يا عاشق فلسطين حتى العَظَمة.. وداعاً
رفيق الحلم والدرب والقلم و الجبهة العالية، العزيز سماح إدريس، نؤدع ابن جبهة الثقافة الوطنية والعربية والغاية النبيلة والقيم الانسانية. والقامة النضالية البيروتية اللبنانية العروبية . الفلسطيني حتى العظمة !المثقف الشامل على كل الجبهات، في الادب والثقافة والسياسة والفكر والبحث والنشر والترجمة والفعاليات السياسية والمقاطعة وحملات تحرير الاسرى والمعتقلين والمناصرة والمتابعة والدفاع عن الحق الوطني و الحقوق الانسانية!
كأنني بجملة ل غسان كنفاني قال عن تعدد ادواته النضالية ( لأن ادوات العدو التي يستخدمها متنوعة ومتشعبة ولذلك مقاومتنا له متنوعة ومتشعبة)
الكاتب المثابر الذي منح الأدب عيناً نقدية جمالية، والسياسة فن التمييز بين الغث والسمين، والصحافة الفرق بين السطحي والعميق، وظل يمثل الثقافة المقاومة والقلم النظيف والنقيض لمهنة الارتزاق ولوثة السلطة و البترودولار والتطبيع والتهريج والمظهري والعابر والاستهلاكي. وظل الانسان المبدئي والحقيقي بلا تزييف او اقنعة والاصيل الذي تسكنه فلسطين كل فلسطين. والساكت عنها شيطان أخرس.
"الرفيق سماح"، كما كان يحب ان تناديه دون رسميات وألقاب ومراتب ، الساخر من البلاد وانظمتها.. والاحزاب ومواقفها .. والتنظيمات ولوائحها الداخلية والمؤسسات وبروتكولاتها. الصريح بما يحب وما يكره، يمارس ما يفكر فيه، بدون ادنى مجاملة، يعشق بتطرف! لا يوجد عنده لون رمادي في الحب والسياسية والصداقة.
الناقد الحاد والمبدع كساعة مُنبّه، الراسخ والثابت الشجاع والواضح والمستمر. الصديق الذي إلتصق بالجبهة كجزء منها وعضو منصبط فيها ولكن من خارجها، أحبها كأنه داخلها وحتى التمّرد، وظلت نبراسه وذاكرته ونهجه ونموذجه الثوري، يختلف معها وليس عليها! يتصرف كمسؤول عنها وليس فيها، والجبهة تنظر لمواقفه بإحترام وان فيها نقداً لأنها تأتي من باب الحرص على مسيرتها وما تمثله في الضمير الجمعي، فهي تؤمن بضرورة التعلم والإصغاء إلى كل المواقف الوطنية وأصوات المثقفين الثوريين .
لا بأس، كان يفترض أن نلتقي لنستكمل مكالمتنا الاخيرة ، فأنت عادةً لا تخل موعداً، كما هذه المرة. لن تغادرنا الابتسامة الصلبة والملامح السهلة والممتنعة، ولا تلك الشحنة المثقفة الممتلئة بالكبرياء.
عُدْ، لن نمل الانتظار طويلاً، قيل"في قاع الصبر توجد الجنة" منذ عرفناك طالباً مشاكساً عانق فلسطين من الجامعة الى المتراس، وعلى منابر الكلمة المقاومة في المؤتمرات وصفحات الجرائد والمجلات والدوريات الفكرية والبحثية ومعارض الكتب. عُد ، حتى لا تسقط النصوص الأدبية أو تنحرف عن مسارها الطبيعي وتتحول الكتابة الى مجرد تقارير اجتماعية أو سياسية لا علاقة لها بفنون اللغة. انت ابن الجملة الانيقة والنص الأدبي بالموقف والمبنى والمعنى و النحو والصرف. ابن قلعة" الاداب" وراثها ومطورها ورئيسها ومحررها، لتقرع من قلب بيروت على جدران العواصم الصامتة ، وكذلك ابن الامكنة الحقيقية، مثل يوميات الصبر و الحنين والوجع بين ازقة مخيم شاتيلا، وشاخصاً نحو الافق تلعن "الغيتو" وسياسات العزل والقمع والتجويع؛ واقفاً مثل سارية سفينة عندما غرق مخيم نهر البارد في محنته! وتطل من خلف أسور عين الحلوة ، لأنك تدرك أنّ في قاع المعاناة والصمود والمقاومة توجد فلسطين!
عُد يا سماح لا يزال لدينا الكثير من الافكار كي نكتبها والاحلام كي نحققها، وقصص الكبار كي نسردها، وحكايا مكدسة للصغار كي نرويها،
وثمة حياة اخرى، نبحث عنها في حكايات " خلف الابواب المغلقة" و "حين قرر أبي" و " فلافل النازحين" التي جلت فيها على مكتبات رياض غسان كنفاني في البداوي والبارد ومارالياس، وعين الحلوة، فقط لتقرأها بنفسك.
عُد ، إلا اذا شئت أن لا تخلف شوقاً لحبيبك ماهر اليماني ، أو قعطت وعداً لوالديك سهيل دريس و جورج حبش ، ولذلك فقد نعذرك. وأعلم اننا سنظل نستمطر على روحك شآبيب الرحمة!
والى أن نلتقي، سلام لك وعليك يا عاشق فلسطين، وانت باقً فيها روحاً و وطناً وفكرة وحلماً وشهوة حرية.

