور تلك العقود استطاعت بعضُ الدول أن تحذوَ حذوَ النموذج الصينيّ، وأنْ تستفيدَ بإقامةِ بُنًى اقتصاديّةٍ ذاتِ طابعٍ وطنيّ، لكنّ الكثيرَ من البلدان الفقيرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية الغارقة في المديونية، لم تستطع أن تؤسّسَ لصناعةٍ وطنيّةٍ قادرةٍ أن تريحَها من عبء الديون.
وأمامَ مسار تطوّر الاقتصاد الصينيّ عبرَ العقود المنصرمة، الذي تحوّلت به البلدُ لما يسمّى بــ "أبو الفقراء"، تعرّضت إلى هزّاتٍ متلاحقةٍ من قبل راعي النظام الدوليّ المتمثّل بالولايات المتّحدة الأميركيّة. وبرز السؤالُ الآتي، هل تستطيعُ الصينُ متابعةَ المسار دون عوائقَ داخليّةٍ وخارجيّةٍ؛ خاصةً مع بدايةِ الحربِ التجاريّة التي أطلقها الرئيسُ الأميركيُّ السابقُ دونالد ترامب؟
لم يستبعد الخبيرُ الروسيُّ بالشؤون الصينيّة نيقولاي فافيلوف فرضيّةَ الصراع داخلَ الحكومة الصينيّة بين الرئيس الصينيّ، شي جين بينغ، الذي يسعى إلى فكّ ارتباط الصين بالولايات المتّحدة الأميركيّة، وجعلِها قوّةً رائدةً في العالم، وبين مجموعةٍ ترتبطُ مصالُحها بالتعاون الاقتصاديّ مع أميركا، ومن ثَمَّ تمثّلُ الشريكَ الأصغرَ الذي يجني الأموالَ من التجارة مع الولايات المتّحدة، وكذلك الشركات التي استفادت من تضخيم فقّاعات الائتمان، بما يشملُ عددًا من أكبر الشركات في قطاع العقارات.
ويرى المراقبون أنّ الصينَ تنمو وأنّ أميركا لن تقفَ متفرّجةً على هذا الدور المتصاعد والمنافس، لذلك فإنّ هنالك لدى صنّاع القرار الأميركيّ من ينظرون للصين على أنّها تهديدٌ؛ بسبب حقائقَ أساسيّةٍ، منها: حيويّة النظام الاقتصاديّ الصينيّ ودينامكيّته، وفعالية القيادة الصينيّة بالاهتمام بمصالح شعبها، الذي يدعم سياسةَ الحكومة؛ داخليًّا وخارجيًّا، كما أنّ جيران الصين يريدون تطويرَ العلاقة معها، وأيضًا مساعي الصين لتطوير علاقاتٍ جيّدةٍ مع الولايات المتّحدة؛ للتعاون في قضايا السلم والازدهار والاستقرار في العالم ومنطقة آسيا – المحيط الهادئ – سيّما بعد الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008، التي كشفت عن صعود الصين، والارتباك النسبيّ للولايات المتّحدة في ظلّ الإدارات الأميركيّة المتعاقبة.
لقد امتازت العلاقةُ بين بكين وواشنطن بمزيجٍ من المصالح المتناقضة والمتضاربة، فهناك أكثرُ من (500) ألف فرصة عملٍ تعتمدُ بشكلٍ مباشرٍ على التصدير للصين. وتسعى بكينُ لتعزيز العلاقة التبادليّة مع الولايات المتّحدة؛ كونها مستفيدةً من نظامها العالميّ، وفي الوقت ذاته ليست بمأمنٍ من التأثر بقراراتها، وهذا ما أدّى إلى انتهاج إدارةٍ واعيةٍ لتلك العلاقة، ومضاعفة حجم المنافع الصينيّة. كما أنّ أميركا أحدُ أكبرِ الأسواق للصين، وأضخمِ الشركاء التجاريّين من خلال التجارة الثنائيّة التي تقدّر، نحو (512) مليار دولار، بالإضافة إلى ذلك تحتفظُ الصينُ، نحو (1.2) تريليون دولار من ديون الولايات المتّحدة، ما يجعلُها أكبرَ مالكٍ بقيمة 8% من مجموع الدين العام. مع ذلك تجدُ الولاياتُ المتّحدةُ نفسَها بحاجةٍ للتعاون مع الصين من نواحي أخرى، وذلك للحاجة فيما يخصُّ حلَّ القضايا الإقليميّة والعالميّة ذات الاهتمام المشترك، التي لم تعد واشنطن قادرةً على مواجهتها وحدَها، كملفّ الركود الاقتصاديّ أو الإرهاب أو المناخ.
