Menu

جمجمةُ المعاقب: رمزُ العنفِ الصهيونيّ المنفلت ضدّ الفلسطينيّين تحليلُ الشرّ

أحمد مصطفى جابر

نشر هذا المقال في العدد 32 من مجلة الهدف الإلكترونية

في خضمِّ الأحداثِ التي وقعت في الداخلِ الفلسطينيّ في شهر أيّار/ مايو في سياقِ معركةِ سيف القدس ، شُوهدت عناصرُ الشرطة "الإسرائيليّة" من وحدة "يسام" يتجوّلون في حيّ العجميّ في مدينة يافا، ويطلقون النارَ على منازلِ الفلسطينيّين، واللافتُ في هؤلاءِ هو وجودُ رمزِ "الجمجمة" مطبوعًا على ملابسهم؛ هذهِ الوحدةُ الشرطيّةُ، وباعترافِ تقاريرَ صهيونيّةٍ؛ تورّطت في عددٍ من حوادثِ ترهيبِ الفلسطينيّين وإيذائهم.

واللافتُ أنّ يحصلَ سلوكُ الوحدة المقاتلة على تعليقٍ من نوع "تشعر الشرطة كما لو كانوا في نابلس أو جنين"؛ الأمرُ - إذًا - أنّ ما هو مسموحٌ في نابلس وجنين ممنوعٌ في يافا وضواحي تل أبيب. ولكنْ هذا الشعارُ شُوهد - أيضًا - في مدن الضفّة الغربيّة، في عمليّاتِ القمعِ والاعتقالِ وحرقِ الزيتونِ؛ كان بالإمكانِ دائمًا رؤيةَ جنديٍّ يضعُهُ على الأقل.

شخصيّةٌ هزليّةٌ تتحوّلُ إلى قاتلٍ منتقم

تمّ استقاءُ رمزِ الجمجمة من الكتاب الهزليّ (الكوميكس) "المعاقب - The Punisher" ثمّ إنتاج "مارفل" عام 1974، الذي تحوّل - لاحقًا - إلى فيلمٍ أمريكيٍّ عنيف، حيث نجدُ الجنديَّ المهملَ المنسيَّ والمحبطَ الساعي إلى ثأرٍ دمويّ، ويحاربُ المافيا والمجرمين الآخرين باستخدامِ العنف الشديد؛ متجاوزًا القانونَ معتبرًا نفسَهُ فوقَه، فلا يقبضُ على المجرمين، بل يقتلُهم؛ ما يحيلُ إلى شخصيّةٍ مُناهضةٍ للبطولة بمعناها الأخلاقيّ.

وتبعًا لجاريت إينيس، أحدِ مؤلّفي المسلسل على شبكة "نيتفليكس" فإنّ شخصيّةَ "المعاقب" تعكسُ "رؤيةَ العالم باللونين؛ الأبيضِ والأسود"، هذهِ الثنائيّةُ تجعلُهُ يظهرُ في الواقع شخصًا غامضًا أخلاقيًّا، قاسيًّا شديدَ الذكورة، يتجاهلُ بشكلٍ روتينيٍّ الأعرافَ القانونيّةَ والأخلاقيّةَ أثناءَ قيامِهِ بمطاردةِ "الأشرار" المزعومين الذين غالبًا ما يكونون من أقليّاتٍ عرقيّةٍ غيرِ بيضاء،  يُصوَّرنَ على أنّهم مجرمونَ وتجّارُ مخدّراتٍ وإرهابيّون، في ثيمةٍ كُرِّست طوالَ الثمانيناتِ والتسعينات من القرن الماضي، عندما حوّلت "الحربُ على المخدرات" في عهد إدارة رونالد ريغان اليمينيّة البيضاء، مجتمعاتِ السود واللاتينيّين إلى كبشِ فداءٍ مجتمعيٍّ مكثّفٍ لفشلِ النظام، وسياساتِ ريغان الاقتصاديّة، وفرضت عليهم سجنًا أخلاقيًّا جماعيًّا، ومارست ضدَّهم العنفَ البوليسيَّ غيرَ المسبوق، كان هذا "المعاقب" موجودًا بانتظامٍ، كمطاردٍ لأعضاءِ الأقليّاتِ العرقيّةِ "المشبوهين" في الرسوم المصوّرة في جميع أنحاء مدن أمريكا الداخليّة، وفي أمريكا الجنوبيّة، وظهر ساخرًا من الضحايا السود لوحشيّةِ الشرطة.

