مناسبتان عظيمتان، أكتب عنهما اليوم، الذكرى ال ٥٤ لانطلاقة الجبهة، والذكرى ال ٣٤ لاندلاع انتفاضة الحجارة المجيدة، وهما مناسبتان مترابطتان لا يمكن الفصل بينهما، وكلاهما انطلق من أجل تحرير فلسطين، كل فلسطين، وكلاهما انطلق في ظروف غاية في الصعوبة. الأولى بعد هزيمة حزيران عام ١٩٦٧، وجاءت ردًا عليها. والثانية بعد اجتياح عام ١٩٨٢، والذي أخرج منظمة التحرير وفصائلها من لبنان، وحالة اليأس التي سادت بعد ذلك، وجاءت كرد على ذلك. وكلاهما جاء ليؤكد خيار الشعب الفلسطيني التمسك بخيار المقاومة، والتصدي لحالة اليأس والإحباط، وأن الشعب الفلسطيني لن يستسلم، وسوف يبقى يقاوم حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.
لقد حققت الانتفاضة انجازات كبرى، حيث أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية، وعزلت الكيان وألحقت به الخسائر الاقتصادية والبشرية وهددت وجوده. أما الجبهة، فقد حققت الكثير من خلال تجربتها ونضالاتها ودفاعها الدائم عن الوحدة الوطنية ومنظمة التحرير، وتمسكها بتحرير كل فلسطين، واستطاعت أن تثبت مجموعة من المفاهيم والمبادئ، ليس فقط لدى قطاعات واسعة من أبناء شعبنا، بل وعلى المستوى القومي العربي والساحة الأممية.
الجبهة كانت وما زالت مستهدفة، وتم التآمر عليها، بالاغتيال والاعتقال والملاحقة المستمرة لأعضائها ومناصريها ليس فقط من قبل العدو، بل وتم الضغط عليها ومحاصرتها من قبل سلطة الحكم الذاتي، ومعاقبتها من خلال وقف مستحقاتها المالية، وباستخدام كل الوسائل المتاحة لديهم، وهذا يحدث منذ الانطلاقة حتى الآن، وصمدت الجبهة ولا زالت شامخة.
أما الانتفاضة، فقد تم التآمر عليها سياسيًا، وتم وقفها، من خلال اجهاضها عبر اتفاقيات أوسلو، ولكنها تجددت بانبعاث انتفاضة الأقصى، التي توقفت أيضًا بفعل التآمر، ولكننا نعيش في هذه الأيام، مخاض انطلاق انتفاضة جديدة بدأت تتشكل وتنمو في كل يوم.
ونحن نحتفي بهاتين المناسبتين، نتوجه بالتحية لشعبنا الفلسطيني العظيم في كل مكان ولمقاوميه الابطال، فتحية لأرواح الشهداء، وتحية للجرحى، تحية للأسرى والمعتقلين وأسرهم.
بعد هذه المقدمة سأتحدث عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وما مثلته في تاريخ المقاومة من صفحات مشرقة إلى جانب التوقف أمام تقييم لتجربتها العظيمة، والتوقف أمام بعض الأخطاء التي وقعت فيها ونقدها من موقع المحب. فلقد تميزت الجبهة، بوضوح رؤيتها وبفكرها الثوري، انطلاقًا من القاعدة التي تقول، لا حركة ثورية دون نظرية ثورية، كما تميزت بمواقفها السياسية الواضحة والصلبة، المواقف التي لا تهادن ولا تساوم، كما تميزت باعتمادها خيار الكفاح المسلح والمقاومة طريقًا رئيسًا للتحرير... ورفضت التنازلات وتمسكت بالثوابت الوطنية، وتحرير فلسطين كل فلسطين، آمنت بحتمية الانتصار وإن الاحتلال الصهيوني إلى زوال.
