في يوم ١٨ أكتوبر تصادفُ الذكرى الثلاثون لإعادةِ روسيا وإسرائيلَ رسميًّا علاقاتِهم الدبلوماسيّة، بعد أن قطعَها الاتّحادُ السوفييتيّ بعد حرب حزيران ١٩٦٧، واحتلالها مزيدٍ من الأراضي العربيّة.
شهدت العلاقاتُ الروسيّةُ - الإسرائيليّةُ تقلّباتٍ حادّةٍ، ومرّت في مراحلَ من الصعود والهبوط والأزمات والانفراجات، وقد اعترف الاتّحاد السوفييتي في عهد ستالين بدولة الكيان الصهيونيّ، وقطعت العلاقة عام ١٩٥٣. وبعد وفاة ستالين أُعيدت العلاقةُ وتأزّمت العلاقاتُ بعد العدوان الثلاثيّ عام ١٩٥٦، وقُطعت في حزيران عام ١٩٦٧. وفى عهد الرئيس السوفييتي غورباتشوف، تمّت أكبرُ هجرةٍ لليهود السوفييت، حيث وصل قرابة مليون شخص. وكان لهذه الهجرة أثرٌ حاسمٌ في الطفرة الاقتصاديّة والعلميّة والبشريّة التي شهدتها دولةُ الكيان، ووَفْقًا للإحصاءات الإسرائيليّة؛ وصل من ضمن المهاجرين إلى دولة الكيان١٠٠ ألف مهندسٍ، و20 ألف طبيبٍ وطبيب أسنان، و٢٤ ألف ممرّضٍ وممرّضة، و٤٥ ألف معلّمٍ، و٢٠ ألف عالمٍ وفنّانٍ وموسيقيّ. وقد أشار الرئيسُ بوتن إلى أنّ اليهود الذين هاجروا من الاتّحاد السوفييتي السابق "أسهموا بشكلٍ كبيرٍ في نهوض إسرائيل، وهم يشكّلون اليوم همزةَ وصلٍ بين روسيا وإسرائيل".
ومنذ استلام بوتن السلطةَ في آذار عام ٢٠٠٠، سعى إلى إعادة روسيا لاعبًا بارزًا في الشرق الأوسط، وعمل مع جميع الأطراف في المنطقة؛ سواءً أكانوا أصدقاء، أو خصوم تقليديّين. ويرى أنّ إسرائيل تضطلع بدورٍ مهمٍّ في المنطقة، حيث إنّه ورث دولةً تمزّقها تناحراتٌ سياسيّةٌ وحربٌ طاحنةٌ في الشيشان، وعصاباتُ المافيا تمتصّ ثرواتها "اللوبي اليهوديّ" لذلك سعى لتطوير علاقاتٍ اقتصاديّةٍ مع دول الشرق الأوسط، وإلى علاقاتٍ تجاريّةٍ، مثل تجارة التكنولوجيا العالية مع دولة الكيان الصهيوني. وقد كتب البروفيسور مارك كاتز في دوريّة "الشرق الأوسط الفصليّة "في شتاء عام ٢٠٠٥، "لا يسعى بوتن إلى إرضاء واشنطن، ولا تلبيةِ أيّ ضروراتٍ سياسيّةٍ محليّة، بل إنّ سياسةَ موسكو الجديدة في الشرق الأوسط تنتج عن حسابات بوتن الشخصيّة للمصالح الروسيّة، وهى حساباتٌ لا تلقى تأييدًا كبيرًا في حكومته" وفى الوقت الذى طوّر العلاقة إلى مستوياتٍ كبيرةٍ مع دولة الكيان؛ قام بالحدّ من تأثير اللوبي اليهوديّ على البلاد وحيدُ عرّاب اللوبي اليهوديّ في الكرملين بوريس بيرزوفسكي، الذى اضطلع بدورٍ بارزٍ في إطالة أمد الحرب في الشيشان؛ مستفيدًا منها كسمسارٍ وحجم القطط السمان الذين استحوذوا على مقدّرات البلاد بأساليبَ غيرِ قانونيّةٍ؛ فأودع ميخائيل خودروفسكي السجنَ بعد مصادرِةِ أصوله، وفى مقدّمتها شركة "بوكوس" النفطيّة، وسمح لكلٍّ من: فلاديمير غوسنسكي، وألكسندر سمولينسكي بمغادرة روسيا، بعدما تنازلا لشركاتٍ قريبةٍ من بوتن عن الحصّة الأكبر من أصولهم الإعلاميّة والمصرفيّة. أمّا رامان إبراموفيتش؛ فقد أعطاه الأمان، وهو حاليًّا يملكُ نادي تشيلسي لكره القدم في إنجلترا. أمّا الأخَوَانِ؛ أركادي، وبوريس روتنبرغ؛ يقعان تحت العقوبات الغربيّة على خلفيّة استثماراتهم في القرم؛ بمعنى: أنّه سيطر على وسائل الإعلام مع بقاء اليهود فيها.
