على الرغم من تخمة الغاز والنفط المستمرّة في السوق، فإنّ منتجي الغاز والنفط عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ يستثمرون ما يقدّر نحو " 299 " مليار دولار في مشاريعَ تستهدفُ زيادةَ القدرة الإنتاجيّة في مجالات الغاز والبتروكيماويّات بحسب ما ورد في "تقرير الغاز والنفط في شرق المتوسط عام 2020" الذي أصدرته مجموعة "MEED". وتستهدفُ تلك الاستثماراتُ زيادةَ القدرة الإنتاجيّة لتصبح قادرةً على الوفاء بالطلب المحليّ والدوليّ، وكذلك للدفاع عن حصّة تلك الدول في السوق.. ففي حين تتكاملُ هذه المشاريعُ مع بعضها بعضًا من منظور تعزيز الاقتصادات الشرق أوسطيّة، فإنّها يمكن أن تسبّب من حينٍ إلى آخرَ قدرًا كبيرًا من الخلاف والضرر، مثلما هو الحالُ عندما غمرت المملكةُ العربيّةُ السعوديّةُ سوقَ الغاز والنفط بالإنتاج بين عامي 2016 و2018، دفاعًا عن حصتها على حساب "أعضاء أوبك" الآخرين، مثل: إيران والعراق و ليبيا وفنزويلا والجزائر.
مشاريعُ الغاز الكبرى في شرق المتوسط
لمشاريع الغاز الطبيعي أهميّةٌ استثنائيّةٌ بالنسبة لاقتصادات قطر و مصر وإيران والعربية السعوديّة وغيرهم.. وتعدّ صادراتُ الغاز العمودَ الفقريَّ لاقتصاد قطر التي تمتلك ثالث أكبر احتياطي في العالم من الغاز الطبيعي، حيث يتيح لها أن تكون أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال عالميًّا، وأكبر مصدّر له، وتخطّط قطر لتعزيز قدرتها الإنتاجية من الغاز بنحو 30% - من " 77 " مليون طن سنويًّا إلى مئة مليون طن سنويًّا – وذلك من حقلها العملاق "حقل الشمال".. أمّا السعوديّة فهي في طريقها لأنْ تصبحَ أكبر منتج عالمي للبتروكيماويّات، وأكبر مصدّر لها.. ويعدّ ذلك أحد السبل الجادة لتنويع اقتصادها، ولإعطاء قيمةٍ مضافةٍ لإنتاجها من الغاز الطبيعي.
طوال عقودٍ، كان يبدو أن أغلب بلدان شرق المتوسط ليس لديها سوى حصةٍ محدودةٍ من موارد الطاقة، أو أن بعضها لا يمتلك أيّ حصةٍ منها، لكن خلال السنوات القليلة الماضية كانت هناك اكتشافاتٌ بحريّةٌ ضخمةٌ للغاز الطبيعي، ومن شأن تلك الاكتشافات أن تفتح المجال أمام بروز إمكانيّاتٍ اقتصاديّةٍ جديدةٍ لتلك الدول، وأن تعيد كذلك تعريفَ علاقاتها الاستراتيجيّة.. وتقدّر اكتشافات الغاز المؤكّدة في كلّ من "مصر، لبنان، قبرص، وإسرائيل" بنحو "90" ترليون قدم مكعّبة، مع إمكانيّة اكتشاف المزيد مستقبلًا، وكان تقريرٌ أصدرته "هيئة المسح الجيولوجي الأمريكيّة" عامَ 2018، فقدّرت إمكانيّة وجود نحو " 142" ترليون قدم مكعّبة من الغاز الطبيعي قبالةَ سواحل "لبنان، غزة، قبرص، سورية، مصر، وإسرائيل"! ورغم ذلك فإنّ صادرات الغاز الطبيعيّ المحتملة من بلدان شرق المتوسط إلى أوروبا ستكون محدودةً بما لا يتيح لها تحدّي هيمنة الغاز الروسي في أوروبا... وعام 2018، صدّرت الولاياتُ المتحدة "22" مليون طن من الغاز، ويتوقّع ارتفاع هذا الرقم إلى " 40 " مليون طن بحلول عام 2022، وَفْقًا لتقرير المسح الاقتصادي للشرق الأوسط "MEES" وستواجه صادراتُ الولايات المتّحدة المستقبليّة من الغاز الطبيعيّ منافسةً قاسيةً من قبل المصدّرين الرئيسيّين للغاز المسال حول العالم، خاصةً روسيا وأستراليا وقطر.. في حين لا تهدّد الولايات المتحدة حصة روسيا الاتّحاديّة في السوق الأوروبيّة، أو حصتي أستراليا وقطر في أسواق آسيا، لذلك فالمتوقع أن تعزّز صادرات الغاز الأمريكيّة من القدرة التفاوضيّة في مواجهة روسيا، علاوةً على أنّ الصادرات الأمريكيّة ستساعد في خلق "سقفٍ سعريٍّ" للغاز الطبيعي عبر التفاوض مع روسيا أو غيرها.
