مرَّ على تاريخِ الصّراعِ العربيّ – الإسرائيليّ خمسُ حروبٍ كبرى في أعوام: 1948 (نكبة فلسطين)، و1956 (العدوان الثّلاثي على مصر)، و1967 (النّكسة - حرب الأيّام الستّة)، وحرب أوكتوبر 1973، والاجتياح الإسرائيليّ للبنان عام 1982. كلُّ هذهِ الحروبِ الدّمويّةِ مرّت! واعتقد العالمُ بأسره بأنّ "إسرائيل" أدخلت العالمَ العربيَّ في عصر إمبراطوريّتها المزعومة! ناهيك عمّا شهدته الدّولُ العربيّةُ الخمسُ الملاصقةُ ل فلسطين - عشر أزماتٍ مسلّحةٍ عنيفةٍ كحرب الاستنزاف على الجبهة المصريّة (1969-1970)، والانتفاضة الفلسطينيّة الأولى عام 1987، إضافةً إلى دخول "إسرائيل" جنوبَ لبنان عام 1978، ثمّ الصّراع المرتبط بنهر الأردن، فضلًا عن عشرات العمليّات العسكريّة المحدّدة ذات التّأثيرِ الاستراتيجي، كقصفِ "إسرائيلَ" المفاعلَ العراقي "أوزيراك" عامَ 1981، وقصفِ العراق الصّاروخي لكيان العدو عام 1991، ومئات العمليّات التي نفّذها الفدائيّون الفلسطينيّون وتنظيمات المقاومة الفلسطينيّة واللبنانيّة ضدّ الكيان الصّهيوني. كلّ هذا في كفّةٍ وما حصل منذُ عام 2000، في كفّةٍ أخرى!
الحربانِ اللّتانِ رسمتَا مسارًا مختلفًا في تاريخ الصّراع، وجعلت العالمَ يلتفتُ إلى التّغيّرات في موازين القوى ومعادلةِ الرّدع الجديدة؛ نتيجةَ المعارك التي خطّتها المقاومةُ اللبنانيّةُ بالحبر الأحمر، والعمليّات النّوعيّة ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ وأجبرته على الانسحاب دونَ قيدٍ أو شرط، ومن بعدها جاءت حربُ تموز 2006، التي قدّمت مفاجآتٍ عسكريّةً لم يتوقّعْها العدوُّ من ذي قبل. ومن ثَمَّ، أضحى هذا العدوُّ المكّارُ يفكّرُ باستراتيجيّاتٍ دفاعيّةٍ جديدةٍ لمواجهةِ قوّةٍ ناشئةٍ غيرِ متوقّعةٍ في المشرق العربي.. فدخلت الحربَ النّاعمةَ وتوابعَها شاخصةً نحو الهدف: التّطبيع مع "إسرائيل" وإنهاء القضيّة الفلسطينيّة، وكي الوعي، وتحطيم منظومة القيم العربيّة، قوامها رفض الذّل ومقاومة المعتدي.