يبدو أنّ الأزمةَ الاقتصاديّةَ التي تمرُّ بها الصينُ اليوم لها بعدان؛ الأوّل: يتعلّق بالمسار الاقتصاديّ الصينيّ الذي على الأرجح قد وصل منتهاه، وبات يفاقمُ من حجم التوقّعات السياسيّة الكامنة وراءَ موقف الصين التقليديّ لــ(الحياد) ويصبح الأمرُ أكثرَ إرباكًا وتعقيدًا حينما يكون هذا الموقفُ في خلفيّةِ علاقةٍ غيرِ مستقرّةٍ بين الصين والولايات المتّحدة. إنّ حجم السياسات الكامنة التي لا يمكن الدفاعُ عنها جعلت الصينَ تقف عاجزةً أمامَ المحافظة على نمطها الثابت في التعامل الدبلوماسيّ مع تطوّرات المسرح الدوليّ، والأجواء المشحونة والخلافات السياسيّة العميقة، لكنّ هذا لا يعني أنّ السياسةَ الخارجيّةَ الصينيّةَ تجاهَ المجتمع الدوليّ، وبالأخصّ، الشرق الأوسط على أعتاب تحوّلاتٍ كبرى، لكن ربّما نشهدُ متغيّراتٍ جديدةً وتأثراتٍ يجب أن تؤخذَ بالحسبان؛ فضلًا عن التناقضات داخلها، التي من المرجّح أن يكونَ لها دورٌ في إعادة تشكيل التوجّهات الرئيسيّة للصين في المستقبل، وتحقّقُ أهدافًا جوهريّةً سياسيًّا واقتصاديًّا على المسرح الدوليّ.
أمّا البعدُ الثاني، فيتعلّقُ بالمستوى الخارجيّ، فمن الطبيعيّ أن تكونَ المنافسةُ محمومةً من الغرب الممثَّل بأميركا، والسعي لمحاصرة الصين، ممّا يُملي عليها إحداثَ انعطافٍ؛ عبّرت عنه بأزمة الطاقة، وتراجع منسوب الإنتاج الصناعيّ، وهذا الأمرُ ربّما لا يخرج عن الرؤية الاستراتيجيّة الصينيّة، ومن الطبيعيّ أن تستفيدَ أميركا من هذا الانعطاف، وتحاولَ إملاءَ شروطٍ على العملاق الصينيّ، وأن تؤثّرَ على مسار الاقتصاد العالميّ. ولكن يبقى القولُ: إنّ العملاقَ الصينيَّ قد تجاوز مرحلةَ الخطر بعد أن تحوّلَ إلى رقمٍ صعبٍ في الاقتصاد العالميّ، لكن في خضمّ هذا الصراع، من المرجّح أن يكونَ هناك ضحايا، وهي الدولُ الفقيرةُ، والمستنزفةُ، والمديونةُ، والمرتبطةُ عضويًّا بالاقتصاد الصينيّ، فهي لا تملكُ هامشَ الاستقلاليّة، أو هامشَ المناورةِ أمامَ هذهِ الأزمة، وستزيد لديها عمليّةُ الإفقار والمديونيّة.
ونظرًا للأزمة الحاصلة؛ فثمة تقديراتٌ تقولُ: إنّ الصين أصبحت تواجه مصاعبَ متعدّدةً على الصعيد الاقتصاديّ، وكذلك السياسيّ الداخليّ، وإنّ الولاياتِ المتّحدةَ ستكسب الحربَ التجاريّةَ إلّا أنّ الصين – على ما يبدو – لا تريدُ حربًا تجاريّةً مدركةً حجمَ التحدّيات القائمة، والمسؤوليّات المترتّبة عليها، ولكنّها – من الواضح – ستحمي نفسَها من كلّ المخاطر المحيطة بها، مضطلعةً بدورها القياديّ، فهي – وبحسب تصريحاتها الرسميّة ومواقفها الشعبيّة – لا تخافُ أحدًا، وسوف تقاتلُ إذا لزم الأمرُ، فلديها اقتصادٌ حيويٌّ، وسوقٌ هائلٌ وشعبٌ مبدعٌ وموحّد.