الجبهة الشعبية تنظيم متجذر في صفوف الشعب الفلسطيني، ومن الصعب أن تجد بيتًا فلسطينيًا، لم تدخله الجبهة ولم تتواجد فيه، فهي منتشرة كما الزعتر والميرامية في تلال فلسطين، وجذورها عميقة تمتد في الأرض، مثل جذور التين والزيتون، لن يتمكن أي كان من اقتلاعها، مهما حاول..
الجبهة الشعبية جاءت تعبيرًا عن حاجة موضوعية، وردًا على هزيمة الخامس من حزيران، ولم تأتِ تعبيرًا عن ترف فكري أو ردة فعل ميكانيكي، أو إضافة كمية، لما هو موجود، بل شكلت إضافة نوعية ومميزة وعلى كل الصعد، وحققت نجاحات كبيرة، رغم بعض الإخفاقات هنا أو هناك.
الجبهة الشعبية كانت ولا زالت أحد أعمدة النضال الوطني الفلسطيني وبنيانه، تنظيم أصاب وأخطأ.. تقدم وتراجع.. نجح وأخفق عبر مسيرته الطويلة، لكنه بقي محافظًا على مبادئه، متمسكًا بخياراته، ملتزمًا بمقاومته، حريصًا على الوحدة الوطنية، على أساس البرنامج الوطني والوضوح السياسي ونهج المقاومة.
الجبهة الشعبية بقيت متمسكة بالأهداف التي رسمتها وناضلت من أجلها وفي مقدمتها تحرير فلسطين كل فلسطين، وبقيت محافظة على العهد ملتزمة بالوعد، بقيت متمسكة بخيار الكفاح المسلح والمقاومة، في الوقت الذي أدار الكثيرون ظهورهم له وباتوا يعملون ضده، واستمرت في رفع الراية التي أسقطها العديد من أيديهم، ورفعوا بديلًا عنها رايات الاستسلام.
الجبهة الشعبة وقفت مع الوحدة الوطنية الحقيقية وبقيت خيارها، رغم ذهاب الكثيرون إلى خيار الانقسام، ودافعت عن منظمة التحرير الفلسطينية والأسس التي قامت عليها، في الوقت الذي ساهم فيه الكثيرون وفي مقدمتهم القيادة المتنفذة، في حرف المنظمة عن الأهداف التي وجدت من أجلها، وحولوها إلى أداة في يد سلطة العمالة والخيانة الناتجة عن اوسلو. فالجبهة الشعبية لا زالت تشكل أحد أعمدة البيت الفلسطيني الأساسية، إذا ما انهار انهارت معه البناية كاملة.
الجبهة الشعبية بقيت حريصة على البعد القومي للقضية الفلسطينية، انطلاقًا من إيمانها أنها قضية العرب جميعًا وبقيت متمسكة بهذا الشعار، في الوقت الذي رفع البعض فيه شعار (يا وحدنا).
الجبهة الشعبية حافظت على التواصل مع أهلنا في ال٤٨، ولم تتخلَ في يوم عنهم رغم بعض التقصير، وظلت تعتبر دورهم مركزيًا في تحرير فلسطين والقضاء على دولة الاحتلال، في الوقت الذي بات ينظر فيه الكثيرين الى شعبنا في ال٤٨ كجزء من إسرائيل، وأخرجوهم من دائرة الصراع.
الجبهة الشعبية حاربت ضد الفساد في السلطة والمنظمة، وقالت ثورة يقودها الفاسدون والمستسملين لن تنتصر، وأن الثورة والثروة لا يجتمعان.. وآمنت بالديمقراطية، واعتبرتها نهجا في حياتها... احترمت الرأي والرأي الآخر، وبقيت بعيدًا عن ثقافة التعصب.. آمنت ورسخت القيادة الجماعية في العمل وحاربت الفردية، وكم من مرة كان أمينها العام أو نائبه في موقع الأقلية.
