في عام 2010 داخل سجن عسقلان وبالخصوص في زنزانة تحمل رقم 26 جاء الأسير فؤاد الشوبكي بزيارة لرفاق الجبهة الشعبية، جلس بجانبي ولم أكن أعلم من هذا الرجل، مبتسم وجسده بالرغم من تقدم السن كان يحمل الإرادة والراحة والهدوء، وبدأ حديثه بعد أن تناول كأس من الشاي وقال: " أنه يرتاح بالحديث مع الجبهة الشعبية ويشعر بالحب اتجاههم"، وختم حديثه يقول:" ليس مهم كم سأمكث بالسجن إذا كان أحمد سعدات معي"، أتذكر هذه الجملة الآن وأنا أكتب هذه السطور كان وجه حزين جداً ويعبر عن فقدان حقيقي لصديقه أبو غسان، وربما تذكر تلك الليالي في سجن أريحا عندما كان الاثنان يتبادلان الحديث عن غلاء سعر السجائر وذلك بسبب أن النظام الرأسمالي جشع ويبحث عن الربح حتى لو قام بحلب النملة.
إن السطور التالية ليست إلا محاولة للإضاءة على سيرة حياة هذا الرجل بعدما قرأت خبر يقول: "أن الأسير المسن فؤاد الشوبكي (82 عاماً) نُقل بشكل مفاجئ إلى مستشفى “سوروكا”، وأن طاقما قانونيا يتابع حالته ووضعه"، وهذا الخبر جعلني استحضر القصة الماضية أمامي.
على عتبات حقبة الأربعين من القرن المنصرف كانت دول المحور من جهة، ودول الحلفاء من جهة أخرى، تخوضان تحت وابل الرصاص حرباً لتقسيم العالم والسيطرة على بوابته، كانت الحرب الأوسع في التاريخ، تلك الحرب التي حتماً أصبحت فلسطين جزءاً منها، ولكن لم تكن أم فؤاد تبالي بكل ذلك لأن أهل زوجها سوف يفرحون لأنها تحمل في بطنها ذكر سيكون يوماً جزءاً من المحور الفلسطيني الذي يقف ضد محور الرأسمال الذي كان أحد نتائج حرب الحلفاء والمحور.
في 2 مارس من عام 1940 وُلد فؤاد الشوبكي في مدينة غزة، تحت وابل حلوى "السلفانا"، أطلقت النسوة الزغاريد انتصاراً لأم فؤاد التي نجحت في إنجاب ذكر، لعلها بذلك تستطيع أن تكسب حماتها إلى صفها، كانت أم فؤاد تٌقبل جبين طفلها وتشتم رائحته مدركه أن هذا الطفل يوماً ما سيكون شيخ المرسى في وطن يشبه السفينة التي لم تجد الشاطئ بعد.
بين أزقة حي التفاح مارس فؤاد ألعابه مع أطفال الحي، وتناول المجدرة مع الفجل والبصل الأخضر، أصبح شاباً يستمع لأم كلثوم، ويقرأ القصص نابليون بونابرت الذي هزمته أسوار عكا، ويحلم ليلاً بفتاة يتمشى معها على كورنيش النيل ويتحدثان عن اسم مولودهم الأول.
عاش هذا الطفل حلم الحرية ليس كضرورة، بل تلك الحرية التي قال فيها غسان كنفاني : " الحرية التي نفسها المقابل"، تعرف فؤاد على ياسر عرفات وعاش معه في الأردن وسوريا ولبنان وتونس عندما كانت الثورة الفلسطينية تعيش ذروة بلوغها تحت سوط الأب، وأصبح فؤاد بعد ذلك جزءاً من حركة فتح.
عُين في 12 أكتوبر 1997 رئيسًا لمجلس إدارة المؤسسة الاقتصادية الاستهلاكية العامة، وكان قبل ذلك رئيسًا للاتحاد الفلسطيني للفروسية، ورئيسًا لبلدية الزهراء، ورئيسًا فخريًا لنادي الزيتون الرياضي والتفاح الرياضي، وسمح له الاحتلال بالعودة إلى فلسطين في عام 1995 نتيجة اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال.