بناءً على ذلك، تمثّلت أدواتُ هذه المعركة بنشاطٍ فاعلٍ من قبل المنظّمات غيرِ الحكوميّة الـ "NGOs" في خطف دورِ المؤسّسات العامة، وضخّ الدّولار الموجّه في السّوق بالتّزامن مع الضّخ الإعلامي المركّز، أو الضّرب بالمطرقة، ما يُعرف باللّغة الفرنسية بالماتراكاج (matraquage). ومن ثمَّ أدّت "إسرائيلُ" الطّامعةُ دورَها في تأجيج الانقسام اللبناني حول التّطبيع، وحرف البوصلة حول وجهة الصّراع الحقيقيّة، إذ تنكبُّ غرفُ العمليّاتِ الإعلاميّة على صناعة محتوياتٍ موجّهةٍ أحاديّةِ المنظور، تجعل الخصم يتقبّل وجود "إسرائيل" كيانًا حتميًّا في المنطقة، وتجميل صورتها والتنكّر للتاريخ، وعلى استبدال مصطلحاتٍ بأخرى على غرار: "الاحتلال الإيرانيّ" عوضًا عن الاحتلال الإسرائيليّ؛ هذه الفقاعاتُ الإعلاميّةُ الفاقدةُ للمنطق من جهةِ عدم القدرة على التمييز بين النّفوذ السياسيّ والاحتلال الفعلي، إضافةً إلى التّعميم وعدمِ القدرة على التّمييز بين مبدأ المصلحة الوطنيّة وسيادة الأرض، والانبطاح أمامَ أيّ دولةٍ؛ سواءً صديقة أم خصمة (وليت مصطلح الدّولة الشّقيقة تخرج من إطار التّداول؛ لأنّها تفتقد إلى منطق سيادة الدّول، بل تعود إلى المنطق القبلي العشائري الذي تستخدم فيه الدولةُ مبدأَ التمنّنِ على نظيرتها). هل النّفوذُ الإيرانيّ في لبنان الذي جاء نتيجةَ غيابِ الدّور العربيّ الموحّد في دعم القضيّة الفلسطينيّة مضرٌّ؟ وهل انتفى بذلك النفوذ الأميركي؟ ومن ثَمَّ، لماذا لا يوحّد الإعلامُ المعاييرَ ويسمّي النفوذَ الأميركيّ احتلالًا أيضًا؟ كذلك، لماذا لا يطلق على السّيطرة الإسرائيليّة التّامة على دول الخليج تسميةَ احتلال؟
علاوةً على ذلك، ومن ضمن المصطلحات المروَّجة "الحياد" و"الانفتاح"، ما معناه التّطبيع المبطّن؛ أمّا ذاك الشّعار الذي بات يتغنّى به روّادُ التّواصل الاجتماعيّ "جيش - شعب - مقاومة" يكمنُ في استهداف المقاومة التي تصدّت للعدوان الإسرائيليّ، والخطر التّكفيري على لبنان بتصويرها على أنّها تخلّت عن دورها في تحرير الأرض، وأضحت القوّةَ المهيمنةَ على لبنان، وتستخدمُ سلاحَها لترهيب المكوّنات اللبنانيّةَ، وأدخلتنا في العصر الفارسي! وهذهِ محاولةٌ خطيرةٌ في تزوير الهُويّة العربيّة للمقاومة، وفرض ثقافةٍ جديدةٍ تعدّ الحيادَ حلًّا، والمقاومةَ نقمةً؛ لأنّه في طبيعة الحال بين السياسة والجغرافيا علاقة تأثّر وتأثير، ولبنان لا يمكن أن ينفصل عن الأحداث الحاصلة في محيطه.
ومن الملاحظ أن التّواتر الإعلاميّ العربيّ الإسرائيليّ على تسويق أجندة التّطبيع، يقودُ حربًا فتّاكةً تغني عن الحرب العسكريّة. أحد الأمثلة: نشر صفحة "إسرائيل بالعربيّة" على موقع "فايسبوك": "لبنان دولة الجوار الثالثة التي يتوقُ الإسرائيليّون إلى زيارتها، بعد الإمارات والمغرب"، مشيرةً إلى أنّ "في السّلام وئامًا". ويبدو أنّ هذهِ المواقعَ تتّبعُ تَكرارَ العبارات غيرِ المقبولة؛ لتصبحَ مقبولةً على قاعدة: "اكذبْ، اكذبْ، اكذبْ، حتّى يصدقك الآخرون".