وأثناءَ الغزو الأمريكيّ لأفغانستان ثمّ العراق، قفز "المعاقب" من صفحات الكتب المصوّرة إلى الخطوط الأماميّة لما يسمى بالحرب على الإرهاب، التي استخدمتها القوّاتُ الأمريكيّة سلاحًا للحربِ النفسيّة ضدّ "آخرجديد."

وبعدَ تطوّر الأمرِ من احتقارِ حياةِ الأفغانيّين والعراقيّين إلى احتقار حياة السود مقارنةً بالبيض، عام 2014، وردًّا على حملة "حياة السود مهمّة"، أطلق أنصارُ الشرطة الأمريكيّة حملةَ "الحياة الزرقاء مهمّة" في إشارةٍ لزيّ رجالِ الشرطة، واستخدمت الحملةُ رمزَ الجمجمة إلى جانب العلم الأمريكيّ، الذي كان على ما يبدو مصدرَ إلهامٍ لإضافةِ العلم الصهيونيّ إلى رمز "المعاقب" من قبل قوّات الأمن الصهيونيّة.

داخلَ الولاياتِ المتّحدة بدأ ضبّاطُ الشرطة باستخدامِ الشخصيّة ورموزها في وقتٍ مبكرٍ عام 2004، عندما قامت مجموعةٌ، زعموا أنّها مارقةٌ من ضباط ميلووكي، بعدَ التحقيق في الضرب الوحشي لرجلٍ أسودَ أعزل؛ بتشكيل فرقةٍ أهليّةٍ تعرفُ باسم "Punishers" ، وارتدت قفّازاتٍ سوداءَ وقبّعاتٍ منقوشةً مع شعارات الجمجمة أثناءَ دورية. لاحقًا، وبعد ظهور حركة "حياة السود مهمّة -  Black Lives Matter"، تحوّل المعاقبُ إلى نوعٍ من "قديس راع" للشرطة اليمينيّة الرجعيّة، وارتدى رجالُ الشرطة الشعارَ أثناءَ ضربِ المتظاهرين واعتقالهم. وكان معتنقو هذا الرمز أو بعضُهم جزءًا من عمليّةِ اقتحامِ الكونغرس الأمريكيّ؛ احتجاجًا على فوز بايدن؛ ليتحوّلَ "المعاقب" من مجال "إنفاذ القانون" إلى لاعبٍ سياسيٍّ أساسيٍّ في صفوف اليمين المتطرّف، الداعي للسخرية - ربّما - في تبنّي الصهاينة للشعار، أنّ هذه الحركات الأمريكيّة التي يتماهون بها هي حركاتٌ معاديةٌ للساميّة بشدّة، بَدْءًا من الهتافات القوميّة البيضاء، التي تقول "لن يحلّ محلَّنا اليهود" في شارلوتسفيل إلى مؤامرات "قنون - QAnon المدافعة عن "فرية الدم" ضدّ اليهود.

طبعًا هناك تقاريرُ تفيدُ أنّ هذا الرمزَ كان شعارًا للقوّات النازيّة الخاصّة " SS " التي قامت بحراسةِ المعتقلات الإباديّة، وعلى كلّ حالٍ اكتسب الرمزُ شهرتَهُ الواسعةَ في السنوات الأخيرة، وأصبح شائعًا بين قوّات الأمن في أمريكا والكيان الصهيونيّ رمزًا للردع.

إنكارُ الجيش

يبرز "المعاقب" انتقامًا من ثورةِ المظلومِ أكثرَ ممّا هو ثأرٌ على الظالم، على الأقلّ في الممارسة الواقعيّة للجنود الأمريكان والصهاينة، وهو في النتيجةِ رمزٌ لفشلِ القانون، وانتهاكه على يد أفرادٍ مؤهّلين نفسيًّا؛ ليصبحوا مجرمين، وهو ما عبّر عنه أحدُ كتّاب السلسلة جيري كونواي، إذ قال "يبدو لي دائمًا سخيفًا ومثيرًا للسخريّة أن يتبنّى رجالُ الشرطة رمزًا، من الواضحِ أنّه مخالفٌ للقانون"، مضيفًا أنّه "شخصٌ ينشأُ من عقلنا الباطن ويتصرّفُ نيابةً عنا ... إنّه حقًا رمزٌ للانهيار الثقافيّ". وردًّا على استخدام الشرطة للشارة، أطلق كونواي حملةَ" جماجم من أجل العدالة "التي تضمُّ زخارفَ الحياةِ السوداءِ في محاولةٍ لإعادةِ تخصيصِ الشارة.