بكلّ الأحوال، فإنّ الأهميّةَ المتزايدةَ لإنتاج الغاز وصادراته لا تنتقص من القيمة الحيوية للنفط، حيث سيحل الغازُ محلَّ النفط في توليد الكهرباء ومحطّات تحلية المياه – بما يتيح لمصدّري النفط حيازةَ حصةٍ مريحةٍ في سوق النفط العالمي.
الجغرافيا السياسيّة للغاز في شرق المتوسط
تنبئُ بعضُ الشواهد الظرفيّة بأنّ صقورَ العربيّة السعوديّة وعلى رأسهم ولي العهد محمد بن سلمان ربما يصعّدون عن عمد التوتّرات مع إيران، وربّما يخطّطون للانخراط في بعض المغامرات العسكريّة؛ بهدفِ دفع أسعار الغاز والنفط إلى الارتفاع. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ أيًّا من السعوديّة أو إيران لا يرغبا في الوصول إلى حربٍ تقليديّةٍ مفتوحةٍ بين البلدين، لكن يبقى دائمًا احتمالُ حدوث مناوشاتٍ في مياههم الإقليميّة.. وفي نقاط التماس المتمثّلة في حقول الغاز والجزر المتنازع عليها..!
أمّا في سوريّة فقد تمّ استغلالُ "الحرب الأهليّة" منذ عام 2011، لخدمة "التنافس الجيوبوليتيكي"؛ بهدف السيطرة على حقول الغاز والنفط.. ويعتقد الكثير من المحلّلين الاستراتيجيّين بأنّ أحد أسباب "الحرب طويلة المدى" الجارية، بالوكالة في سورية لها علاقةٌ بدرجةٍ ما بالتنافس على خطوط الغاز.
أيًّا كان الحال، يستذكر البعضُ أنّ محاولات التحريض الأمريكيّة ضدّ سورية بدأت قبل "الحرب الأهليّة" بوقتٍ طويل، متوخيّةً هدفًا أساسيًّا وهو إضعافُ النفوذ الإيراني عبر الشرق الأوسط، حيث أثّرت تلك الهواجسُ الاستراتيجيّة، المدفوعةُ بالخشية من تمدّد النفوذ الإيراني في شرق المتوسط، انطلاقًا في المقام الأول من الجغرافيّة السياسيّة لخطوط الأنابيب.. ففي عام 2011، رفضت الحكومةُ السوريّةُ توقيعَ اتّفاقٍ مقترحٍ مع قطر، كان من شأنه أن يتيحَ إنشاءَ خطّ أنابيبَ يبدأ من "حقل غاز الشمال" التابع للإمارة الخليجيّة، مرورًا بالسعوديّة ثمّ الأردن، تليها سورية، وصولًا إلى تركيا ، كان هذا الخطُّ المقترحُ يستهدفُ توفيرَ جزءٍ من احتياجات الأسواق الأوربيّة من الغاز، منافسًا بذلك صادرات الغاز الروسيّة إلى أوروبا، وكانت حجّةُ المسؤولين السوريّين حينها "حماية مصالح الحليفة روسيا"، التي تعدّ أكبر مزوّدٍ لأوروبا بالغاز الطبيعي. وفي بداية عام 2012، تردّدت أنباءٌ عن مباحثاتٍ إيرانيّةٍ – سوريّةٍ حولَ تمديدِ خطِّ أنابيبَ بديلٍ يمرُّ عبرَ العراق، وصولًا إلى سوريّة، من شأن هذا الخطُّ أن يتيح لإيران تصديرَ الغاز من حقلها "جنوب بارس" الذي تتشاركه مع قطر، ووقّعت مذكّرةَ التفاهم الخاصة بهذا المشروع في تموز 2013، بالتزامن مع اتّساع نطاق "الحرب الأهليّة" في سوريّة. وفي وقتٍ مبكرٍ من عام 2014، وقّع العراقُ اتّفاقًا إطاريًّا لإنشاء هذا الخطّ في أراضيه، وعُدّ الاتّفاق الثلاثي – الإيراني، السوري، العراقي – "صفعةً على الوجه" بالنسبة لقطر.
