Menu

إسرائيلُ انزياحٌ نحو الوراء... ولكن ممكنات القوّة..!

أكرم عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 31 من مجلة الهدف الإلكترونية

إسرائيلُ دولةٌ سهلةُ القراءةِ - ليس فقط لأنّ النظامَ السياسيَّ في إسرائيلَ مرتبطٌ بقوانين تجديد نفسه خلال منظومةٍ متّفقٍ عليها بالانتخابات - بل لأنّ هذا النظامَ السياسيَّ هو انعكاسٌ لطبيعة التكتّلات العرقيّة الطائفيّة التي لم تندمج بعدُ كما كان يحلمُ بن غوريون - وهو يؤسّسُ الدولة - فالمتديّنون لهم أحزابُهم وإن انقسموا بين متديني الشرق والغرب وشاس "يهدوت هتوراة" والغربيّون العلمانيّون الأشكناز، لهم حزبُ العمل الذي يتلاشى، والعربُ لهم أحزابُهم، والروسُ لهم حزبُهم.. وهكذا.

هذا الأمرُ يسهّلُ عمليّةَ قراءتِها إذ يكفي معرفة أو متابعة نمطٍ اجتماعيٍّ لفئةٍ معيّنةٍ وأخرى لتحليل مستقبل النظام السياسيّ، وكلّ الدولة التي يزيد عمرُها قليلًا عن سبعة عقودٍ مرّت بثلاث مراحلَ في شكل نظامها السياسيّ؛ فالعقودُ الثلاثةُ الأولى حكمها العلمانيّون الغربيّون مرورًا بفوز مناحيم بيغين (زعيم حزب الليكود(؛ ما سمّيّ بالانقلاب حينها عام 1977، ثم بعد ذلك لعقدين كان شبه تساوٍ بين ما عرف باليسار واليمين، كان يعكس نفسه بحكومات الرأسين الشهيرة في الثمانينات، ثمّ مع بداية الألفيّة ولعقدين منذ فوز شارون حتى الآن؛ انكسر الميزانُ تمامًا لصالح اليمين.

إنّ جانبًا واحدًا كانت تكفي متابعتُهُ لمعرفة مدى الانزياح، ولماذا ذهب المجتمعُ ونظامُهُ السياسيُّ إلى هذا الحدّ، من الدولة التي هندسها ثيودور هرتسل دولةً علمانيّةً أصرّ أن يكتبَ في كتيّبِهِ الحالم - وهو يضع تصوّره على الورق - وأمّا الحاخامات فيجب حجرهم في كنسهم ولا يتدخّلون في السياسة" إلى دولةٍ يقف على رأسها من يعتمر القبّعة الدينيّة برمزيّتها المتديّنة.

كان يكفي - مثلًا - متابعة العادات الاجتماعيّة لطائفةٍ من الطوائف لاستشراف ذلك، وكان يكفي مراقبة الأسرة وعدد أفرادها وثقافتها الإنجابيّة لدى كلّ فئةٍ لمعرفة الكتلة الاجتماعيّة الصاعدة، والكتلة الآخذة بالأفول، ومعرفة طبيعة النظام السياسيّ المستقبليّ ارتباطًا بذلك، وخاصةً أنّ التكتّلات السياسيّة هي تعبيرٌ عن تلك التجمّعات الطائفيّة، وهنا ما يفسّر أفول حزب العمل - مثلًا - وسيطرة اليمن الدينيّ والقوميّ في إسرائيل

فالمتديّنون - مثلًا - يمتازون بالأسر الكبيرة، وخاصةً بعد أن أصبحوا بيضةَ قبّان الحكومات منذ الثمانينات، تمكّنوا من فرض قوانينَ لصالحهم، مثل قانون العائلات كثيرة الأولاد، وطلاب المعاهد الدينيّة، والإعفاء من الجيش، وهذا كان من شأنه أن يحفّز زيادة الإنجاب في الأسرة، وبالمقارنة مع ثقافة الإنجاب لدى العلمانيّين الغربيّين بالأسر الصغيرة، يمكنُ فهمُ لماذا تلاشى حزبُ العمل وهو الذي هيمن بتجمعاته القديمة مبام ومباي والمعراخ على الدولة لعقودٍ ثلاثةٍ بلا منافسٍ، ثمّ تعادل مع اليمين، ثمّ انكسر الميزانُ تمامًا ليصبحَ الحزبُ المؤسّسُ على هامش الهامش، الذي يعبّرُ عنها الانزياح، أيضًا إغلاق الكيبوتس، وتضخّم المستوطنة.