بالعودةِ إلى الجيش الصهيونيّ، فقد تمَّ توثيقُ الرمزِ العدوانيّ على نطاقٍ واسعٍ من جبال الخليل الجنوبيّة إلى القدس المحتلّة، وتمَّ توثيقُ صور الجنود برمز "المعاقب" على السترة أو الخوذة، هذا الشعارُ الذي يوضع عادةً بجانب العلم الصهيوني على ملابس الجنود، وكذلك ضبّاط الشرطة، وحتّى أفراد الحماية المدنيّة الصهيونيّة. أصبحَ رمزًا للترهيب، حيث يقولُ أوري جفعاتي، الناشط في منظّمة كسر الصمت الصهيونيّة، الذي أجرى بحثًا حولَ هذا الموضوع أنّ رمز "المعاقب" هو جزءٌ من المظهر المخيف الذي يحاولُ الجيشُ الصهيونيّ إبرازه، من الطريقة التي نريد أن نظهر بها أمامَ الشخص الذي أمامنا، عندما نضع الجمجمةَ على الزيّ الرسميّ نرسل رسالةً واضحةً: لسنا هنا للدفاع، نحنُ هنا للهجوم والترهيب".

ويضيفُ جفعاتي، الذي وثّق هذا الشعارَ على ملابس جنودٍ من لواء الناحال قبل أربعِ سنواتٍ "على مرّ السنين، رأيتُ الجمجمة بأشكالٍ مختلفة، وألوانٍ مختلفة، مع جنودٍ من وحداتٍ مختلفةٍ ومع ضبّاط شرطة حرس الحدود"، وهو يعتقدُ أنّ معظم الأشخاص الذين يستخدمون هذا الرمز في الكيان لا يعرفون - بالضرورة - الكتابَ الهزليَّ الذي استُوحي منه الرمزُ، بل إنّ القصدَ من استخدام الرمز هو أن يكونَ الجنديُّ مخيفًا.

وردًّا على الانتقادات؛ زعم المتحدّثُ باسمِ الجيش الصهيوني "في الجيش الإسرائيلي، يجوز ارتداء الرموز العسكريّة التي تمّت الموافقةُ عليها من قبل لجنة الرموز، وَفْقًا للتأكيدات المنصوص عليها في المرسوم. لم يتمَّ التعرّفُ على الرمز المعني، ولم يتمَّ اعتمادُهُ من قبل لجنة الرموز التابعة لجيش الدفاع الإسرائيليّ، ومن ثَمَّ يُحظر ارتداؤه، وسيتمُّ شحذُ الإجراءات حولَ هذا الموضوع، وستجرى محادثاتٌ مع الجنود حولَ المعنى الكامن وراءَ الرسم التوضيحيّ الموجود على الشارة ونزعها"، ولكنّ شيئًا لم يحدث.

في السياق الصهيونيّ كما الأمريكي يربط شعار Punisher معًا الوحدات العسكريّة ووحدات الشرطة، والحركات الاجتماعيّة اليمينيّة، والمستوطنين، وشرائح من عامة الناس في رابطةٍ ثقافيّةٍ رجعيّةٍ شديدةِ التطرّف، وهذهِ العمليّةُ المترسّخةُ بعمقٍ في الولايات المتّحدة، بدأت بالانتشار في الكيان أيضًا، كأنّها نوعٌ من تضامن الشرطة الصهيونيّة مع الأمريكيّة ردًّا على التضامن الفلسطينيّ – الأسود، وتبنّي الفلسطينيّين لشعار "حياة السود مهمّة" كما تبنّي هؤلاءِ لشعار "حياة الفلسطينيين مهمة".

