حين اتخذ قلمي قرار البوح، تلعثمت كلماته المكبوتة، وتململت خجلة. لا لعلة فيها، أو لعطب طال قدرتها التعبيرية، بل كونها تعاني ومن فترة غثيانا نفسيا، مصاحبا بعجز صامت، وله أعراض مزمنة أبرزها: ازدواجية المعايير، التشييء، العيب والحرام، ستر العورة، الاستعباد، التبعية.. وحرصا مني على تحرير كلماتي – التي أصابها الجمود، سأنضو عنها ثوب الصمت، بعقل ناقد، وفكر واع مركز خطابه الإنسان، وقوامه الدعوة إلى حرية الإنسان، ومحدداته بث الوعي الثائر الرافض للأمر الواقع والتبعية للذكر؛ فكوني أحيا في مجتمع يمجد الذكورة لا يعني تسليمي لهذا الخطأ وتعاملي معه وكأنه الأصل. وعليه فإن الخوض في الحديث عن المرأة لا بد وأن ينطلق من كونها أصل لا فرع منبثق عن أصل، وهذا المفهوم لن تمتلكه المرأة سوى إن امتلكت الوعي الكافي الذي يؤهلها لانتزاع هذا الحق الذي يضعها هي والذكر في مرتبة واحدة؛ فلا وجود في الحقيقة لفطرة أنثوية، وأخرى ذكورية، وإنما المجتمع ومفاهيمه وثقافته هم من صنعوا من الذكر أصل، ومن الأنثى تابع. ذاك التقسيم الذي أحل للرجل ممارسة ما يريد دون رقيب، وتحريم أي حق لها باعتباره عيبا يمس سمعة العائلة ويهدم أعمدتها الأخلاقية. فازدواجيتنا الشرقية تحلل للشاب الذكر الخوض في قصة حب واثنتان وعشر، كون ذلك يثبت نجاحه كصائد ماهر للفريسة "الأنثى"، في حين إن فكرت الأنثى –الإنسان- بالحب فتكون قد ارتكبت كبيرة الكبائر، وأساءت لجذور العائلة العريقة، وتجد أول من يقاوم مشاعرها ويحجبها عن العالم أنثى مثلها، وهنا تخترق عقلي علامة تعجب كبيرة! كيف بي أن انتزع لكِ حقك وأنت من تمارسين الظلم على ذاتك، فالحقوق ليست هبة إنما اجتثاث من واقع شعور بالظلم والألم، فإن أنتِ أيتها الأنثى لم تعِ حقك في الحياة سواء بالقول أو الممارسة وتدافعين عن حق الأنثى من كانت تكون، إن لم يتحقق لك القدرة على اختيار شكل حياتك ومسارها – الذي تقررينه لا الذي يرسم لكِ مسبقا-، إن أنت لم ترفضِ تجسيدك كونك سلعة للإثارة والمتاجرة ،فلن تتحرك مسيرتك التحررية شبرا الى الأمام وستظلين مجرد ظِّل لذاك الذكر سواء أكان أبا، أخا، زوجا، بل وسيسلح المجتمع الذكوري كله قواه لطمس ملامحك وتقييد إرادتك. وبناءا عليه تقف الأنثى اليوم على حافة هاويتين سواء من وجهة النظر الرجعية، أو ضمن معطيات العالم الرأسمالي، فالهاويتين اتفقتا على تشييء المرأة، ولكن أولهما شيأها بالتستير، والآخر شيأها بالتعرية، فهي إما سلعة مغطاة لأهداف دينية، أو سلعة مكشوفة لأغراض تجارية. وهذا يكشف خطورة التحديات التي تقف في وجه أنثانا كي تدحض مفهوم تشييئها، وتنتزع بالوعي والإرادة الحرة مسار حياتها، قاتلة -بالتسلح بالوعي الناضج- فكرة كونها أنثى قاصر تابع، فرع، وناقص، ومثبتة كونها إنسان واع حر قادر على الاختيار وإثبات الذات، مع إدراكي التام - وعدم تجاهلي-، إلى أن تحقيق ما تصبو إليه الأنثى من ثبيت لمفهوم الأنسنة للمرأة، وطمس مفهوم التشييء ليس بالأمر السهل، لأنه ارتبط بوعي الناس وممارستهم في مجتمعات مشوهة المظهر والجوهر؛ فالتحرر من الظلم والتغيير سواء فيما يخص المرأة أو ما يتعلق بأصحاب القضايا العادلة لن تُحصد زهوره سوى بوثبة ثقافية، يُهدم خلالها الموروث المقدس، ويتحرر من تقاليده الزائفة، بالتفكير الإبداعي الناقد، والعقل الحر، وهذا كله مشروط بتحقيق العدالة الاجتماعية التي لا يمكن لتحرر المرأة الانفصال عنها، أو تحقيقها دون الوصول إلى مجتمع خال من الظلم والاستغلال .