لا بدّ من الإشارةِ هنا إلى أنّه خلال جلسات التّصويت على حلّ الدولتين في الأمم المتّحدة، كانت "إسرائيلُ" الممانِعةَ على إقامةِ دولةٍ فلسطينيّةٍ؛ لأنّ هدفَها إقامةُ الدّولة القوميّة اليهوديّة العنصريّة غيرِ القادرةِ على تقبّل الآخر، وقد بدا جليًّا في المواجهات التي تدور في محيط المسجد الأقصى، والسعي الإسرائيليّ إلى تهويد الأرض، وطرد المسلمين والمسيحيّين منها. هل نستخلصُ من هذا السّلوك العنصريّ أنّ كيانَ العدوّ سيتعامل مع لبنان بمودّةٍ؟ أم أنّه سيعدّه مستعمرةً من مستعمراتِ "إسرائيلَ الكبرى" المزعومةِ حدودُها إلى حيثُ يصلُ جيشُها.
وفي هذا السّياق، فلنسلّمْ جدلًا اليومَ أنّه تمَّ تجريدُ المقاومةِ من سلاحها، هل فكّرنا ما هي نقطةُ قوّةِ لبنان؟ ماذا سيكونُ مصيرُه؟ هل ستتركُ "إسرائيلُ" -ومن خلفها- لبنانَ يعيشُ سالمًا، ويعودُ إلى مسارِهِ الطبيعيّ دون فرضِ شروطٍ قاسيةٍ عليه؟ هل السّلامُ هو الحلّ؟ وهل الدّولُ التي وقّعت معاهداتِ السّلام، مثل: مصر والأردن تنعمان بالسّلام؟ أم أنّ الأزمات الاقتصاديّة والتّوتّرات السّياسيّة لا تزال قائمة؟ هل المفاوضاتُ على تحديد الحدود البحريّة بين لبنان وفلسطين المحتلّة - من دون وجود السّلاح على الطّاولة - نقطةُ قوّةٍ أم ضعف؟ وإن طرحت الدّولُ - عربيّةً كانت أم أجنبيّة - إنقاذَ لبنان، هل يحصلُ ذلك دون شروط؟
ختامًا، المشهدُ يجبُ أن يظهرَ واضحًا. تطويق القضيّة الفلسطينيّة من خلال ضرب المعقل الأخير المعزّز لصمودها؛ وهو المقاومةُ في لبنان، والدّعم الكبير الذي تزخر به للمقاومة في غزّة. فالتّجويعُ سياسةٌ ممنهجةٌ لتدمير لبنان، حين فُرض نظامٌ سياسيٌّ رعى الفسادَ الطّائفيَّ المقوننَ تحت مظلّةٍ أجنبيّةٍ لوقف الاقتتال الداخليّ وتبيّن لاحقًا أنّ شروطَهُ لم تخدم لبنان بقدر ما دمّرت كلَّ مؤسّساتِه. وقد شكّل هذا النّظامُ حالةً استثنائيّةً بين الدّول، إذ كيف يمكنُ أن تقومَ دولةٌ دون اقتصاد؟! ما الهدفُ الكامنُ وراءَ قطعِ الطّريق أمامَ أيّ قطاعٍ إنتاجيٍّ لرفع الاقتصاد اللبنانيّ رغمَ القدرةِ على ذلك؟ وتحذير اللّبنانيّ والأجنبيّ من الاستثمار، وفي المقابل سحبت المصارفُ أموالَهم بفوائدَ مغريةٍ!
لبنانُ اليومَ ضحيّةُ سياسةٍ اقتصاديّةٍ، سياسيّةٍ، متشعّبةٍ متداخلةٍ خارجيًّا وداخليًّا، ويدفعُ ثمنَ الثبات على دعمه للقضيّة الفلسطينيّة من جهة، وخيارات الدول العربيّة في الإذعان للتطبيع مع الاحتلال من جهةٍ أخرى. الرّهانُ اليومَ على معركةِ الوعي، وقدرة الصّمود بوجهِ الإغراءاتِ الماليّةِ، الثقافيّة، الممهّدةِ لتوسّعِ الاستعمار الصّهيونيّ!