ولكنّ هذا اليمينَ المحمّلَ بالقيم الدينيّة وغيرِ الديمقراطيّة، لماذا لم يترافق صعودُهُ على هبوط الدولة؟ صحيحٌ أنّ هناك تغيّراتٍ على بِنية النظام السياسيّ والقانونيّ وحتى الإعلاميّ لصالح قوًى متطرّفةٍ لا تؤمنُ بالآخر، مثل القوى اليمينيّة أو حتى حزب إسرائيل بيتنا، الذي يقودُهُ أفيغدور ليبرمان) وهو الذي لاحقته الشرطةُ بقضايا فسادٍ لأكثرَ من عقدٍ مارسَ خلالَها سلوكَ رجلِ المافيا لدرجة تمكّنِهِ من إقصاء قائد التحقيقات بالشرطة بعد تسجيل مكالماتٍ ضدّ ليبرمان، وتمكّن من شطبِهِ ليحصلَ على براءةٍ)، ولكنْ بالإجمال لم يعكس ذلك نفسه على بِنية النظام السياسي.

إسرائيلُ العلمانيّةُ كانت الدولةَ المحظيّةَ في العالم، كان يحجُّ إليها زعماءُ كثر، ووزراءُ خارجيّة، لكنّها في العقد الأخير لا تكادُ تستقبلُ مسؤولًا دوليًّا إلّا للضرورة. يمكنُ القولُ: إنّ هذا الانزياحَ نحو اليمين رافقه بعضُ التغيّرات على وضع إسرائيل وصورتها وعلاقاتها الدوليّة، ولكن ليس بالقدر الذي يعكسُ دولةً أصبح الحاخاماتُ مركبَها الرئيسيّ، وتراجعت فيها القوى الديمقراطيّةُ لصالح المستوطنين والقوميّين.

يكمنُ السرُّ في المؤسّسة والقانون، فقد تمكّن بن غوريون - مبكّرًا - من بناء مؤسّسةٍ، بل وأبعدَ قرارَها الأمنيَّ عن تلك الأحزاب والقوى المتصارعة، الذي وصف قادتها بالهواة المتشاكسين، ووضعه في مؤسّسات أمنٍ قوميٍّ كان قد أنشأها بعيدًا عن الأحزاب، أما كيف تعمل تلك المؤسّساتُ وكيف تتمّ صياغةُ القرار؛ فتلك تأخذُ شكلًا مختلفًا عمّا يحدث في دول العالم الثالث، حيث يتمّ استثمارُ التخصّصات في الجامعات لوضع تقدير الموقف، لذا وجدت كلّ مراكز الدراسات في الجامعات وليس خارجها؛ كي تتمكّن من التعاقد مع المتخصّصين الذين كانت دراساتهم العليا في مجالاتٍ محدّدة.

أمّا القانونُ) وهو الذي تمكّن من ضبط الطوائف، ونتذكّر أحداث وأد الصليب عام58، عندما ثار الشرقيّون على الدولة التي كان يحكمها الغربيّون، وكانت مركزَ الاحتجاجات في حيفا، ثمّ انتقلت لكل مراكز الشرقيّين، لكن القانون الذي استطاع أن يُخضعَ الجميعَ بمن فيهم رئيس الوزراء للتحقيق)؛ فهو ما مكّن الدولة من تقديم هذا النموذج من الاستقرار حتّى الآن.

والسؤالُ بين الديمقراطيّة أو بالتحديد الإثنوقراطيّة أي ديمقراطيّة الإثنيّة اليهوديّة الواحدة، وبين دينيّةٍ تغرق أكثر في الماضي غيرِ الديمقراطيّ. وإذا كان مسارُ الدولة خلالَ سبعة عقودٍ انقلب بهذا الشكل من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين؛ فكم ستصمدُ تلك الدولة ونظامها السياسيّ وقانونها أمام طوفان اليمين الذي لا يمكن الخروج منه، هو تقدّم في اتجاهٍ واحدٍ نحو اليمين؛ وتجرِبةُ المجتمعات تجزمُ أنّه لا يمكنُ الجمعُ بين الديمقراطيّة والدين، وهنا الحديثُ عن ديمقراطيّةٍ داخل الإثنيّة اليهوديّة، أمّا عن العلاقة مع غيرِ اليهود في الدولة، فقد حسمت مسبقًا حتّى في ظلّ القوى العلمانيّة التي وضعتهم مبكرًا تحت الحكم العسكريّ لعقدين، ثمّ أرادت استغلالَهم انتخابًا بعد أن فصلتهم عن محيطهم العربيّ تمامًا. ولكنّ الدولة التي تمكّنت من الصمود بهذه الكتلة السكانيّة الصغيرة وسطَ بحرٍ هائلٍ من العرب، لا بدّ وأن تتمَّ قراءةُ ممكنات قوتها بعمق مقابلها حالة الضعف العربيّة، بل لماذا يتقرّب هذا المحيطُ العربيُّ الكبيرُ لهذه الكتلة الصغيرة؟ يبقى سؤالٌ يفتحُ على أسئلةٍ كثيرةٍ لعلّ الإجابةَ عليه تفكُّ واحدةً من ألغاز المنطقة، بل وتتحوّل إلى نهضةٍ عربيّةٍ تنزعُ عن العرب حالةَ الضعف لصالح امتلاك ممكنات القوّة، وأولُّها: الديمقراطيّة، ودولة المؤسّسات والقانون...!