الجبهة الشعبية تميزت بالتواضع وعيش قيادتها وسط الجماهير، لم تسكن القصور والفلل، ولم تركب أفخم السيارات، ولكنها قدمت الشهداء والجرحى والمعتقلين ومسيرتها حافلة بالأمثلة على ذلك، من جورج حبش وأبو علي مصطفي وغسان كنفاني ووديع حداد وجيفارا غزة والقادة العظام الذين لا يتسع المجال هنا لذكرهم جميعا.. ومثلت مدرسة في الأخلاق والمصداقية في تعاملها مع الجماهير.
الجبهة الشعبية حاربت اتفاقيات التطبيع واعتبرتها خيانة، وقاومتها، وشكلت حائط سد منيع لها، وبقيت دوما من يقوم بدور قرع الجرس، كلما تعرضت الثورة للخطر، وكانت دومًا باعثًا للأمل عندما يسود اليأس، وبقيت حصان الرهان، الذي يراهن عليه شعبنا، للخروج من المأزق.
الجبهة الشعبية لعبت دورًا أساسيًا في انطلاق انتفاضه الحجارة وانتفاضة الأقصى وهبة القدس والشيخ جراح ومعركة سيف القدس، مرورًا بكافة المعارك التي خاضها شعبنا في غزة والضفة وبيروت وعمان، وواجهت الواقع، لم تخضع له وعملت على تغييره.. كما لم تنافس أحدًا على موقع أو منصب، لكنها نافست على حب فلسطين والالتزام بالقضية، هذه بعض من صفات الجبهة الشعبية، التي نحتفل بذكرى انطلاقتها.
لقد مثلت الجبهة عبر تاريخها النضالي الطويل كتابًا مشرقًا، يعتز به كل من شارك بهذه المسيرة، مسيرة العزة والكرامة، مسيرة الكفاح والشرف، مسيرة العزة والكرامة، مسيرة الدفاع المتواصل بلا تراجع أو هوادة عن تحقيق، أهداف شعبنا في تحرير فلسطين من نهرها إلى بحرها، هذه المسيرة التي يعتز ويفتخر بها شرفاء الأمة وأحرار العالم، ورغم طول المسيرة، المعمدة بالدم والتضحيات، مسيرة لا تعايش مع العدو الصهيوني.. مسيرة تحرير فلسطين كل فلسطين، مسيرة خيار المقاومة والكفاح المسلح، مسيرة رفض التنازل والمفاوضات، مسيرة عدم الرهان على ما يسمى بالشرعية الدولية، مسيرة رفض التطبيع، مسيرة التكامل والتحالف مع القوى التقدمية والديمقراطية العربي والعالمية في مواجهة الظلم والاضطهاد.
بعد ذلك، وبعد هذا الاستعراض السريع لتاريخ الجبهة وما مثلته، أرى من واجبي تجاه الجبهة من ناحية وحقها علينا من ناحية ثانية، أن لا نكتفي في مثل هذه المناسبات بتوجيه التحايا والحديث عن الإيجابيات فقط، بل من موقع الحرص على الجبهة وعملية تطورها المستمرة، ومن موقع الشريك والمنخرط في العملية النضالية منذ أكثر من نصف قرن، وليس الجالس على مقاعد المتفرجين، لا بد من تسجيل بعض الملاحظات النقدية في إطار تقييم هذه المسيرة الطويلة، ليس من موقع الذم والشتم والتشفي، وإنما من موقع المعرفة التامة أن الجبهة الشعبية، جسم حي مكون من بشر، والبشر يخطؤون ويصيبون، وليس هناك من هو معصوم عن الخطأ، وبالتالي من الطبيعي أن تقع الجبهة في بعض الأخطاء، ومن المهم الاعتراف بالخطأ والعمل على تصحيحه، وهذا ما عودتنا الجبهة على ممارسته في مؤتمراتها واجتماعات هيئاتها المركزية، وليس هذا فقط، وإنما على مستوى اجتماعات