Menu

مفاوضات فيينا فى بيئة مختلفة

نيفين مسعد

تتجه الأنظار إلى العاصمة النمساوية التى ستُعقَد بها الجولة السابعة من المفاوضات حول الملف النووى الإيرانى يوم ٢٩ من الشهر الجاري. هذه الجولة تتم فى بيئة مختلفة تمامًا عن بيئة الجولات الست السابقة فهناك تغيّر فى فريق التفاوض الإيرانى حيث يحّل وزير الخارجية الجديد حسين أمير عبد اللهيان ومساعده للشئون السياسية على باقرى كنّى محل الثنائى محمد جواد ظريف وعباس عراقچي، وهذا التغيّر يعكس انتقال السلطة فى إيران من الإصلاحيين إلى المحافظين، ويضع فريق التفاوض الجديد أمام مفارقة، فلقد دأب كنّى على انتقاد الاتفاق النووى الذى أبرمه الرئيس الإيرانى السابق، لكنه الآن مُطَالب بالمحافظة عليه. ثم أن لكنّى خبرة تفاوضية فاشلة حول الملف النووى عندما كان عضوًا فى فريق التفاوض أثناء حكم أحمدى نجاد، لكنه فى الجولة السابعة بڤيينا مطالَب بتحويل الفشل إلى نجاح. أما عبد اللهيان الذى يوصف بأنه لسان الحرس الثورى فى وزارة الخارجية، فليس فى وضع أفضل وله مع ظريف خصومة شخصية عندما أقاله الأخير من منصبه كمساعد له فى الشئون العربية والإفريقية. لكن أهم من التغيّر فى فريق التفاوض الإيراني، التغيّر فى أوراق التفاوض الإيرانية، فإيران تدخل المفاوضات وفى يدها كمية من اليورانيوم المخصّب بنسبة ٦٠٪. تقدّرها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بـ ١٧٫٧ كيلوجرام، أما إيران فتقّر بأنها أنتجت بالفعل ٢٥كيلوجرامًا. هذا التخصيب المرتفع لليورانيوم يقرّب إيران كثيرًا من العتبة النووية، وهذا هو مربط الفرس والسبب الذى يفسّر لنا ظواهر كثيرة من قبيل، ملاحقة دول الاتفاق النووى لإيران على مدار الشهور الماضية من أجل الجلوس إلى طاولة التفاوض وذلك لقطع الطريق على مزيد من تطوير برنامجها النووي، بينما دأبت إيران على المماطلة وترديد أن الملف النووى لم يعد يحتل أولوية فى سياستها الخارجية.هو يفسّر أيضًا هذا التناغم الذى تحقق فى مواقف دول الاتفاق مع الولايات المتحدة بعد أن اتسعت الفجوة بين الطرفين فى عهد ترامب، وعندما حاولت إيران أن تستنسخ تجربة مسار سوتشى الذى سحب البساط من مسار چنيڤ فى الأزمة السورية، واقترحت بالمثل الجلوس مع الثلاثى بريطانيا وفرنسا وألمانيا فى بروكسل استباقًا لمفاوضات ڤيينا النووية أعلنت فرنسا بوضوح أن بروكسل ليست بديلًا لڤيينا.

أما آخر ما يفسرّه لنا رفع نسبة التخصيب الإيرانية فهو التصعيد الإسرائيلى الكبير ضد إيران من خلال سلسلة من الهجمات السيبرانية والأعمال التخريبية التى طالت منشأة ناتانز وموقع كرج لصنع مكوّنات أجهزة الطرد المركزى ومحطات الوقود، وصولاً إلى التهديدات المتوالية بالاستعداد لتوجيه ضربة عسكرية اسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية والتصريح بأنه لو تم إحياء اتفاق ٢٠١٥ بصورته الأصلية فإن هذا لايُلزم إسرائيل.