منذ العودة إلى فلسطين بدأ العمل بجانب أبو عمار وعاش معه تلك المرحلة حتى انفجار الانتفاضة الثانية، في هذه الفترة كان فؤاد يعمل "مدير المالية العسكرية في السلطة الفلسطينية"، وبحسب الروايات كلف ياسر عرفات فؤاد الشوبكي بالحصول على سفينة سلاح من الجمهورية الإسلامية إيران لدعم الانتفاضة الثانية.
في3 يناير 2002، نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية أسماها عملية سفينة نوح بهدف إيقاف والسيطرة على سفينة MV Karine A في البحر الأحمر، وقامت بمصادرة جميع السلاح الموجود على متن السفينة، واعتبر الاحتلال أن فؤاد الشوبكي هو العقل المدبر في تمويل وتهريب السلاح إلى فلسطين.
نفذت إسرائيل في مارس 2002 عملية السور الواقي، وفرضت في وقت لاحق حصارًا على مقر الرئاسة الفلسطينية في مدينة البيرة طالبت خلاله بتسليم فؤاد الشوبكي والفلسطينيين الذين اغتالوا وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي. وخضع الشوبكي للتحقيق بواسطة السلطة الفلسطينية وأُودع في سجن أريحا المركزي في مايو 2002 مع المجموعة التابعة للجبهة الشعبية التي قامت باغتيال رحبعام زئيفي، وكان ضمن المجموعة الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات، ووضعوا جميعاً تحت حراسة أمنية بريطانية أمريكية فلسطينية مشتركة.
في 14 مارس 2006، نفذت إسرائيل عملية عسكرية في مدينة أريحا، حاصرت خلالها السجن المركزي فيها واعتقلت فؤاد الشوبكي ومجموعة الجبهة الشعبية وعلى رأسها أحمد سعدات بعد أربعة سنوات داخل هذا السجن، وخضع الشوبكي لمرحلة تحقيق قاسية، وبعد عدة أسابيع وأمام المحكمة العسكرية طالب المدعي العام بالحكم على الشوبكي بالسجن لمدة 25 عام بينما قررت المحكمة الحُكم عليه لمدة 20 عاماً، ولاحقاً وفي عام 2015 قررت المحكمة العسكرية في سجن عوفر خصم 3 سنوات من الحكم الصادر لتصبح 17 عاماً بدلاً من 20 عاماً.
يعاني الشوبكي من سرطان البروستاتا والعديد من الأمراض بالإضافة إلى كبر عمره، ويرفض الاحتلال الإفراج عنه، لأن هذا الاحتلال لا يمتلك الحد الأدنى من الإنسانية. إن تاريخ هذا الرجل هو تاريخ القضية الفلسطينية التي عاش أغلب مفاصلها، وإن المحاولة للكتابة عنه ليست إلا مجرد أن نعترف بتاريخ رجل عاش بين سطور المواجهة مع الاحتلال.
يقول غرامشي في رسالته المؤرخة بتاريخ 12 ديسمبر 1927 إلى أمه من السجن: "أن السجن أيضاً يعتبر وسيلة للمواجهة، إن لم يكن وسيلة للترفيه أو على الأقل ضرورة، بحكم أنه لا يخيفني كفرضية ولا يحبطني كواقع"، وهكذا يفهم فؤاد الشوبكي حقيقة السجن كجزء من المواجهة المستمرة مع الاحتلال، وهو ساحة تحتاج إلى الوقت والصبر من أجل تحقيق الانتصار بداخلها، وأيضاً لم يفهم شيخ الأسرى السجن مع اليأس، بل على العكس تماماً كان يدرك ما قاله مريد البرغوثي في قصديته سنصعد هذا الجبل: "الأمل ذروة اليأس يا صاحبي.. الأمل"، وكان يدرك أيضاً ما قاله محمود درويش عن غزة "وستستمر في الانفجار لا هو موت ولا هو انتحار، ولکنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة"، لأن هذه الجدارة هي من ستفتح أبواب السجن لا غيرها.