كافة المراتب الحزبية فيها، حيث يكون النقد والنقد الذاتي، بندًا ثابتًا في كل اجتماع من هذه الاجتماعات، وفي إطار عملية النقد والتقييم أرى لزامًا وواجبا على كل الوطنيين والمخلصين، تحويل هذه المناسبات إلى وقفات تقييم موضوعية، تستهدف استخراج الدروس والعبر والوقوف أمام أخطاء الماضي من اجل تجاوزها في المستقبل، وأدعوا إلى أوسع مشاركة في تقييم هذه التجربة، يشارك فيها كل أصدقاء الجبهة ومناصريها في مختلف أنحاء العالم، كون الجبهة، تشكل تيارًا جماهيريًا واسعًا، ولا تعد حكرًا على أعضائها، فعلى العقل الجماعي أن يساهم في عملية التقييم هذه من داخل الجبهة وخارجها، ومن أجل الإجابة على الأسئلة الكبرى، من نوع لماذا عجزنا حتى الآن عن تحقيق وحدة وطنية حقيقية رغم حاجتنا إليها؟ ومن المسؤول؟ ولماذا لم نحقق أهدافنا بعد كل هذه السنوات الطويلة من النضال؟ وأين يكمن الخلل؟ هل يكمن في البرنامج؟ أم في القيادة؟ ام في عدم نضج الظروف الموضوعية والذاتية؟ وجميعها أسئلة مشروعة يجب البحث عن إجابات لها.
أما الملاحظات النقدية، أستطيع أن أوجزها بما يلي:
قد يبدو الايجاز طويلًا...، لكن ما يشفع لي هنا أن المسيرة نفسها طويلة وتمتد لأكثر من نصف قرن، ولا يمكن تقييمها بسرعة لن تعطيها حقها، والآن نتوقف عند أهم محطات المراجعة والتقييم.
رغم وضوح الفكر السياسي للجبهة الشعبية منذ انطلاقتها، حين حددت موقفها السياسي ورسمت استراتيجيتها منذ التأسيس، في كتاب الاستراتيجية السياسية والتنظيمية، الذي يعتبر من أهم الوثائق المرجعية، وحددت فيه الرؤية السياسية والتنظيمية، إلا أنها وقعت في مجموعة من الأخطاء، يمكن إيراد بعضها كالتالي:
1_ تغليب الجانب السياسي على الجانب التنظيمي في إطار الوحدة الوطنية، حيث كانت تركز دومًا في الحوارات على أهمية الخط السياسي وأن تتبنى المنظمة مواقف واضحة، ولم ترفق هذه المسألة بالجانب التنظيمي ودور الجبهة ومشاركتها في المؤسسات (المجلس الوطني والمركزي واللجنة التنفيذية ودوائر المنظمة المختلفة والمشاركة في السفارات على سبيل المثال.. الخ)، ورغم التفهم لموقف الجبهة بتأكيدها على وضوح الموقف السياسي، كان يجب أن يترافق ذلك مع الجانب التنظيمي، حيث علّمتنا التجربة أن أي قرار سياسي أو غيره يحتاج إلى قوة تنظيمية لتطبيقه، وقد عودتنا القيادة المتنفذة، منذ ياسر عرفات حتى الآن، على الخروج عن القرارات، ولو كنا نتمتع بحجم مشاركة أكبر، لكان دورنا في حماية القرارات أكبر أيضًا، وقد أدى كل ذلك إلى ضعف دورنا على صعيد منظمة التحرير. فهل يعقل أن تكون الجبهة أقل فصيل في التمثيل في هذه المؤسسات ويتفوق عليها فصائل نستطيع القول، أن الجبهة تتفوق عليها بمختلف المقاييس، هذا ليس تقليلًا من شأن أحد، لكنها الحقيقة. أليست الجبهة هي التنظيم الثاني في المنظمة؟ فأين تجسيد ذلك؟ يؤسفني القول، أننا قبلنا بذلك، وهذا الأمر يحتاج إلى مراجعة جادة.