عندما ننتقل إلى السيناريوهات المحتملة لجولة مفاوضات ڤيينا السابعة يمكننا أن نطرح أكثر من بديل، الأول هو سيناريو الحد الأعلى وذلك بالعودة لاتفاق عام ٢٠١٥ وهذا وارد، وقد رأينا حديثًا من جانب المسئولين الإيرانيين عن الحاجة لضبط المصطلحات الغامضة فى الاتفاق القديم، ومعلوم أن مسألة التدقيق فى المصطلحات لا تكون إلا فى المراحل النهائية بعد أن يكون هناك شبه اتفاق على الخطوط الرئيسة. بطبيعة الحال ستظل إيران تجادل فى نقطتين هما رفع كل العقوبات عنها وهذا غير وارد لأن بعض العقوبات له علاقة بملفات حقوق الإنسان والبرنامج الصاروخى أى بما يتجاوز الاتفاق النووي، والنقطة الأخرى هى طلب ضمانات بعدم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق مرة أخرى وهذا وإن كان مطلبًا مشروعًا لكنه غير ممكن لأن الاتفاق لم يُعرض على الكونجرس كمعاهدة ملزمة ولو اتخذ أوباما هذا السبيل لأجهض الاتفاق، وبالتالى على إيران أن توازن بين احتمالات خروج الولايات المتحدة من الاتفاق لو وصل الجمهوريون للحكم وبين حاجتها لرفع العقوبات الأمريكية عن برنامجها النووى فى ظل تدهور وضعها الاقتصادى.

يوجد أيضًا سيناريو الحد الأدنى وذلك بإبرام اتفاق جزئى ومؤقت كذلك الاتفاق الذى تم التوصل إليه فى عام ٢٠١٣ وبمقتضاه قامت إيران بتجميد برنامجها النووى مقابل تخفيف بعض العقوبات الواردة عليها. هذا الاتفاق المؤقت يمكن أن نعتبر أنه كان بمثابة وقف إطلاق نار بين إيران ومجوعة ٥+١ بهدف تهيئة الظروف لإبرام اتفاق نهائى وهو ما تحقق بالفعل فى يوليو ٢٠١٥. وبالتالى فلو تصورنا عجز المتفاوضين فى ڤيينا عن حسم كل القضايا الخلافية فربما يكررون تجربة عام ٢٠١٣، وهذا الخيار بدأ التلويح به من فترة، هذا مع العلم أن التفاصيل تختلف، لأننا انتقلنا بعد ٢٠١٣ من اتفاق جزئى لاتفاق كلي، أما فى ٢٠٢١ فسيكون الانتقال من اتفاق كلى لاتفاق جزئى وبالتالى العودة خطوة للوراء، لكن ذلك أفضل من لاشىء. يبقى هنالك سيناريوهان آخران، سيناريو التأجيل لجولة ثامنة ونسبته محدودة رغبة فى وقف البرنامج الإيرانى فورًا كما سبق القول، فضلًا عن أن صبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأ ينفد وعكَست تقاريرها الأخيرة حجم الانتقادات للسلوك النووى الإيراني، ونتذكّر أنه فى سبتمبر الماضى تم إبعاد الملف النووى عن العودة مجددًا لمجلس الأمن بأعجوبة قبل يوم واحد من اجتماع مجلس محافظى الوكالة، ومعنى ذلك أن المماطلة الإيرانية فرصها ضعيفة. والسيناريو الأخير مستبعد أكثر لأن معناه الذهاب للخيار العسكري، صحيح أن مسئولين أمريكيين لوّحوا به لكنه مكلّف جدًا، ثم ان إسرائيل قادرة على إيلام إيران بأشكال مختلفة كما نرى، واللجوء للبديل العسكرى بقدر ما ينهك النظام الإيرانى فإنه يساعده على التعبئة ضد قوى الاستكبار، وأخيرًا هناك أجواء تهدئة عامة فى المنطقة بين إيران وجوارها المباشر وغير المباشر. لا شىء مؤكدًا فى العلاقات الدولية، لكن هناك شواهد تعزز السيناريوهين الأول والثانى فى انتظار خروج الدخان الأبيض من العاصمة النمساوية.