ما وراءَ العظامِ العارية

وكما في الولايات المتّحدة، ترمزُ الجمجمةُ والأسنانُ المكشوفةُ للشعار إلى تعزيز هيمنة التفوّق على التحدّيات، في لحظات التحوّل السياسيّ وعدم الاستقرار والتوتّر المتزايد، وتحقيقًا لهذهِ الغاية، تتغذّى جاذبيّةُ الشعار في الولايات المتّحدة من جذورٍ في ثقافةٍ أوسعَ من الاغتراب والعدوان، وعنف السلاح، والذكورة السامة، وعسكرة الحياة اليومية - وهي ثقافةٌ منغرسةٌ أيضًا في الكيان الصهيوني، حيث الاحتلال، والهيمنة الاستعماريّة الاستيطانيّة، والعسكرة المفرطة.

وفي السياق الثقافيّ الصهيونيّ المرتبط بعقدة المحاصر و"فرادة الضحيّة"، و"العالم كلّه ضدّنا"، يساعد في دعم الاستثمار الموازي في فرط الذكورة وسطَ اعتقادٍ بأنّ "إسرائيل" هي "المعاقب"، الخندق الحضاريّ الغربيّ المتقدّم في وجه الشرق المتخلّف الهمجي، وهذا يرتبطُ عميقًا بفكرة التحوّل اليهوديّ في الأرض الجديدة الموعودة، من يهوديّ الشتات الضعيف الخائف إلى اليهوديّ القويّ بعضلاتٍ بارزة، اليهوديّ الجديد، المنتقم والسوبر مان.

ويشير تقريرٌ تحليليٌّ إلى أنّه في الواقع يُعجب جنودُ الشرطة وضبّاطُها في كلٍّ من الولايات المتّحدة والكيان الصهيونيّ بالمعاقب على وجه التحديد؛ لأنّه - تمامًا - مثل "الأبطال المعذّبين" في دراما "مكافحة الإرهاب الإسرائيليّة" مثل "فوضى" الذي يتناولُ قصصَ مستعربي الشاباك الصهاينة، أو "24 وهي سلسلةٌ أمريكيّةٌ شهيرة، حيث يتخلّصُ البطل في هذين المسلسلين من أي ضبطٍ للنفس قد يفرضُهُ نظامُ العدالةِ الجنائيّة المفترض في بلدٍ يحترمُ القانون، ويأخذ "العدالة" بين يديه. حيث يسمح بارتداء شعار الجمجمة للجندي والشرطي الصهيوني بالنظر إلى نفسه على نحو غيرِ متوقّع، على أنّه خارجٌ عن القانون وبطريقةٍ مرغوبةٍ ومثيرة؛ لمنح نفسه إذنًا "جماعيًّا وليس فقط فرديًّا" ليتجاوز، باسم القمع العنيف، القانون نفسه الذي يعملون ظاهريًّا لحمايته.

في النتيجة، من الواضح أنّ انتشارَ هذا الرمز في الكيان الصهيونيّ، هو دليلٌ على تطوّر النزعة العدوانيّة المتأصّلة ضدّ الفلسطينيّين، وجزءٌ من الحرب النفسيّة التي تجري على مستويين؛ الأوّل ترهيبُ الفلسطينيّين، والثاني تعزيزُ ثقة الجنديّ بقدرته على تجاوز كلّ القوانين، وخلق هالةٍ من الرعب حوله.

ولكن أيضًا، يدلُّ تبنّي هذهِ الشخصيّةَ، سواءً في السياق الأمريكيّ أو الصهيونيّ، على خللٍ وتناقضٍ معرفيٍّ وانحرافٍ أخلاقيٍّ خطيرٍ؛ عبرَ تبنّي شخصيّةٍ تغذيها الكراهيةُ والخوف، وما يثيرُ السخريّةَ من جديد، أنّ رمزَ المعاقب أي "الجمجمة" يرمزُ بالضبط إلى حقيقة العنصريّين؛ البيض والصهاينة؛ أناس عنيفين امتلكوا القوّة لتخويل أنفسهم بإرهاب الآخرين وقمعهم، وخالين من الرحمة والحسّ الإنسانيّ المرتبط بضميرٍ نشط.

أخيرًا، يبدو أنّه من الصعبِ تحديدُ إن كانت الوحشيّةُ الصهيونيّةُ في ممارساتِ الجنود والمستوطنين ورجال الشرطة مستمدّةً من ثيمات "المعاقب" أم العكس. وأظنُّ أنّ لا أحدًا ينتظرُ جوابًا لهذا السؤال.