2_ الموقف من أوسلو، لقد مثلت اتفاقيات أوسلو بمحتوياتها ومضامينها واقع وتحدي جديدان، تم التعبير عنهما بوضوح من خلال خروج القيادة المتنفذة في منظمة التحرير عن الصف الوطني برغبة منها، وانحازت إلى المشروع الأمريكي الصهيوني بكل تجلياته، وتخلت عن البرنامج الوطني، وذلك انسجامًا مع مصالحها الذاتية، مقدمة إياها على المصلحة الوطنية، ولم يأتِ هذا صدفة، وإنما جاء نتيجة لمخططات رسمت منذ زمن بعيد، حيث تشكلت وبرزت ونمت شريحة في الساحة الفلسطينية من السماسرة والعملاء والمقاولين والتجار، ارتبطت مصالحهم عضويًا مع بقاء الاحتلال ومع مصالحه، وواهم من يتصور أن هذه القيادة ممكن أن تعود للوحدة الوطنية والخط الوطني. لقد حسم الأمر بالنسبة لها، ونشهد اليوم حالة استسلام كاملة من قبل القيادة الرسمية المتنفذة، وبشكل موثق كونها انحازت للدفاع عن دولة العدو وحماية مصالحها، عبر التنسيق الأمني ووضعت نفسها في مواجهة الجماهير. سلطة أصبحت وظيفتها حماية الاحتلال وقمع المناضلين واعتقالهم والزج بهم في السجون والتبليغ عنهم، وقيادة قالت لنا في عام 1974 عند إقرار البرنامج المرحلي، إنها تريد تحرير فلسطين على مراحل، والآن نجد أنفسنا أمام قيادة تتنازل عن فلسطين على مراحل، والسؤال المهم بعد كل هذه التجربة وعملية الخداع: هل بقي هناك مجال للتعاون والتعامل معها؟ أم يجب التصدي لها ومحاربتها وكشفها أمام الجماهير باعتبارها أصبحت جزءًا من مخطط تصفية الشعب الفلسطيني؟
نحن أمام واقع جديد ومرحلة جديدة لا نستطيع التعامل معها بنفس البرامج والوسائل والأدوات القديمة، وللأسف استمرت الجبهة بتعاطيها مع هذه الأمور بنفس الطريقة والعقلية. وعلى سبيل المثال، كيفية التعاطي مع الوحدة الوطنية؟ هل يجوز أن التعاطي معها قبل أوسلو وبعد أوسلو بنفس الطريقة والتفكير، وقبل الاعتراف بإسرائيل وبعد الاعتراف بنفس الأسلوب..؟
في تقديري المتواضع أن الجبهة لم تتعاطَ بالشكل الصحيح وأخطأت، وإذا كان التنازل عن 78% من فلسطين خيانة، كيف نستمر في الوحدة مع من تنازل؟ وإذا قلنا: أن هذا التنازل ليس خيانة تكون هنا المصيبة أعظم وأكبر. فلقد أخطأت الجبهة في التعامل مع هذا الموضوع، رغم إنها حللت هذه النقلة النوعية وحددت مخاطرها لكن: كيف كانت النتيجة؟ ولماذا فشلنا في عملية التصدي لذلك؟
إن المطلوب وقفة مراجعة جادة تستخرج الدروس وتعطي إجابات واضحة على كل ذلك، وفي ضوء ما وصلت إليه الأمور بات من الضروري والواجب، أن نفكر جديًا وبقوة بطرح الخيار البديل، الذي يسقط هذه القيادة ومعها مشاريع التصفية ويسير بالثورة إلى الأمام، نحو تحقيق هدفها وإنجاز برنامجها الوطني. كما علينا أن نعيد الاعتبار للوحدة الوطنية على قاعدة التمسك بالمنظمة، ممثلًا شرعيًا وحيدًا، وهذا مكسب لا يجوز التخلي عنه، ولكن استنادًا إلى الميثاق الوطني الأصلي. وهنا كيف تعاملت الجبهة مع هذا الموضوع، إن منظمة التحرير والوحدة الوطنية ليست هي الهدف إنما الوسيلة، والهدف هو تحرير فلسطين، والمقدس هي فلسطين، والمنظمة والوحدة مقدسة بمقدار ما تقربنا من فلسطين ونبتعد عنها بمقدار ما تتخلى عن فلسطين.