وتنتظمُ العلاقاتُ الروسيّةُ الإسرائيليّةُ وتشهدُ تطوّرًا مهمًّا في العديد من المجالات الاقتصاديّة والتجاريّة والعسكريّة والأمنيّة، فضلًا عن العلاقات السياسيّة، وتتمّ اللقاءاتُ والزياراتُ على أعلى مستوى من كلا الجانبين، وتمنحُ بعضُ الاتّفاقيّات كلا الجانبين؛ الروسيّ والإسرائيليّ، نظامَ الأفضليّة القصوى في التجارة، وشكّلت اللجنةُ الخاصّةُ بالتعاون التجاريّ والاقتصاديّ، وكذلك نظام التأشيرة الحرّة بين البلدين، ويعيشُ في دولة الكيان روسٌ أو من الاتّحاد السوفييتي السابق؛ وهم أكثرُ من مليون شخصٍ يشكّلون ما نسبته٢٠٪ من نسبة السكّان. وتعدّ اللغةُ الروسيّةُ هي اللغةُ الثالثةُ الأكثرُ تداولًا. وهناك تنسيقٌ أمنيٌّ بعد دخول روسيا إلى سوريا؛ لمنع أيّ تصادمٍ بين الطرفين، وقد تمّ استيعابُ إسقاط الطائرة الروسيّة ومقتل ١٥ جنديًّا، ورغم الخلافات والتعقيدات القائمة بين الطرفين؛ سواءً في الملف الإيرانيّ أو السوريّ أو الفلسطينيّ، حيث إنّ روسيا تؤيّد بشكلٍ واضحٍ حلَّ الدولتين، ودعمها لقيام دولةٍ فلسطينيّةٍ مستقلّةٍ على أراضي ٦٧ بعاصمتها القدس الشرقيّة. كما تُبدي روسيا تأييدَها للمطالب الفلسطينيّة في مختلِف المحافل الدوليّة، ورغم تضارب المصالح بين الجانبين على الساحة السوريّة؛ إلّا أنّ كليهما حريصٌ على عدم استعداء الآخر أو الخلاف حول الملف النوويّ الإيرانيّ وتخصيب اليورانيوم، وكانت آخرُ زيارةٍ لوزير خارجيّة الكيان يائيل لبيد، ولقائه مع نظيره الروسيّ لافروف، وقد كتبت ماريا بيلينكايا في "كوميرتس سانت" قائلةً: إنّ مزاج وزير خارجيّة روسيا وإسرائيل لم يعكّره الملفُّ الإيرانيُّ ولا السوريُّ ولا الفلسطينيّ؛ وذلك في أوّل لقاء، وإنّ الافتراضَ أن تغيُّرَ موسكو نهجها تجاهَ إسرائيلَ بعد وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة في هذا البلد؛ مبالغٌ فيه بوضوح.
وتعدّ إسرائيلُ أنّ روسيا لاعبًا مهمًا في الشرق الأوسط، وخصوصًا بعد تراجع الدور الأمريكيّ في المنطقة، وفى نهاية المطاف لا يرغبُ الطرفان بإحداث أزمةٍ ثنائيّةٍ بين البلدين.
وفى زيارةٍ قام بها الرئيسُ الروسيُّ بوتن لإسرائيلَ في يوليو ٢٠١٢، ناقش فيها مع رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو تعاونَ شركة غاز بروم الروسيّة وإسرائيل على أساس أن تشاركَ هذهِ الشركةُ من بين شركاتٍ روسيّةٍ أخرى في عمليّة استخراج الغاز المكتشف حديثًا في منطقة شرق المتوسّط.
غازُ شرق المتوسّط
من المعلوم أنّ الغازَ - مثل النفط - حالةٌ سياسيّةٌ، ويخضعُ للأبعاد الجيوسياسيّة، خصوصًا أنّه مكتشفٌ في منطقةٍ تعجّ بالتوتّرات السياسيّة والأمنيّة والعسكريّة والاقتصاديّة؛ فوَفْقًا لهيئة المسح الجيولوجيّ الأمريكيّة، هناك مكتشفٌ ١٢٢ تريليون قدمٍ مكعّب، وبلدانٌ كثيرةٌ تسعى للفوز بحصّةٍ من الغاز وهي:
١. البلدانُ التي تمتلكُ الغاز.
2. الشركاتُ المستخرِجة.
٣. البلدانُ المستهلِكة.
