مقدمة لا بد منه منذ بداية الحرب الكونية على سوريا ومحاولة تطويع القيادة السورية لأجندات مهندسو الربيع العربي المزعوم، وقف كل العربيون وشرفاء هذه الأمة إلى جانب الموقف السوري الرافض للخنوع لسياسات رأس الشر العالمي والكيان الصهيوني وأدواتهم من عربان الكاز والغاز؛ بوصفه موقفًا ممانعًا ومقاومًا وهذا الموقف لا ينسحب بالضرورة على كل سياسات هذه القيادة وتحديد الموقف بالضرورة يحتكم إلى مدى قرب أو بعد هذا النظام من أهداف مشروعنا القومي؛ بوصفنا قوميون، وليس بعثيون.
بالضرورة إن زيارة وزير خارجية الإمارات لا تعني لي من حيث الشكل سوى خنوع واعتراف أنظمة الكاز والغاز وأسيادهم أمام الصمود الاسطوري لسوريا في حربها الكونية واعتراف صريح بالقيادة السورية التي لطالما طالب محور الشر ووكلائه بالمنطقة بإسقاطها وعزلها والتشكيك بشرعيتها، وهذا مدعاة للفخر، ولكن مضمون هذه الزيارة هو ما يثير الشكوك والريبة في ظل الهرولة نحو التطبيع التي تجتاح المنطقة العربية لإنجاز أضخم مشروع استعماري في تاريخ المنطقة، وهو مشروع الولايات المتحدة الإبراهيمية، هذا المشروع الذي عطلت سوريا انجازه منذ بدء الحرب الكونية عليها. وهنا علينا الإجابة على سؤال هام: هل ستلتحق القيادة السورية بركب التطبيع وتكون بذلك قد قدمت تنازلًا سياسيًا لم ينجزه محور الشر بالحرب؟
للحقيقة هذا سؤال صعب ويحمل بداخلة غصة أثناء الإجابة عليه!! نعود هنا إلى التعريف العلمي للسياسة بوصفها فن الممكن وفن إدارة الصراع، كي نضع مبضع الكي على الجرح ونقر بأن الموقف السوري سيتجه نحو التساوق مع مشروع التطبيع المتجه نحو انجاز الولايات المتحدة الإبراهيمية!! وهذا الموقف قد يثير العديد من ردات الفعل بين رافض ومشكك وخيبات أمل ستطال العديد من شرفاء هذه الأمة الذين لطالما تغنوا بالموقف السوري، وأنا واحد منهم، ولكنها السياسة الحاضنة الأساس للمتغيرات. لقد وقفت القيادة السورية وبكل حزم أمام الهجمة الكونية طيلة عشر سنوات، هذه الهجمة التي طالت الوطن برمته؛ الإنسان والشجر والحجر وصمدت أمام كل المؤامرات والتحالفات، ولكن السؤال إلى متى؟! هل تستطيع الصمود إلى ما لا نهاية؟ وأقول لما لا نهاية لـن الظروف الموضوعية المحيطة تتجه نحو التطبيع ومشروعات التسوية المطروحة والأنظمة المحيطة ترتمي في أحضان الكيان الصهيوني بشكل دراماتيكي، مما يشدد الحصار الاقتصادي والسياسي والعسكري على هذه القيادة التي تدير الصراع ضمن رؤيتها الطبقية السياسية، وهنا تظهر معالم الموقف السياسي ضمن التعريف العلمي للسياسة بوصفها تعبير مكثف عن الاقتصاد؛ أن البرجوازية الوطنية التي يشكل النظام السوري أحد أشكالها تدير الصراع ضمن رؤاها السياسية المستندة لمصالحها الطبقية/ السياسية والوطنية، وهذا ما تجلى في حرب تشرين التحريكية والتدخل في الحرب العراقية/ الكويت ية وتدمير تل الزعتر، مما يؤكد أن النظام يفكر بمصالحه أولًا.
لست هنا في موقع المبرر لمواقف القيادة السورية أو محاولة إدانتها بقدر تحديد موقف لا بد منه، حتى لا نكون كمن يغطي الشمس بغربال ومحاولة لفرملة سلسلة التبريرات التي سنواجهها نتيجة هذا الموقف وإعادة تقييم للموقف السياسي مما يحدث وسيحدث من حالة انهيار سياسي وطني وقومي سنشهده على الساحة العربية؛ حال انعطاف النظام نحو مشروع الولايات المتحدة الإبراهيمية. لقد أنفقت رأس الشر العالمي مليارات الدولارات وأنجزت آلاف الأبحاث والدراسات وجندت جامعات عريقة مثل جامعة هارفرد لإخراج صيغة استعمارية جديدة؛ لإعادة ترتيب أوضاع منطقة الشرق الأوسط ضمن مشروع الولايات المتحدة الإبراهيمية؛ تكون القيادة فيه للأكثر تطورًا تكنولوجيًا ومقدرة عسكرية لقيادة هذا الحلف الجديد، وسيكون تحت قيادة الكيان الصهيوني وتركيا وعضوية سوريا ولبنان والأردن و مصر وسلطة دايتون والسعودية ودول الخليج وسترتبط هذه الولايات ضمن مسارات ذات جوهر اقتصادي وسياسي ويأخذ شكل الدين الموحد لكل الديانات، هو دين إبراهيم وستجتمع هذه الولايات ضمن حلقة اقتصادية سياسية على قاسم مشترك ديني سمي بالمشترك الإبراهيمي يؤسس للتطبيع بين كل المشاركين ويضمن الدخول الآمن للكيان للسيطرة على المنطقة كاملة؛ بوصفها الأكثر تقدمًا وسيضمن هذا المشروع إلى إذابة تدريجية للدولة الوطنية لصالح الولايات المتحدة الإبراهيمية ويلغي تدريجيُا الكيان القطري ويسقط بناء مشروع نهضوي عربي ويذيب مشروع القومية العربية، وقد خطت أمريكا وحلفاؤها خطوات متقدمة لإنجاز هذا المشروع؛ بدءًا بالربيع العربي ودفع الدول العربية للهرولة نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، والذي يعتبر مقدمة ضرورية لإنجاز هذا المشروع، وكانت الحرب على سوريا وحصارها وتدميرها وفرض قانون قيصر عليها أحد أشكال الضغط على سوريا للتساوق مع المشروع الذي باعتقادي أنها لن تستطيع الصمود كثيرًا في وجه تطبيقه.