هل أحسنت الجبهة التعامل مع هذا الموضوع؟ كيف يمكن للجبهة أن ترفض أوسلو وتتعامل معه في نفس الوقت؟ وهنا أقول أن الجبهة أخطأت في خوض الانتخابات التشريعية والمشاركة فيها، مما أثار بلبلة لدي جماهيرها وأعضائها. وكيف للجبهة أن تشارك في انتخابات الرئاسة أيضًا، من خلال دعم أحد المرشحين وعلى قاعدة أوسلو؟
ثانيًا. في الجانب التنظيمي
من الضروري التركيز على أهمية البعد التنظيمي، كون التنظيم هو الأداة التي تحمل المشروع وتسير به نحو إنجازه. إن التجربة، وخاصة في السنوات الأخيرة، تشير إلى أن تراجعًا قد حصل، وأن أمراضًا قد علقت في جسم التنظيم، لا بد من التخلص منها، والمطلوب تصليب البنية الحزبية، وتعميق الديمقراطية، ومحاربة الترهل، وعدم الالتزام، والتجديد الدائم في الفكر والممارسة والقيادة وبناء الكادر القادر ووضع الرفيق المناسب في المكان المناسب. والسؤال: هل نجحنا في ذلك؟
بكل أمانة وثقة أقول: إننا أخفقنا في الكثير من هذه الأمور والأمثلة متعددة، لا يسمح المقال بتناولها هنا، مما كان له الأثر السلبي، وعلى الجبهة أن تراجع، وأن تنفض الغبار عنها.
وسوف أتوقف هنا عند نقطة واحدة لما لها من أهمية، وهي كيف تعاملت الجبهة مع عشرات الكوادر والقيادات والمئات من الأعضاء الذين غادروا صفوفها، وكل له أسبابه، نتفق أو نختلف معها، ولكن الأغلبية الساحقة منهم، حافظت على الانتماء الوطني وتمسكت بالموقف السياسي الذي مثلته وتمثله الجبهة. والسؤال هنا: هل تعاملت الجبهة بشكل سليم؟
أجزم، أنها أخطأت وعليها المراجعة، كيف يمكن اعتبار من غادر التنظيم وما زال يعطي أنه متساقط؟ إنها نظرة ضيقة للأمور، تحتاج إلى تقويم. وكيف يمكن إهمال هذا الكم الكبير من المناضلين وعدم الاتصال بهم ومتابعتهم؟ وأين تكمن المشكلة؟ في اعتقادي، أن المشكلة تكمن في عاملين: الأول، الفهم الخاطئ لهذه الظاهرة، والتي تنتشر في كل أحزاب العالم وتنظيماته. والثاني، يكمن في أن من يتحمل المسؤولية وواجبه المتابعة.. لا يقوم بدوره بسبب العجز أو عدم الكفاءة، وكلاهما يستحق العلاج دون إبطاء، إذا أردنا الخروج من هذا الواقع وإعادة الاعتبار للجبهة.
3_ الجانب المالي، من المعروف أن الجانب المالي، يكتسب أهمية خاصة في حياتنا (كدول.. مؤسسات.. شركات.. أحزاب.. منظمات وأفراد.. الخ)، وللأسف بدون المال لا نستطيع أن نعمل ونطبق برامجنا، ومن المعروف أن كافة النظم عبر التاريخ ركزت على الجانب الاقتصادي من النظام الرأسمالي إلى الاشتراكي. إن الاعتماد على النفس مسألة أساسية، وهنا كيف تعاملنا مع هذا الموضوع؟ ولماذا فشلنا كمجموع ونجحنا كأفراد في المشاريع الاستثمارية؟! وكيف للحزب أن يعمل وينفذ برامجه ويقوم بواجباته إذا افتقد لعنصر المال واستند للآخرين في تمويله، وبالتالي يتحول إلى العجز تدريجيًا أو إلى الاضطرار أن يكون تابعًا، وحاشا أن تكون الجبهة من هذا الطراز.. ولن تكون كما هو تاريخها وكما نعرفها.
