معادلة الجسد والنطفة والسكين تساوي المواجهة، وبتعبير أدق المقاومة بأعلى درجات الفداء الإنساني. السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا وصل الإنسان الفلسطيني لهذا الشكل من أشكال المواجهة المباشرة التي تظهر درجة عالية من التحدي الشخصي للاحتلال الإحلالي؟
يصل الإنسان لهذه المرحلة، عندما يفقد الأمل والثقة في الأدوات والوسائل السائدة، ويشعر بفقدان الحماية، نتيجة لتخاذل السلطة التي يفترض أن تكون الحامية الجمعية للإنسان الفلسطيني. عدم الثقة تتعمق عندما ترى الأُم الفلسطينية أبنائها وهم يُذَلون ويُقادون إلى السجون والمعتقلات، تحت أعين رجال أمن السلطة الذين يُفتَرَض أن يكونوا المدافعين عن أبناء شعبهم ويَتَصدوا لقوات الاحتلال. إن تكرار عمليات الاضطهاد والاستغلال وسرقة الأرض ومياهها وهوائها والتفنن في جعل حياة الإنسان الفلسطيني المعيشية والنفسية لا تطاق، تجعل عنوان المقاومة والتحدي، عنوانًا شخصيًا فرديًا. لكل سكين مقاومة قصة، تحمل في طياتها الكثير من المعاني، خاصة عندما نطرح على أنفسنا السؤال التالي: لماذا تقوم الفتاة أو الشاب في مقتبل عمرهما في مواجهة مباشرة مع جنود مدججين في السلاح بالسكين، حيث أن تحقيق المقاومة يتطلب التحام مباشر وصراع بالجسد، لتحييد استخدام السلاح، من قبل الجندي أو المستوطن، ويعلم كل منهما أن هنالك جنود آخرين سيقومون بِتَصفِيَتها ميدانياً؟
يقوم الشاب أو الشابة بهذه المواجهة الملحمية، بالرغم من أنه يعلم من رفاقه الذين سبقوه أن مصيره التصفية الميدانية، هذا يؤكد عمق الاحباط الذي وصل إليه الإنسان الفلسطيني، وهذا الشعور الذي يفجر التحدي الشخصي، الذي يطلق السكين للالتحام بالجندي المحتل. السكين في هذه الحالة هي ذات السلاح الأبيض، الذي يستخدمه الجندي عندما تفرغ مخازن بندقيته، ويصبح الاشتباك بالسلاح الأبيض لا مفر منه.
في الحالة الفلسطينية السلاح الأبيض هو خيار أول وأخير للفتاة والشاب اللذين تصل عندهم درجة التحدي إلى الفداء الشخصي، في تلاحم يعلم مسبقًا أنه غير متكافئ ويميل لمصلحة جنود الاحتلال، لكنه يريد أن يسجل درسًا في استمرار المقاومة والتحدي، الخيار الذي لا بد منه لإنهاء وقبر الاحتلال الاحتلالي البغيض.
أما الأسير، فقد اختار جسده كأداة للتحدي والمقاومة، وهي معركة لا تقل شجاعة عن خيار الالتحام الجسدي المباشر، ولكن ما يميز هذا الشكل من المقاومة والتحدي، أنها تترافق مع معاناة جسدية مؤلمة يتحملها الفدائي الأسير، وهو يعلم أنه دخل في معركة الإرادة، هذا السلاح الذي لا يستطيع أن يجرده مِنهُ السجان، حيث تتحول فيها المواجهة بين إرادة الأسير وبين السجان وقانونه، وهذا التحدي المقاوم يعبر عن حالة يأس من أدوات ووسائل السلطة التي أدارت ظهرها لقضية الأسرى وأسقطتها من أولوياتها وتذكرها، عندما يشتد الضغط الشعبي وتزداد إرادة التحدي في نيل الحرية، عبر ابتكار أشكال المواجهة الفردية الجسدية والجمعية، من خلال الإضرابات عن الطعام ومحاولات الهروب خارج جدران سجن المحتل. أما النطفة، فإنها أحد أشكال المقاومة والتحدي الذي ينظر لها العدو المحتل، على أنها تندرج تحت عنوان المعركة الديمغرافية، وأشدها خطرًا على وجوده، كونها نطف مقاومة خالصة جينيا، لا مجال فيها للشك، أن صاحبها أو صاحبتها، تملك الخاصية الجينية للمقاومة والتحدي.
النطفة المقاومة هي حالة إنسانية خالصة من التحدي، وتعبر عن الشكل الإنساني للمقاومة، بين إرادة استمرار الحياة وبين إرادة الاستسلام والموت، التي يريد أن يفرضها السجان المحتل الإحلالي على الأسرى المعتقلين. النطفة المقاومة هي سلاح بيولوجي إنساني، ابتكره الأسير الفلسطيني، ليؤكد أن معركة الشعب الفلسطيني هي معركة مستمرة، سَتَحمِلها الأجيال القادمة وستلعب النطف المقاومة دور الشاهد الحي على همجية ووحشية وعنصرية الاحتلال الصهيوني الإحلالي لفلسطين.
في معادلة النطفة والجسد والسكين، تتجسد ثلاث أشكال من المقاومة، مقاومة السكين: تشكل شكلًا واعيًا للفداء المقاوم المتلاحم. المقاومة بالجسد: تعبير واقعي واعٍ عن صراع الإرادات. المقاومة بالنطفة: مقاومة لها أبعاد حياتية إنسانية، وسلاحًا ديمغرافيًا، يشكل تهديدًا وجوديًا للكيان الصهيوني وهويته العنصرية الفاشية.
النطفة المقاومة، سلاح الحياة مقابل سلاح الموت، فالفلسطيني المقاوم، يبتكر أساليب وأشكال وأدوات المجابهة والتحدي لاستمرار المقاومة بكل أشكالها، التي ناظمها إنسانيتها ومعيارها نيل حريته وتحقيق العدالة للمخيم الفلسطيني.