منتدى مصدّري الغاز "EMGF"
يعدُّ الصراعُ بين تركيا و"قبرص اليونانيّة" بشأن حقول التنقيب عن الغاز الطبيعي، وتطوير موارده في شرق المتوسّط؛ جزءًا حيويًّا من صراعٍ سياسيٍّ ودبلوماسيٍّ طويل، ترجعُ جذورُهُ إلى سنواتٍ طويلة.. إلا أنّه بالتركيز على مصادر الخلاف حولَ قضيّة الغاز، يمكن الإشارة إلى مصادرَ أساسيّةٍ عدّة للصراع على رأسها "اتفاقيّة ترسيم الحدود"، حيث وقّعت "قبرص اليونانيّة" اتّفاقيّة ترسيم حدودها البحريّة مع مصر، ثمّ مع لبنان، ثمّ مع إسرائيل، باستثناء تركيا؛ نظرًا لوجود خلافاتٍ سياسيّةٍ تذكي استمرار الصراع...!
وفي هذا السياق، اتّخذت تركيا موقفًا مناهضًا للتحالف الثلاثي "المصري – اليوناني – القبرصي" منذ الإعلان عنه في كانون ثاني 2015، حيث ترى أنّه موجّهٌ ضدّها؛ نظرًا لأنّ علاقاتِها متوتّرةٌ مع الدول الثلاث، ويعود الفضل لهذا التعاون الثلاثي إلى اكتشاف حقول الغاز المصريّة، وأبرزها: "حقل ظهر"، وقد برز الاستياءُ التركي من دول التحالف الثلاثي جليًّا، بعد عقد القمّة الخامسة لهذا التحالف بالعاصمة القبرصيّة نيقوسيا في 21 تشرين الثاني 2020، حيث رفضت أنقرةُ ما جاء في البيان الختاميّ للقمّة من دعوةٍ لحلّ القضيّة القبرصيّة وَفْقَ قرارات الأمم المتّحدة.. واعترضت على إجراء "مصر واليونان" مناورات "ميندوزا" العسكريّة البحريّة قربَ سواحل جزيرة "رودس" وقامت أنقرةُ بعدها بإجراء مناوراتٍ عسكريّةٍ منفردةٍ في المكان نفسه، ممّا يدلُّ على استيائها من هكذا تحالفٍ ثلاثي، كونه يهدّد مصالحَها في شبه الجزيرة القبرصيّة، وشرق المتوسط، وداخل الاتّحاد الأوروبي.
بالمحصّلة: من الأفضل لجميع البلدان المصدّرة للغاز والنفط في شرق المتوسّط أن تدرك أنّ الولاياتِ المتّحدة جزءٌ من المشاكل، أكثر منها جزءًا من الحلّ، والجدير بهم أيضًا عدم وضع ثقتهم في واشنطن، وأن يقبلوا عالمًا متعدّد الأقطاب، ويؤسّسوا علاقاتٍ قويّةً مع الصين وروسيا والاتّحاد الأوروبي، وسيكون من الأجدى اقتصاديًّا واستراتيجيًّا أن يتمَّ فتح حوار بين دول مجلس التعاون الخليجي ومصر و سوريا ولبنان وإيران وتركيا.. بدلًا من التوجّه نحو حروبٍ مدمّرة، فعبرَ الحوار يمكنُ تدبيرُ سبلِ استثمارِ أسعارِ الغاز والنفط وتوحيدها بما يخدمُ مصالحَ شعوب المنطقة.