4_ في الجانب الشعبي والجماهيري، لقد تراجع وزن ودور الجبهة مؤخرًا، وعلى القيادة أن تعمل من أجل استعادة (الشعبية) للجبهة الشعبية.. لقد ابتعدنا في الفترة الأخيرة عن التواصل مع الجماهير واكتفينا بالظهور في وسائل الإعلام، في الوقت الذي يجب فيه تعزيز حضورنا في أوساط الجماهير وبين الناس، فالجماهير بالنسبة للحزب كالماء بالنسبة للسمكة. والسؤال هل نقوم بالتواصل كما يجب مع الجماهير؟
هل نزور المخيمات في لبنان و الأردن وما تبقى منها في سوريا؟ أم نكتفي بالعمل البعيد عنها؟
أعتقد ان الجبهة بحاجة للوقوف مجددًا أمام هذا الموضوع، وإعادة تقييمه وتبيان: أين قصرنا؟
5_ في الجانب الفكري والنظري، لقد أعطت الجبهة تاريخيًا لهذا الموضوع أهمية خاصة، وصدر عنها العديد من الأدبيات والكتب، والعديد منها يجيب على الكثير من التساؤلات التي تواجهنا اليوم. وكان لديها مدرسة كادر وأرسلت أعدادًا كبيرة للدورات النظرية، إلا أننا في الفترة الأخيرة، نشهد تراجعًا على هذا الصعيد يصل إلى حد الجفاف احيانًا. ومن المعروف أنه عندما يغيب الإبداع النظري والفكري، تغيب الكثير من الامور بحكم الترابط فيما بينها. وهنا لا أحمل القيادة فقط هذه المسؤولية، كون المسؤولية جماعية، ويجب أن يتصدى لها الجميع.
6_ الجبهة واليسار الفلسطيني، تعتبر وحدة الفصائل اليسارية والتنسيق بينها من أهم العوامل التي تؤثر في الوحدة الوطنية وفي القرار الفلسطيني. لقد قدم اليسار الفلسطيني عبر مسيرة الثورة آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، وكان له مساهمة كبيرة في الدفاع عن الثورة، وفي الانتفاضات الشعبية، وفي التصدي لأوسلو (رغم وقوع البعض في خطأ التعامل معه)، ولا يجوز إهمال دور اليسار (خاصة الجبهة الشعبية)، حيث قدمت الكثير مع غيرها وسجلت صفحات مشرقة من المجد وكانت ركنا اساسيا في المقاومة والنضال. ورغم كل ذلك لم يستطع اليسار بكل فصائله أن يشكل قطبا ثالثًا في الساحة الفلسطينية، مما أضعف دوره وأدى إلى تراجعه، والأسباب هنا متعددة يتشابك فيها الموضوعي والذاتي. لقد لعبت الجبهة دورًا كببرًا ومميزًا في سبيل تحقيق هذه الوحدة، ومن وجهة نظري أن الجبهة لم تنجح رغم ما يميزها أن تفرض نفسها قطبًا قائدًا يلتف حوله اليسار، ودون ذلك من الصعب إنجاز هذه العملية، وهذا ما قالته تجربة القيادة المشتركة والتحالف الديمقراطي والقطب الديمقراطي وغيرها من التجارب والمسميات، ومن ذلك فشل تجربة تشكيل قوائم مشتركة لخوض الانتخابات التي حدد موعدها وتم تعطيلها. أليست تجربة كهذه تستحق التقييم وتحديد من المسؤول عن الفشل؟
إن هذ الأمر يحتاج الى وقفة مراجعة وتقييم تتناول دور الجبهة ومسؤوليتها.