وثمّةَ تحالفاتٌ واسعةٌ ومفاوضاتٌ ونزاعاتٌ تشتركُ بها الأطرافُ الثلاثةُ؛ والأساسُ هو خطوطُ النقل والتصدير؛ من أين تنطلق؟ وإلى أين تذهب؟ ولكلّ مجموعةِ دولٍ تحالفاتٌ تضمّ شركاتِ استخراجٍ وخططِ مدّ الأنابيب.
محورُ مصر وحلفائها: في ٢٢ أيلول ٢٠٢٠، وقّعت إيطاليا – اليونان - مصر – إسرائيل - قبرص ميثاقَ منتدى شرق المتوسّط للغاز؛ الأردن والسلطة الفلسطينيّة حضرتا بعضَ اجتماعات المنتدى، فيما طالبت فرنسا الانضمامَ إليه عضوًا، والولايات المتّحدة عضوًا مراقبًا، واتُّفق على أن تكون مصرُ المركزَ المحوريَّ لتصدير غاز شرق المتوسّط، فمن جهةٍ لديها اتفاقيّةُ سلامٍ مع الكيان الصهيونيّ، ولديها الموقعُ الجغرافيُّ الملائم، وقناةُ السويس وإطلالها على البحرين؛ المتوسط، والأحمر، وبِنيةٌ تحتيّةٌ جاهزةٌ، بالإضافة إلى شبكة أنابيبَ مترامية الأطراف، ومجهّزةٍ لنقل الغاز إلى العديد من الدول، بالإضافة إلى معمل تسييل الغاز على أراضيها؛ فضلًا عن أنّها منتجةٌ للغاز
المحورُ التركيّ: ويضمّ تركيا - ليبيا حكومة الوفاق - قبرص التركيّة على الضفّة المقابلة؛ بهدف مدّ خطوط النقل إلى أوروبا؛ عبرَ أراضيها التي تجمع بين أوروبا وأسيا، ولا يتوقّف الطموحُ التركيّ عند دور الوسيط بين روسيا وأوروبا، بل يشملُ الاستحواذَ على حصةٍ كبيرةٍ من شركات النقل التي تمرّ عبرَ أراضيها بما يضمن حصولها على إمداداتٍ كافيةٍ من الغاز؛ استنادًا إلى موقعها الجغرافيّ بين الدول الأوروبيّة وأسيا الوسطى، ودول القوقاز والشرق الأوسط. وحظيت تركيا بدورٍ أكبرَ بعد الأزمة الأوكرانيّة، حيث قرّر الاتّحادُ الأوروبيُّ تخفيفَ الاعتماد على روسيا لاستيراد الغاز الطبيعيّ؛ ما خلق فكرةَ إنشاء خطّ تاب وتاناب لنقل الغاز من أذربيجان ثمّ إلى السوق الأوروبيّة؛ عبرَ خطّ تاب. وكان مخطّطًا لهذين الخطّين أن ينقلا الغازَ الطبيعيَّ من منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها الشرقُ المتوسّط.
المحورُ الأمريكيّ: تسعى الولاياتُ المتّحدةُ إلى السيطرة على الغاز في شرق المتوسّط من خلال السيطرة على المنابع؛ عبرَ شركات الاستخراج، وأبرزُها شيفرون، التي اشترت نويل إينرجي، التي تؤدّي دورًا كبيرًا في مجال استخراج الغاز من المتوسّط، بالإضافة إلى مصالح أمريكا في المنطقة، وفي مقدّمتها وجودُ الكيان الصهيونيّ بين الدول الفاعلة في شرق المتوسّط وحليفها الاستراتيجيّ الاتّحاد الأوروبيّ، الذي يسعى لتنويع مصادره للتخفيف من الاعتماد على الغاز الروسيّ، وهو أمرٌ خطيرٌ بالنسبة لروسيا التي تعدّ أكبرَ مصدّري الغاز لأوروبا بنسبة ٤٠٪.
المحورُ الروسيّ: تسعى روسيا للقيام بدورٍ كبيرٍ للاستفادة من الثروات المكتشفة؛ فدورُها في الشرق الأوسط، وخاصةً في سوريا، ووجودُ قاعدةٍ بحريّةٍ في طرطوس أكسبها مزيدًا من النفوذ في ملفّاتٍ عديدةٍ، وتسعى للاستثمار في منطقة شرق المتوسّط؛ من خلال شركات التنقيب في لبنان، وتقديم التمويل الماليّ لقبرص واليونان، والوجود العسكريّ والاتفاقيّات الثنائيّة مع سوريا في ظلّ وجودِ كميّاتٍ كبيرةٍ من الغاز قُبالةَ السواحل السوريّة.
خلاصة: لعبةُ المصالح أقوى من المبادئ!