7_ لم يتم اعطاء الجهد الكافي لتجنيد الشباب وضخ دماء جديدة للحزب. الشباب، هم المستقبل ومن يملك الشباب يملك المستقبل، والسؤال: ماذا قدمت الجبهة لهم؟ وأين مشاركتهم في القيادة؟
لقد أصبحنا حزبًا متوسط أعمار قيادته فوق 65، أين هم الشباب؟
فالأحزاب تشيخ كما تشيخ الأفراد وعلينا مسؤولية التجديد، وهذا لا يعني إطلاقًا التقليل من دور الجيل القديم فهو الذي يملك التاريخ والتجربة والمسألة لا تتعلق بصراع الأجيال، كما يفهمها البعض، وإنما بتكامل أدوارها وتجربة الثورات في العالم تشير إلى ذلك.. ألم يقد القائد فيديل كاسترو كوبا الثورة الصامدة والمنتصرة حتى بعد تجاوز ال 80 من العمر...؟ ألم يتزعم هوشي منة الثورة الفيتنامية بعد أن تجاوز ال 75 من العمر وبقي حتى وفاته وهو في ال 79؟ ألم يخرج نيلسون مانديلا من السجن ليتسلم الرئاسة في دولة جنوب إفريقيا وقد بلغ من العمر ما يفوق ال 80 عامًا؟ والأمثلة من التاريخ كثير.. وكم من مناضل تجاوز ال 60 أو ال 70 ما زال قادر على العطاء أكثر من شباب في سن ال 25 أو ال 30؟
8 - في موضوع المرأة، تعتبر مشاركة المرأة ودورها في الثورة، وفي أي حزب مهمة أساسية. أين نحن من هذا الموضوع؟ وما هو حجم المشاركة؟ فرغم الدور الذي لعبته وما زالت بعض الرفيقات اللواتي ننحني أمام تضحياتهن، أمثال: شادية أبو غزالة وليلى خالد ورسمية عودة ومريم ابو دقة وسميرة صلاح وأمينة دحبور ومها نصار والمناضلة خالدة جرار التي عانت ما عانته في سجون العدو، إلا أن نسبة مشاركة المرأة في الجبهة، وفي القيادة ما زالت ضعيفة، وليست مرضية، وتحتاج إلى جهد متواصل، يستند إلى برامج من أجل الوصول ذلك، وهذا الأمر يحتاج إلى تقييم جدي يساهم فيه الجميع، خاصة الرفيقات للإجابة على السؤال: لماذا فشلنا في تأطير نسبة عالية من النساء؟
صحيح أن وضعنا أفضل من غيرنا، لكن المقارنة العلمية والصحيحة لا يجوز أن تقوم مع الآخرين، وإنما مع برنامجنا وطموحاتنا. حزب نسبة المرأة متدنية فيه ولا ينجح في استقطابها ويفشل في تربية الكادر النسائي، ولا تكون المرأة فيه شريكًا فاعلًا ومؤثرًا، مشكوك في إمكانية نجاحه.
أخيرًا، وبعد كل ذلك المطلوب اليوم من الجبهة الشعبية بالتعاون مع كل المقاومين والوطنيين المخلصين، أن تبادر لإنقاذ الوضع الفلسطيني وإخراجه من المأزق الذي تمر به القضية ويشمل الجميع، والجبهة هي المؤهلة، لكي تقرع الجرس وتدق جدران الخزان، رغم كل ما تتعرض له يوميًا من ملاحقات وحملات تصفية من العدو وحصار مالي وضغوط سياسية من قبل السلطة، والجميع يعلم كما قالت التجربة أن الجبهة الشعبية قوية في مواقفها صلبة في مبادئها، شديدة في مقاومتها، حاسمة في خياراتها وهي عصية على الكسر والتطويع.. لا نريد أن نحمل الجهة أكثر، مما تحتمل، ولكنها كما عودتنا دائمًا أنها هي البوصلة التي تشير إلى الاتجاه الصحيح وهي جمل المحامل كما يقول المثل.

